
قبل تلات ساعات من ليلة زفافي، سمعت جوزي المستقبلي بيچول لرجاله إني ولا أفرِق معاه في شَي. “مش ريدها.. ولا عُمري ريدتها”، ده اللي چاله هريدي العمدة من ورا باب المندرة، وأني واقفة متسمرة بتوبي الأبيض، وواعية إني مش رايحة أكون مراته، أني رايحة أكون حتة من إمبراطوريته وناحيته.
وأني عندي اتنين وعشرين سنة، قضيت عُمري كله بنعافر عشان نهرب من بحور الدم وتار العيلات في الصعيد. وادي آخرتها، عنتجوز من هريدي العمدة، ولد السبعة وتلاتين سنة وأكتر راجل الخق يعاودوا منه في القبلية كلها، وكل ده عشان أبوي متحكم في خطوط البضاعة والفلايك اللي ماشية في البحر وهريدي ريدها ومحتاج لها.
سأله دراعه اليمين، حسان: “أومال لاه عتتجوزها يا جناب العمدة؟”
رد عليه هريدي ببرود يفرس: “عشان أبوها ماسك أراضي وطرق لازمانا. عيلة الهواري عتضيق علينا وتزاحمنا في سوقنا، وجوازي من زينات هيقوي شوكتنا ويعزز نفوذنا.”
راح دياب ولد عم هريدي ضاحك ومكركر: “اهي مهندمة وعفية، وتنفع صالحة للزرعة الخلفة وتجيب الهيبة.”
عضيت على شفتي بغل لحد ما طعم الدم ملا حنكي. الحريم في بلدنا چرا جرفهم يعيشوا يبتسموا، ويطيعوا، ويجيبوا الولد، ويوطوا للضرب وياكلوا النار اللي الرجال بيولعوها.
وكمال هريدي حديثه: “تقعد هي في الدوار القديم ناحية الشرق. طالما باعدة عن شغلي وتجيبلي ولد في سنتها دي، تعمل اللي يچي في كيفها.”
في اللحظة دي بالذات، في حاجة جوّاي اتكسرت وماتت.
بعديها بدقايق، أبوي كان ماسك يدي وماشي بيا في المندرة الكبيرة اللي طافحة بأكتر من متين راجل من أعيان البلد. الحراس بأسلحتهم واقفين على كل باب، والذهب والمشغولات عتبرق تحت التريات، والرجال عيتكلموا في البيع والشراء والسلاح وهما عاملين روحهم چايين يفرحوا.
وفجأة اتفتحت أبواب الدوار.
كان هريدي واقف جنب المأذون، طول وعرض وهيبة بالجلابية البلدي والعباية الشال اللي تفزع. عينيه الرمادي چابوا عينيا، وتعبت وأني بدور فيهم على أي أمل يچول إن الكلام اللي سمعته ده كدب.
مالقيتش ولا حاجة.
رددت ورا المأذون كلام ما حاساهوش. صوابعه كانت تلچ لما لبسني الدبلة، وأول بوسة منه على راسي كانت باردة زي ما تكون اتفاق بين اتنين تجار بيبصموا على مشارطة.
في المرماح والليلة، هريدي بخل عليا حتى بالنظرة. بس لما كان يقرّب حد من أكابر البلد، كانت يده تنزل على وسطي بقوة وتملّك.
ويچول: “حرمنا.. زينات.”
ده كل اللي كنت أساواه عنده.
قريب من نص الليل، لچتني صاحبتي الغالية صفية وأني واقفة في الحوش ببص على النيل والضلمة. حكيتلها كل اللي حصل، ووشها تحرّق من الغيظ.
“مش هتقدري تعيشي في النار دي يا زينات!”
همستلها ودموعي حابساها: “هعيش وهنچو يا صفية.”
بعد تلات شهور، بقينا أني وهريدي أستاذة في إننا نكون غراب عن بعض وتحت سقف واحد. هو عايش في ناحية الدوار الغربية، وأني في الشرقية، وما بنتقابلش إلا لما المظاهر قدام الناس تجبرنا.
ليلتنا الأولى كانت زي ما وعد بالظبط.
واجب وتأدية فرض.. مش أكتر.
ومن ساعتها ما حطش يده عليا ولا قربلي.
دفنت روحي في العچن والغزل، ولم الحريم والغلابة، وأي حاجة تلهيني عن الحقيقة المرّة؛ وهي إني بين الغديات الصامتة والنظرات البعيدة، بديت ألاحظ حاجات في جوزي كنت بتمنى من قلبي ما أشوفهاش.
ضحكته القليلة كانت بتقلّب وشّه كله وتخليه بني آدم تاني. وايديه اللي عتدي أوامر تهد جبال، كانت بتتحرك بحنية غريبة ساعات، وأوقات كنت ألمح في عينيه نظرة مكسورة ووجع داريه لما يفتكر إن محدش شايفه.
كنت بقع في حب راجل عمره ما ريدني ولا طايقني.
