منوعات

السنين وبراءة ج2 حكايات شروق خالد

بعد خروج كريم من المكتب مكسوراً ومحطماً، عاد الهدوء الحذر ليغلف المكان. نظرت إلى مروة التي كانت تقف في مكانها متأثرة بكل ما حدث، وعلامات الندم والانكسار واضحة على وجهها.

قلت لها بصوت هادئ ولكن حازم:

“يا مروة، صفحة الماضي بكل ما فيها من ألم وخيانة قد أُغلقت للأبد اليوم. ما يهمنا الآن هو مستقبل ليليان وحدها. ستجدين كل الدعم والراحة والرعاية لها، ولن تحتاج يوماً إلى سؤال أحد.”

مسحت مروة دموعها وقالت بصوت خافت يملؤه الامتنان والرجاء:

“شكراً يا يوسف… أشكرك لأنك رغم كل القسوة التي عشتها لم تظلم ابنتنا. أعدك أنني سأعوضها عن كل لحظة حرمان.”

“أرجو ذلك،” أجبُتها وأنا أطوي الأوراق أمامي. “يمكنك الذهاب الآن لمباشرة عملك الجديد واستلام مكتبك.”

خرجت مروة، وبقيت وحدي أتأمل صورة ابنتي الصغيرة على المكتب. أدركت أن الانتقام الحقيقي لم يكن بإذلال كريم فحسب، بل في إعادة بناء ما تم هدمه، وفي احتضان تلك القطعة من روحي التي عادت إلي بعد سنوات الضياع.

فتحت درج مكتبي، وأخرجت مفتاح منزلي الجديد، وابتسمت وأنا أنظر نحو أفق القاهرة الواسع. لقد انتهى عهد الألم، وبدأت حكاية جديدة عنوانها القوة، والعدل، والابنة التي أصبحت كل ما أملك في هذه الدنيا.

أحسست بأنفاس مروة تتسارع بجواري، وتجمد الدم في عروقها حين سمعت التهديد في نبرتي، لكنها لم تكن تجرؤ على النطق بحرف واحد. نظرت إليها نظرة أخيرة حاسمة، ثم أعدت الهاتف إلى أذني وقلت ببرود تام:

“أمامك نصف ساعة بالضبط يا كريم… إن لم تكن أمام مكتبي في الطابق الأخير، فلن تجد حتى جدران شركتك تقيك برد الشارع.”

أغلقت الخط في وجهه دون أن أمنحه فرصة للرد، ووجهت كلامي لممدوح الذي كان لا يزال واقفاً بانتظار الأوامر:

“أبلغ أفراد الأمن بالأسفل، أدخلوه بمجرد وصوله إلى هنا مباشرة… ولا تتركوا أحداً يتدخل.”

مرت الثلاثون دقيقة ثقيلة وبطيئة. وفي تمام الساعة الحادية عشرة، فتح باب المكتب بقوة، وظهر كريم.

لم يعد ذلك الشاب الأنيق المتغطرس الذي يرتدي أحدث البدلات ويقود السيارات الفارهة قبل عشر سنوات. بدا وكأن الدهر قد طواه؛ وجه شاحب، ملابس ممطورة ومجعدة، وعيون تحيطها هالات سوداء من الخوف وقلة النوم. دخل بخطى مهزوزة، وحين وقعت عيناه عليّ وأنا جالس خلف مكتبي الفخم، تسمر مكانه غير مصدق لما يراه.

ثم انتبه بوجود مروة التي كانت تقف بجوار النافذة، فانعقد لسانه وفتح فمه بدهشة قاتلة:

“مروة؟! أنتِ… أنتِ هنا أيضاً؟ ما الذي يجري بحق الجحيم؟!”

وقفت من مقعدي ببطء، وعدلت ياقة بدلتي، ومشيت نحوه بخطوات ثابتة وواثقة حتى أصبحت على بعد خطوات معدودة منه. نظر إليّ بذعر وهو يرتجف، ثم كأن الذاكرة استرجعت ملامحي القديمة، فهتف بصوت منهار:

“جوناثان؟! مستحيل… أنت… أنت الدون ريد؟!”

ابتسمت بتهكم، ووضعت يدي في جيبي، ثم قلت بصوت هادئ يشبه فحيح الأفعى:

“ألم أُخبرك يوماً يا كريم أن الأيام دول؟ أنت من قلت لي يوم زفافك إننا إخوة، وأنا صدقتك… لكني لم أكن أعلم أن الأخوة عندك تعني سرقة الزوجة، وإخفاء الأبناء، وترك الصديق ينام في سيارته بمنتصف الليل.”

سقط كريم على ركبتيه على الأرض من شدة الصدمة والانهيار، وشرع يبكي بحرقة وهو يشبك يديه متوسلاً:

“أرجوك يا جوناثان… ارحمني! البنوك حجزت على كل أملاكي، ولم يتركوا لي مليماً واحداً، أنا مفلس تماماً وأصبحت على الحديدة! خذ كل ما تريد لكن اترك لي شيئاً أعيش به!”

