
“الطلقات الثلاثة كانت خطيرة، لكن الحمد لله… قدرنا نوقف النزيف.”
أغمض سيف عينيه للحظة.
ولأول مرة منذ سنوات، ظهر الارتياح على وجهه.
“هتفوق إمتى؟”
“لما تأثير التخدير يروح. بس محتاجة راحة ومتابعة.”
سيف أومأ.
ثم قال: “أنا هدخل لها.”
الدكتور تردد.
“دلوقتي؟”
“آه.”
“هي محتاجة هدوء.”
بص له سيف ببرود.
“أنا هادي.”
بعد دقائق، دخل غرفة العناية.
كانت سلمى شاحبة، متوصلة بالأجهزة، وذراعها ملفوف بالشاش.
وقف عند سريرها.
لأول مرة، لم يكن الرجل المخيف الذي ترتجف أمامه المدينة.
كان مجرد رجل خائف من فقدان امرأة لم يكن يعرف حتى اسمها الكامل قبل ساعات.
جلس بجانبها.
وأمسك إيدها بحذر.
همس: “إنتِ ليه عملتي كده؟”
لم تجبه.
“كنتِ ممكن تموتي.”
سكت لحظة.
ثم قرب إيدها من وجهه.
“بس أنا مش هسمح إن اللي حصل يعدي كده.”
في صباح اليوم التالي، بدأت الأخبار تنتشر في القاهرة عن الهجوم المسلح على المستشفى.
لكن الخبر الذي صدم الجميع لم يكن الهجوم.
كان صورة سيف المنصوري وهو واقف بجوار سرير ممرضة بسيطة، رافضًا مغادرة المستشفى.
وعندما سأله أحد الصحفيين عن علاقتها به، لم يتردد.
قال أمام الجميع:
“دي الست اللي أنقذت حياتي.”
ثم نظر إلى باب غرفتها.
وأضاف بصوت جعل كل الموجودين يسكتون:
“ومن النهارده… حياتها مسؤوليتي.”
لكن لم يكن أحد يعرف أن سيف لم يكن يقصد الحماية فقط.
كان قد اتخذ قرارًا أخطر بكثير.
كان سيجعل سلمى المنصوري… زوجته.
حكايات شروق خالد
بعد يومين، فتحت سلمى عينيها على صوت جهاز المراقبة.
كانت أول حاجة شافتها سقف أبيض، وبعدها وجه كريمة وهي نايمة على الكرسي جنب السرير.
حاولت تتحرك.
“آخ…”
كريمة فاقت مفزوعة.
“سلمى! إنتِ فوقتي!”
“أنا فين؟”
“في المستشفى يا بنتي.”
سلمى بصت حواليها، وبعدين افتكرت.
الطلقات.
سيف.
الدم.
رفعت إيدها على جنبها.
“سيف فين؟”
كريمة سكتت.
“إيه؟”
“هو هنا.”
“هنا فين؟”
كريمة أشارت ناحية الباب.
“برا.”
وقبل ما سلمى تسأل، الباب اتفتح.
دخل سيف.
كان لابس بدلة سوداء، لكن ملامحه كانت مختلفة. عينيه مرهقتين، وكأنه ما نامش من يوم الحادث.
أول ما شافها صاحيه، وقف مكانه.
سلمى بصت له.
“إنت كنت هنا؟”
“آه.”
“قد إيه؟”
“من ساعة ما دخلتي العمليات.”
رفعت حاجبها.
“يعني يومين؟”
“تقريبًا.”
“إنت مجنون؟”
لأول مرة ابتسم.
“ممكن.”
دخلت كريمة بينهم.
“أنا هسيبكم.”
سلمى قالت بسرعة: “كريمة!”
لكنها خرجت وأغلقت الباب.
سادت لحظة صمت.
سيف قرب من السرير.
“إنتِ كويسة؟”
“لسه حية.”
“ما تهزريش.”
بصت له باستغراب.
“إنت كنت بتضحك لما شفتني أول مرة.”
“ما كنتش أعرف إنك هتدخلي قدام رصاصة عشاني.”
“وأنا ما كنتش أعرف إنك هتكون الهدف.”
سيف سكت.
ثم قال: “سلمى، اللي حصل مش صدفة.”
“يعني إيه؟”
“الهجوم كان متخطط له.”
“عشانك؟”
“آه.”
“مين عمل كده؟”
تغيرت ملامحه.
“مش مهم تعرفي.”
انفعلت:
“مش مهم؟ أنا اتضربت بثلاث رصاصات بسببك!”
اقترب منها.
“وعشان كده بالذات، لازم تعرفي إن من اللحظة دي إنتِ مش آمنة.”
ضحكت بسخرية.
“أنا ممرضة في مستشفى حكومي، يا سيف. أنا أصلًا مش عايشة حياة فيها أمان.”
“دلوقتي الموضوع مختلف.”
“إزاي؟”
نظر في عينيها.
“لأنهم شافوكي وإنتِ بتحميني.”
تجمدت ملامحها.
“يعني ممكن يأذوني؟”
“لو وصلوا لكِ.”
سكتت للحظات.
ثم قالت: “وأخويا؟”
“يوسف تحت حمايتي.”
فتحت عينيها على اتساعهما.
“إنت عملت إيه؟”
“نقلته لمركز غسيل كلى خاص. كل جلساته مدفوعة، والتأمين بتاعه مستمر.”
هزت رأسها بسرعة.
“لا. أنا مش عايزة فلوسك.”
“مش فلوسي.”
“أمال إيه؟”
“دين.”
“دين؟”
“إنتِ أنقذتي حياتي. وأنا بسدد ديني.”
سلمى بصت له طويلًا.
“أنا عملت اللي أي حد مكاني كان هيعمله.”
“لأ.”
صوته كان هاديًا.
“أي حد مكاني كان هيستخبى.”
اقترب أكثر.
“إنتِ الوحيدة اللي جريتِ ناحيتي.”
خفضت سلمى عينيها.
“ما كنتش بفكر.”
“وده اللي خلاني أخاف.”
رفعت عينيها إليه.
“إنت خفت؟”
لأول مرة، لم يحاول يخفي الحقيقة.
“آه.”
صمت.
ثم قال:
“خفت أخسرك.”
دقات قلبها تسارعت.
“إنت بالكاد تعرفني.”


