
“ثلاث سنين.”
“ثلاث سنين؟”
“كنتِ بتفتكري إني ما بشوفكيش.”
تذكرت زياراته الكثيرة.
نفس الكرسي.
نفس الساعة.
نفس الصمت.
قال:
“كنتِ دايمًا بتقفي مع المرضى اللي محدش كان بيسأل عنهم.”
ابتسمت بحزن.
“يمكن عشان أنا كنت واحدة منهم.”
نظر إلى عينيها.
“مش من النهارده.”
“يعني إيه؟”
وقف أمام سريرها مباشرة.
“يعني من النهارده محدش هيقدر يهينك، ولا يهددك، ولا يقرب منك.”
“وسيف…”
قاطعها:
“أنا عايز أتجوزك.”
سلمى حدقت فيه وكأنها لم تسمع جيدًا.
“إيه؟”
“اتجوزك.”
ضحكت من شدة الصدمة، ثم تألمت من جرحها.
“إنت فقدت عقلك.”
“ممكن.”
“إحنا حتى ما نعرفش بعض!”
“أنا عارف عنك أكتر مما تتخيلي.”
“وأنا معرفش عنك غير إنك مريض قلب غامض وبتقعد في نفس الكرسي كل شهر.”
ظهرت ابتسامة صغيرة على وجهه.
“مش مريض قلب.”
“أمال؟”
“كنت بعمل فحوصات عشان أبرر وجودي في المستشفى.”
“ليه؟”
اقترب وقال:
“عشان أشوفك.”
تجمدت.
وفي اللحظة نفسها، انفتح الباب بعنف.
دخل أحد رجال سيف.
“يا سيف بيه…”
نظر إليه سيف.
“قول.”
قال الرجل بصوت منخفض:
“مسكنا واحد من اللي هاجموا المستشفى.”
سيف تغيرت ملامحه.
“مين؟”
الرجل نظر إلى سلمى، ثم عاد ببصره إليه.
“قال اسم الشخص اللي أمر بالهجوم.”
“مين؟”
اقترب الرجل وهمس:
“الدكتور أحمد.”
اتسعت عينا سلمى.
أما سيف، فتحول وجهه إلى جليد.
لأن الرجل لم يكن يقصد الدكتور أحمد وحده.
بل كان يقصد الشخص الذي أعطى المسلحين خريطة المستشفى، وأوقات وجود سيف، ومكان غرفة سلمى.
والأخطر من كل ذلك…
أن الرجل اعترف بأن الهجوم لم يكن هدفه قتل سيف.
كان الهدف الحقيقي هو اختطاف سلمى بعد إصابتها.
حكايات شروق خالد
بعد أسبوع، خرجت سلمى من المستشفى وهي لسه بتتحرك بحذر.
كان سيف مستنيها قدام الباب.
لكن المرة دي، ماكانش لوحده.
يوسف كان واقف جنبه، مبتسم.
أول ما شاف سلمى، جري عليها بحذر وحضنها.
“وحشتيني يا أختي.”
دموع سلمى نزلت وهي بتضمه.
“إنت أهم حاجة عندي.”
قال يوسف: “وسيف كمان ساعدني.”
بصت له.
“عارفة.”
سيف اقترب وقال: “مش أنا اللي عملت كل ده. الدكتور أحمد اعترف بكل حاجة.”
اتجمدت سلمى.
“هو فعلًا كان ورا الهجوم؟”
هز رأسه.
“كان متعاون مع العصابة، وكان بيبيع مواعيد وجودي في المستشفى مقابل فلوس.”
“ليه؟”
“ديون قمار.”
سلمى أغمضت عينيها بألم.
الرجل الذي أهانها أمام زملائها كان هو نفسه الذي عرض حياتها للخطر.
لكن العدالة أخذت مجراها، وتم القبض عليه وعلى كل المشاركين في الهجوم.
بعد أيام، رجعت سلمى للمستشفى.
لكن كل شيء كان مختلفًا.
الدكتور الجديد وقف أمامها وقال:
“التحقيق أثبت إنك أنقذتي حياة مريض، وتصرفك كان بطولي.”
ثم سلّمها قرارًا بترقيتها إلى مسؤولة تمريض قسم الطوارئ.
وقفت سلمى مذهولة.
ولأول مرة، لم تخفض عينيها عندما سمعت كلمات التقدير.
ابتسمت فقط.
وبعد شهر، كانت في قاعة صغيرة على النيل.
فستان بسيط.
ورد أبيض.
وعائلتها حولها.
وسيف واقف أمامها.
قال لها:
“أنا قضيت عمري كله فاكر إن القوة معناها إن الناس تخاف منك.”
ابتسمت.
“وبعدين؟”
مد إيده لها.
“إنتِ علمتيني إن القوة الحقيقية إنك تحمي حد حتى وإنتِ خايفة.”
وضعت إيدها في إيده.
“وأنت علمتني إن مش كل شخص قوي لازم يكون قاسي.”
ابتسم.
“يعني موافقة؟”
ضحكت.
“هو أنا كنت هقف هنا ليه؟”
ضحك الجميع.
وبعد دقائق، أصبحا زوجًا وزوجة.
وفي صباح اليوم التالي، انتشرت صورة واحدة في الصحف:
سيف المنصوري، الرجل الذي كانت القاهرة كلها تهابه، واقف بجوار زوجته الجديدة، الممرضة التي تلقت ثلاث رصاصات بدلًا منه.
لكن الصورة لم تكن أهم ما حدث.
الأهم كان أن سلمى لم تعد المرأة التي تسكت خوفًا من فقدان وظيفتها.
ولا المرأة التي تعتذر عن جسدها.
ولا المرأة التي تظن أن الاحترام رفاهية لا تقدر عليها.
وقفت أمام مرآتها، وابتسمت.
ثم نظرت إلى سيف وقالت:
“فاكر أول مرة شفتني؟”
قال: “فاكر.”
“كنت شايفني إزاي؟”
اقترب منها، وقبّل جبينها.
“كنت شايف أجمل ست دخلت حياتي.”
ضحكت.
“كذاب.”
“يمكن.”
ثم أمسك يدها.
“بس دي الحقيقة الوحيدة اللي عمري ما هكدب فيها.”
وضعت رأسها على صدره.
وخارج النافذة، كانت القاهرة تستيقظ على يوم جديد.
أما سلمى، فقد بدأت أخيرًا حياتها الحقيقية…
لا كامرأة أنقذت زعيمًا خطيرًا من ثلاث رصاصات.
بل كامرأة أنقذت نفسها أولًا، ثم وجدت الرجل الذي قرر أن يقف بجانبها أمام الجميع، ويحبها كما هي.
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