ولما چاه شهر سبتمبر، بجي حسان يظهر كتير حواليا.
“يا ست زينات، العمدة بيسال لو هتروحي معاه المولد الليلة.”
“العمدة بيچولك غيري في فرش القاعة الكبيرة براحتك.”
ولحد ما چاه يوم في القايلة، حسان وقفني وأني رايحة ناحية الجنينة.
“العمدة لاحظ إنك عتتمشي لحالك كتير.”
كنت هضحك بمرارة: “وإيه يعني؟”
وشه ما اتغيرش وهو بيچول: “أمر بزود حراسة تقف على خيالك.”
معدتي اتقلبت.
تلات شهور وهريدي ما باصصليش، ودلوقتي فجأة بجي يسال أني رايحة فين وجاية منين ومين واجيل يحميني!
لتفتّ ناحية الناحية الغربية من الدوار، مطرح ما جوزي قاعد ورا الأبواب المقفولة، ولأول مرة من يوم فرحنا، دخل عقلي سؤال واحد يفزع:
هريدي عرف إيه مخلي الرعب ياكله عليا إني ينصيبني أي مكروه؟
#حكايات_شروق_خالدبعد القايلة بربع ساعة، خرجت نتمشى في الحوش متعمّدة، وعيني على شبابيك الجناح الغربي. حسان كان ماشي ورايا بعيد بتلات خطوات، ومعاه اتنين غفر حاملين النبوت والسلاح.
وقفت حذو السور العالي اللي بطل على الساقية والمزرعة، ولفتّ لحسان وچرّبت منه، وچلتله بنبرة حامية: “هو العمدة مرعوب من إيه يا حسان؟ ولا خايف إني نهرب ونفضحه بين العرب؟”
حسان وسايط عينه في الأرض، وما رضيش يرفعها فيا، وچال بصوت واطي: “جناب العمدة ما بيخافش يا ست زينات.. العمدة بيحميكي.”
“بيحميني من مين؟” سألته وأني بنضغط على الكلمة.
رد وهو بيتلفت حواليه كأنه خايف الحيطان تسمعه: “من ناس عتوصل أخبارهم للغابة والدوار من يومين.. ناس من طرف الهواري عيحوموا حوالين البلد، وهريدي بيه عرف إنهم حاطين عينهم عليكي إنتي بالذات، عشان يكسروه بيكي.”
قلبي اتخلع من مكانه. الهواري! العيلة اللي بيننا وبينهم تار موصول وبحور دم ما بتجفش.. هما عايزين يوصلوا لإيثان عن طريقي أني؟
في نفس الليلة، وعلى غير العادة، حسيت بخطوات تقيلة چاية ناحية الجناح الشرقي بعد نص الليل. الأكرة اتلفتت بالراحة، ودخل هريدي.
كان قلع العباية والشال، وماشي بقميصه البلدي المفتوح عند الرقبة. شكله كان تعبان، وعينيه الرمادي فيها إرهاق ما شفتهوش فيه قبل كده.
وقفت في نص الأوضة، ونشفت ريقي وچلت: “چاي ليه يا هريدي؟ مش إحنا متفقين كل واحد في ناحيته؟”
قرب مني بخطوات هادية لحد ما بقى بيني وبينه شبر واحد. ريحة الصندل والبخور اللي طالعة منه خنقت انفاسي. رفع يده بالراحة، ولأول مرة صوابعه لمست خدي بحنية غريبة صدمتني.
“أني وچعتك بالحديث اللي سمعتيه يوم الفرح يا زينات؟” سألني بصوت واطي ومبحوح.
اتصدمت. مكانش في بالي إنه عارف إني سمعته!
عقدت حواجبي وچلت بخجل وغيظ: “سمعت الحق.. إني مجرد بيعة وشروة عشان الطرق والمركبات.”
غمض عينيه وخد نفس طويل، وبعدين فتحهم وبص في عيني مباشرة: “اليوم ده.. كنت عارف إن في حد بيتصنط من رجالة الهواري ورا الباب. لو كنت چلت إني ريدك وعشقك، كانوا هيعرفوا نقطة ضعفي ويحرقوا جلبك ويطخوكي في تاني يوم.”
دموعي نزلت غصب عني، ومعدتي اتقلبت من المفاجأة.
كمل هو وهو بيمسح دموعي بصابعه العريض: “أني ما تجوزتكيش عشان أبوكي ولا عشان البحر يا زينات.. أني اتجوزتك عشان نحميكي منهم ومن أبوكي نفسه اللي كان هيبيعك لأول يد تدفع.. بس الخطر بيجرب، والليلة دي بالذات لازم تقعدي في عيني.”
وقبل ما نستوعب كلامه، انطلق صوت رصاص حي يهز حيطان الدوار كله، واتطفت الأنوار، وصرخ حسان من برة: “الحق يا جناب العمدة!! الهوارة ضربوا الدوار!!”
#حكايات_شروق_خالد




