منوعات

ليه بتاكل لوحدك حكايات شروق خالد

وبدأ يجهز أكل لأول مرة لشخص تاني على سفرة ياسين.

أما في السفرة، فكانت نور بتبص لطبق ياسين.

ميلت راسها.

وبعدين سألت:

“هو إنت ليه مش بتاكل اللحمة بتاعتك يا مستر؟”

ياسين بص للطبق قدامه.

اللحم كان بارد.

زي كل ليلة.

زي كل سنة.

زي كل حاجة في حياته من يوم ما ماتت ليلى.

مسك الشوكة.

قطع قطعة صغيرة.

رفعها ناحية فمه.

ولأول مرة من تلات سنين…

أكل.

وكانت دي أول لقمة ياكلها ياسين المنصوري على سفرة ما بقاش فيها شخص واحد بس.

 

حكايات شروق خالد

لم تكن نور تعرف إن اللقمة الصغيرة دي كانت بداية لحاجة هتغيّر حياة القصر كله.

فضل ياسين ساكت وهو بيبص للطفلة اللي قاعدة جنبه.

نور كانت بتاكل بهدوء، لكن كل شوية ترفع عينيها له.

وبعد دقيقة، قالت:

“حلوة؟”

ياسين بص لها باستغراب.

“إيه؟”

“اللحمة.”

بص لطبقه.

وبعدين قال لأول مرة من وقت طويل:

“آه.”

ابتسمت نور.

“ماما بتقول إن الأكل بيبقى أحلى لما ناكله مع حد.”

تجمدت ملامح ياسين.

بص للكرسي الفاضي اللي كان قدامه.

ثم بص لصورة ليلى الموجودة بجوار طبقه.

الجملة البسيطة دي وجعته أكتر مما توقع.

قال بصوت منخفض:

“مامتك عندها حق.”

نور كملت أكلها، وبعدين سألت:

“إنت عندك ماما؟”

ياسين سكت.

السؤال كان بسيط.

لكن الإجابة كانت معقدة.

قال:

“كان عندي.”

“ماتت؟”

رفع عينيه لها.

“أيوه.”

نور نزلت الشوكة.

“زي بابايا؟”

ياسين لم يرد.

هزت نور رأسها كأنها فهمت كل شيء.

“يبقى إنت كمان وحيد.”

كانت أول مرة في حياته يسمع فيها كلمة “وحيد” من غير ما يشعر أنها إهانة.

ابتلع ريقه بصعوبة.

وقال:

“يمكن.”

نور مدت إيدها الصغيرة فوق الترابيزة.

وحطتها على إيده.

“متزعلش.”

ياسين نظر إلى يدها.

كانت صغيرة جدًا.

دافئة جدًا.

وبشكل غريب، لم يسحب يده.

من بعيد، كان عم حسان واقف عند الباب.

وسليم كان خلفه.

الاتنين كانوا بيبصوا للمشهد وكأنهم شايفين معجزة.

ياسين المنصوري…

الراجل اللي ما حدش شافه بيبتسم من تلات سنين…

كان قاعد قدام طفلة صغيرة، وسايبها ماسكة إيده.

بعد دقائق، دخلت هناء بخطوات مترددة.

كانت فاكرة إن ياسين هيكون غضبان.

لكنها لما دخلت، وقفت مكانها.

بنتها كانت بتاكل.

وياسين كان بياكل.

والجو في السفرة، لأول مرة من سنين، ماكانش خانق.

قالت هناء:

“نور.”

رفعت الطفلة عينيها.

“نعم يا ماما؟”

“تعالي.”

نور بصت لياسين.

وبعدين سألت:

“أمشي؟”

ياسين رفع عينيه لهانا.

وقال:

“لا.”

اتصدمت هناء.

أما نور فابتسمت.

ياسين أشار للكرسي.

“خليها تكمّل أكلها.”

قالت هناء بتردد:

“بس يا فندم…”

قاطعها:

“قلت خليها.”

هزت هناء رأسها.

وقفت عند الباب وهي مش عارفة تعمل إيه.

ثم قال ياسين:

“إنتِ كليتي؟”

رفعت هناء عينيها إليه.

“أنا؟”

“أيوه.”

“لسه.”

“اقعدي.”

هانا اتجمدت.

“فين؟”

أشار ياسين إلى كرسي بعيد.

“هناك.”