انحنيت نحوه قليلاً، ونظرت إليه نظرة مليئة بالاحتقار، ثم قلت:

“تستجديني الآن؟ أين كانت هذه الدموع قبل تسع سنوات حين طردتموني بلا ذنب وحرمتموني من ابنتي ليليان؟ أين كانت شهامتك وأنت تساوم زوجتي وتدمر حياتي؟”

اتسعت عيناها المذعورتان والتفت نحو مروة بصدمة أكبر وهو يصرخ:

“أنتِ… أنتِ أخبرته بكل شيء؟!”

تقدمت خطوة أخرى وأمسكت بتلابيب بَدلته ورفعته من على الأرض بقوة، ثم أشرت بإصبعي نحو صورة الطفلة ليليان الماثلة على المكتب، وقلت بصوت يهز أركان الغرفة:

“لم تخبرني بشيء سوى الحقيقة التي أخفيتها أنتم الاثنين طوال عقد كامل! ابنتي التي حرمتموني منها، وسرقتم سنوات عمرها، ستعيش اليوم ملكة، بينما أنت… ستدفع ثمن كل دمعة وكل ليلة قضيتها في الشارع.”

ثم دفعتُه بعيداً فوقع صريعاً على الأرض، ونديت بحراس الأمن من الخارج:

“خذوا هذا الخائن من أمامي، وألقوا به خارج أسوار الشركة، ولا تسمحوا له بالاقتراب من هنا مجدداً، واتركوه ليتعامل مع ديونه والبنوك بمفرده تماماً في الشارع كما تركتني من قبل!”

أمسك به الحراس وجروه خارج المكتب وهو يصرخ ويستعطف بلا فائدة، بينما عدت إلى مقعدي الجلدي بهدوء. نظرت إلى مروة التي كانت تبكي بصمت، وإلى صورة ابنتي الصغيرة المبتسمة بجواري.

لقد انتهى الفصل الأقسى من حياتي، وبدأت الحكاية الحقيقية؛ حكاية الأب الذي استعاد ابنته، والرجل الذي بنى إمبراطوريته من الرماد لينتقام بشرف وعزة.

#حكايات_شروق_خالدبعد انتهاء ذلك اليوم العصيب، غادرت الشركة في المساء وأنا أشعر أن حملاً ثقيلاً قد أُزاح عن كاهلي. ركبت سيارتي الفاخرة وتوجهت مباشرة نحو المدرسة الدولية الجديدة التي انتقلت إليها ليليان بناءً على توجيهاتي.

وقفت أمام بوابة المدرسة أنتظر خروج الطلاب، ومع دقات الجرس، رصّت حشود الأطفال تخرج بسعادة وبراءة. وسط زحام الصغار، لفت انتباهي وجه مألوف تماماً؛ فتاة صغيرة بشعر بني ناعم وعينين واسعتين، تبتسم تلك البسمة التي ورثتها عني وعن أبي. كانت هي… ليليان.

نزلت من السيارة بهدوء، واقتربت منها بخطوات بطيئة يملؤها شعور غريب لم أختبره طوال حياتي قط؛ إنه شعور الأبوة الحقيقية التي حُرمت منها عنوة.

نظرت إليّ الطفلة بفضول وبريئة، وقبل أن تتحدث، تقدمت معلمتها برفقة مروة التي كانت تقف بعيداً تتابع الموقف بدموع حارة وقلب يرتجف.

نزلتُ على ركبتي حتى أصبحت في مستوى طولها، وابتسمت لها بحنان لأول مرة، وقلت بصوت دافئ:

“أهلاً بك يا ليليان… هل تعرفين من أنا؟”

هزت رأسها ببطء وقالت بصوت عذب:

“ماما أخبرتني أن اليوم سأقابل شخصاً مهماً… هل أنت… بابا؟”

لم أتحمل نفسي، ففتحت ذراعيّ واحتضنتها بقوة إلى صدري، وكأنني أحتضن سنوات عمري الضائعة كلها. شعرت بدموعي تسقط على كتفها الصغيرة، بينما ربتت هي برقة على ظهرها كأنها تطمئنني.

في تلك اللحظة، وأنا أضم ابنتي بين أراعي، وأرى مروة تقف بعيداً تبكي بدموع الندم، أدركت تماماً أن الثروة والنفوذ وزعامات المافيا لا تساوي شيئاً أمام دفء هذه اللحظة.

رفعت ليليان رأسها وقالت بابتسامة بريئة:

“لن تتركني مرة أخرى يا بابا، صحيح؟”

مسحت دموعي، ونظرت في عينيها الواسعتين اللتين تحملان ملامحي، وقلت بيقين تام:

“أبداً يا ليليان… أقسم أنني لن أتركك أبداً، ولن يسمح أي شيء في هذا العالم بأن يفصل بيننا بعد اليوم.”

النهاية

“ثأر السنين وبراءة الطفلة”

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى