
“ولو روحتي هناك، ماما ممكن تخسر شغلها.”
ردت نور بصوت طفولي:
“حاضر يا ماما.”
في الساعة ستة وأربعين دقيقة مساءً، خبط عم حسان على الباب.
وقال:
“هناء، واحدة من البنات تعبانة ومش هتقدر تكمل ورديتها. محتاجينك فوق.”
بصت هناء لبنتها بقلق.
ماكانش فيه حد يقدر يقعد معاها.
فأخذت نور معاها وحطتها في ركن صغير قريب من غرف العاملين.
حطت قدامها كتاب التلوين، وقعدت على ركبها.
“خليكي هنا يا نور، أوعى تتحركي.”
هزت نور راسها.
“أوعديني.”
“أوعدك يا ماما.”
باسَتها على جبينها، وقفلت الباب وطلعت بسرعة تكمل شغلها.
فضلت نور تلون حوالي أربعين دقيقة.
رسمت الشمس باللون الأخضر.
ورسمت الأرنب باللون البنفسجي.
ورسمت ماما وهي لابسة تاج.
لأن ماما، في نظر نور، كانت أحسن واحدة في الدنيا.
لكن فجأة…
سمعت صوت غريب.
صوت شوكة بتخبط في طبق.
وسكينة بتقطع أكل.
وحركة أطباق جاية من بعيد.
نور رفعت راسها.
حطت القلم من إيدها.
ماما قالت لها ما تروحش ناحية الممرات الكبيرة.
قالت لها كده تلات مرات.
لكن ماما ما قالتش حاجة عن الصوت.
قامت نور من مكانها.
لبست شنطة الديناصور الصغيرة.
وفتحت الباب.
الممر كان طويل ومظلم.
وفي آخره، كان فيه شريط نور ذهبي داخل من باب بعيد.
نور مشت وراه.
عدت من تحت لوحة كبيرة لراجل عجوز عابس.
وقفت قدامه لحظة ولوحت له بإيدها.
وبعدين كملت.
عدت جنب ساعة كبيرة، وصوت دقاتها كان واضح في القصر كله.
وصلت للسلم الرئيسي.
بدأت تنزل درجة درجة.
“واحد…”
“اتنين…”
“تلاتة…”
لحد ما وصلت لعشرة.
وبعدين بدأت العد من الأول.
لحد ما وصلت للدور الأرضي.
هناك لقت باب خشب غامق محفور عليه ورد.
كان مفتوح نص فتحة.
والنور الذهبي طالع منه.
زقت نور الباب بإيديها الصغيرتين.
ودخلت.
وقفت مكانها من الدهشة.
كانت دي أكبر أوضة شافتها في حياتها.
ثريتين كبار من الكريستال معلقين في السقف.
وترابيزة طويلة جدًا تمتد من أول الأوضة لآخرها.
وحولها كراسي كتير.
لكن كل الكراسي كانت فاضية.
ما عدا كرسي واحد.
في آخر الترابيزة كان قاعد راجل طويل.
لابس قميص أبيض، وأكمامه مرفوعة.
وعلى دراعاته وشوم سودا.
نور بصت له.
كان شكله زي الملوك اللي بتشوفهم في كتب الحكايات.
بس كان أتعس منهم بكتير.
مشت نور ناحيته.
لحد ما وقفت جنب الكرسي اللي على يمينه.
كانت صغيرة لدرجة إنها اضطرت ترفع راسها لفوق عشان تشوف وشه.
وقالت بصوت هادي:
“يا مستر…”
السكينة توقفت في إيده.
بص لها.
نور سألت بمنتهى البراءة:
“إنت ليه بتاكل لوحدك كل يوم؟”
إيد ياسين اتجمدت.
السكينة وقفت في نص الطريق.
في تلات سنين…
ولا شخص واحد سأله السؤال ده.
لا سليم.
ولا عم حسان.
ولا أي راجل من رجالة ياسين.
ولا حتى أقرب الناس ليه.
محدش كان عنده الجرأة يسأله سؤال بالشكل ده.
إلا طفلة صغيرة عندها تلات سنين.
سقطت السكينة من إيده، وخبطت في الطبق.
الصوت كان بسيط.
لكن في قلب ياسين…
كان أقوى من صوت الرصاص.
فضل يبص لنور.
الغريب إنها ما خافتش.
ما رجعتش لورا.
ما بصتش في الأرض.
بس فضلت واقفة قدامه، وإيديها الصغيرين متشابكين قدام فستانها، مستنية إجابته.
مد ياسين إيده ناحية الكرسي اللي جنبه.
مسك ظهر الكرسي.
وسحبه بعيد عن الترابيزة.
صوت الخشب وهو بيحتك بالرخام ملأ الأوضة.
وبعد صمت طويل، قال:
“تعالي اقعدي هنا.”
وقبل ما نور تطلع على الكرسي، سمعوا خطوات سريعة في الممر.
هانا دخلت الأوضة وهي بتجري.
كانت ماسكة شنطة بنتها، ووشها أبيض من الخوف.
قالت بسرعة:
“مستر ياسين… أنا آسفة جدًا! هي كان المفروض تفضل مكانها! أنا والله ما كنت أعرف إنها هتطلع… أرجوك سامحني يا فندم!”
رفع ياسين عينيه لها.
لكن صوته كان هادي.
هادئ بشكل غريب.
قال:
“خليها.”
هانا وقفت مكانها.
مش مصدقة اللي سمعته.
قال ياسين:
“خليها تقعد.”
بصت له هانا للحظات.
ثم هزت راسها.
قال لها:
“إنتِ كملي شغلك.”
رجعت هانا خطوة لورا.
وبعدين خطوة تانية.
وهي لسه مش فاهمة إزاي الراجل اللي كل القصر بيخاف منه سمح لطفلة صغيرة تقعد على سفرته.
أما نور، فطلعت على الكرسي لوحدها.
مدت إيدها للمنديل الأبيض.
فتحته بحرص.
وحطته على رجليها بنفس الطريقة اللي شافت أمها تعملها مئات المرات.
وفي المطبخ، قال عم حسان بصوت منخفض:
“جهزوا طبق تاني.”
الشيف رمضان بص له باستغراب.
قال عم حسان:
“كمية صغيرة… وحاجة تناسب طفلة.”
بص رمضان ناحية المقلاة الصغيرة اللي ما استخدمهاش من تلات سنين.



