
أول حاجة لفتت نظر آسر إنها كانت بتشتغل بطريقة مختلفة.
مش بطريقة سيئة.
بالعكس.
كانت شغلها متقن ودقيق.
بتوصل في نفس الميعاد.
بتخلص كل المهام المطلوبة منها.
وما كانتش بتختصر في أي حاجة.
لكنها كانت بتعمل حاجات محدش طلبها منها.
شافها وهي بتعدل صورة قديمة لعيلة المنشاوي كانت معلقة مائلة بقالها سنين.
وشافها وهي بتمرر صوابعها على أسطوانات والد آسر القديمة، كأنها بتحاول تقرأ حكاية مخبية بينهم.
وشافها وهي واقفة قدام ترابيزة الماهوجني الكبيرة، اللي ما اتعملتش عليها عزومة من سنين.
كانت ماسكة فوطة التنظيف في إيدها.
لكنها ما كانتش بتنضف.
كانت بس بتبص للترابيزة.
حوالي دقيقة كاملة.
وشها ما كانش عليه حزن واضح.
كان فيه حاجة أقرب للاعتراف.
كأنها فاهمة إن الحاجات القديمة ممكن تشيل جواها ذكريات أكتر من البشر.
آسر كان بيتفرج على التسجيل من أوضة المراقبة.
ولأول مرة، لقى نفسه بيقرب من الشاشة من غير ما يحس.
هو كان بيدور على حرامي.
لكن اللي قدامه كان حاجة ما يعرفش يسميها.
وفي اليوم السادس…
الساعة 11:47 بالليل…
الكاميرا سجلت مريم الشاذلي وهي داخلة قاعة الرقص.
آسر كان تقريبًا هيعدّي التسجيل.
كان مركز على الدخول والخروج.
مين عنده فرصة؟
مين عنده دافع؟
مين يقدر يوصل للمكتب؟
لكن فجأة وقف التسجيل.
حاجة في طريقة مشيها لفتت نظره.
طول النهار كانت مريم ماشية بظهر مستقيم، وخطوات محسوبة، وتصرفاتها كلها مهنية.
لكن أول ما دخلت قاعة الرقص…
كل ده اختفى.
كأنها أخيرًا سمحت لنفسها تكون إنسانة.
قاعة الرقص كانت مقفولة بقالها سبع سنين.
مش بالمفتاح.
آسر ببساطة ما كانش مهتم بيها.
السقف عالي.
الأرضية لامعة.
والمكان كله بارد وهادي.
محدش من العاملين كان بيدخله.
وما كانش مكتوب عنه أي حاجة في تعليمات الموظفين.
ولا حد كان يتكلم عنه.
لكن مريم اكتشفته لوحدها.
والأغرب…
إنها قررت تعتبره مكانها الخاص.
كانت حافية على الأرض.
وفي إيدها معلقة خشب ماسكاها كأنها ميكروفون.
ما كانش فيه صوت في الكاميرات.
لكن آسر قدر يشوف شفايفها وهي بتتحرك.
وكان جسمها بيتمايل على موسيقى محدش غيرها سامعها.
كانت بترقص.
مش رقصة متدربة.
ولا رقصة معمولة عشان حد يشوفها.
كانت بترقص بالطريقة اللي الناس بترقص بيها لما ينسوا إن العالم موجود.
لفت بسرعة.
اتعثرت.
ضحكت.
حاولت تمسك نفسها.
وبعدين ضحكت أكتر.
ضحكت من قلبها.
آسر ما كانش سمع ضحكة حقيقية في القصر ده من سنين.
ومع ذلك…
وهو قاعد قدام شاشة المراقبة، حس بيها.
كانت ضحكة حقيقية.
من النوع اللي ما بيتعملش عشان يرضي حد.
ولا عشان يلفت انتباه حد.
فضل آسر قاعد في أوضة المراقبة المظلمة وقت طويل بعد ما مريم خرجت من القاعة ورجعت لأوضتها.
في الليلة دي…
ما دورش على الحرامي.
وما فتحش أي تسجيل تاني.
لأنه لأول مرة من سنين…
ما كانش عارف هو بيفكر في إيه بالظبط.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