قالت بسرعة:

“لا يا فندم، أنا مش…”

“اقعدي يا هناء.”

كانت نبرة صوته هادئة، لكنها ما كانتش بتسمح بالرفض.

جلست هناء.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، كانت هناك ثلاثة أطباق على سفرة ياسين المنصوري.

طفلة.

وأمها.

وهو.

لم يتكلم أحد لعدة دقائق.

ثم قالت نور فجأة:

“مستر ياسين.”

“نعم؟”

“إنت بتنام لوحدك كمان؟”

كاد ياسين يختنق بالماء.

هانا غطت فمها بسرعة.

“نور!”

الطفلة بصت لأمها باستغراب.

“بس أنا بسأل.”

ياسين مسح فمه بالمنديل.

وقال:

“أيوه.”

نور هزت رأسها بحزن.

“دي مشكلة كبيرة.”

رفع ياسين حاجبه.

“ليه؟”

قالت بمنتهى الجدية:

“عشان لما الواحد يبقى لوحده بالليل، الوحوش بتيجي.”

سادت لحظة صمت.

ثم سألها ياسين:

“وإنتِ بتخافي من الوحوش؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“وماما؟”

“ماما بتقول مفيش وحوش.”

ثم اقتربت منه قليلًا وهمست:

“بس هي بتخاف هي كمان.”

تغير وجه هناء فورًا.

“نور، كفاية كلام.”

لكن ياسين لم يرفع عينيه عن هناء.

كان هناك شيء في عينيها لم يفهمه.

شيء يشبه الخوف.

ليس منه فقط.

بل من الحياة نفسها.

قال ياسين:

“مين بيخوفك؟”

هانا بلعت ريقها.

“محدش.”

“بصيلي.”

رفعت عينيها.

“محدش يا فندم.”

كان ياسين يعرف الكذب.

تعلم قراءة الكذب قبل أن يتعلم قراءة الناس.

لكن قبل أن يسألها مرة أخرى، سمع صوت سقوط شيء في المطبخ.

ثم صوت صرخة مكتومة.

قام ياسين فورًا.

سليم ظهر من الباب في نفس اللحظة.

قال:

“أنا هشوف.”

لكن ياسين كان قد تحرك بالفعل.

أخذ خطوتين نحو الباب.

ثم سمع صوت رجل غريب يأتي من المطبخ:

“إنتِ فاكرة إنك هتستخبي هنا للأبد؟”

تجمدت هناء.

سقط لون وجهها.

أما نور فتركت الملعقة.

وبصت إلى أمها.

“ماما؟”

ياسين التفت ببطء ناحية هناء.

“مين ده؟”

لم تجبه.

قال مرة أخرى:

“هناء… مين الراجل اللي جوه؟”

بدأت دموعها تنزل.

“أنا آسفة.”

صوتها كان يرتعش.

“والله ما كنت عايزة أجيب أي مشاكل للبيت.”

اقترب ياسين منها.

“أنا سألتك سؤال.”

قبل أن تجيب، ظهر رجل من باب المطبخ.

كان في الأربعينات، شعره خفيف، ووشه مليان علامات غضب.

وفي إيده سكينة مطبخ.

صرخ:

“هناء!”

نور صرخت.

لكن ياسين تحرك في لحظة.

دفع هناء ناحية الحائط، ووقف بينها وبين الرجل.

وفي أقل من ثانيتين، كان سليم قد أمسك الرجل من الخلف، وأسقط السكينة من يده.

رجال الحراسة اندفعوا إلى المطبخ.

أما ياسين فظل واقفًا أمام هناء.

ثم سأل الرجل:

“إنت مين؟”

الرجل ابتسم بسخرية.

“اسأل مراتك.”

هناء انهارت.

“ده… جوزي.”

ياسين نظر إليها بصدمة.

“جوزك؟”

هزت رأسها وهي تبكي.

“أحمد.”

ساد الصمت.

ياسين بص للرجل.

ثم بص للصورة الموجودة في غرفة هناء في خياله.

الصورة اللي شافها قبل كده.

الرجل اللي كانت بتقول إنه مات في حادث.

قال ياسين ببطء:

“أحمد مات من سنتين.”

ابتسم الرجل.

“ده اللي اتقال لهم.”

تراجعت هناء للخلف.

كانت ترتجف.

“إنت مين؟”

ضحك الرجل.

“أنا أخو أحمد.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى