
حكايات شروق خالد
الضابط سألها:
— تقدري توصفي الراجلين؟
مريم بلعت ريقها، وبصت للسقف كأنها بتحاول تفتكر كل تفصيلة.
— واحد كان طويل… والتاني أقصر منه شوية.
— لبسهم؟
— أسود.
— عربيتهم؟
سكتت.
— كانت عربية سودا… زجاجها غامق.
الضابط كتب الملاحظات، وبعدين قال:
— في حد كان مستنيكي قبل الحادثة؟
مريم هزت راسها بسرعة.
— لأ.
— متأكدة؟
— أيوه.
في اللحظة دي دخلت الغرفة.
الضابط اتلفت ناحيتي، ومريم أول ما شافتني اتسمرت مكانها.
— أستاذ آدم؟
بصيت للضابط.
— سيبنا دقايق.
الضابط اتردد.
— حضرتك قريبها؟
بصيت له بثبات.
— أنا صاحب البيت اللي بتشتغل فيه.
واضح إنه عرف الاسم من بطاقة الشرطة اللي كانت معاه.
اتغيرت ملامحه وقال:
— طيب… خمس دقايق.
خرج وقفّل الستارة وراه.
مشيت ناحية سرير مريم.
كانت إيدها اليمين متجبسة، وعينيها تحتها هالات زرقاء، وعلى خدها كدمة واضحة.
وقفت قدامها.
— مين ضربك؟
مريم نزلت عينيها.
— محدش.
— مريم.
صوتي كان هادي، لكن هي عرفت إني مش بسأل للمرة التانية.
قالت بسرعة:
— اتخانقت معاهم بس.
— اتنين رجال، وأنتِ إيدك مكسورة ووشك متضرب، وعايزاني أصدق إنك اتخانقتي معاهم؟
دموعها لمعت في عينيها.
— أنا آسفة.
— على إيه؟
— إني عطلتك ليلة العيد.
بصيت لها كأني مش فاهم.
— إنتِ فاكرة إن ده اللي مضايقني؟
ما ردتش.
قربت منها.
— أنا مش مهتم بالفطار.
سكت لحظة.
— ولا بالورد.
وبصيت للجبيرة.
— أنا مهتم أعرف مين اللي عمل فيكي كده.
مريم مسحت دمعة بسرعة.
— حضرتك ما تعرفش الموضوع.
— يبقى احكيلي.
— لأ.
كانت أول مرة مريم ترفض لي طلب بشكل مباشر.
حدقت فيها.
— ليه؟
قالت بصوت مكسور:
— لأن لو حكيتلك، الناس اللي ورا الموضوع هتعرف إنك عرفت.
— ومين الناس دي؟
مريم رفعت عينيها ليا.
الخوف اللي شفته فيها كان مختلف.
مش خوف مني.
خوف عليّ.
— ناس أخطر منك.
لأول مرة، حسيت إن افي عروقي وقف.
ابتسمت ابتسامة باردة.
— مفيش ناس أخطر مني.
مريم هزت راسها.
— أنت فاكر كده.
وبعدين مدت إيدها السليمة ناحية الوسادة.
طلعت منها ظرف أبيض صغير.
حطته قدامي.
— ده كان في شنطتي.
أخدت الظرف.
كان مقفول، وعليه اسمي.
آدم المنصوري.
بس اللي خلاني أتجمد مش اسمي.
كان فيه تاريخ مكتوب تحت الاسم.
تاريخ وفاة أخويا.
التاريخ اللي محدش يعرفه غير أفراد عيلتي.
بصيت لمريم.
— إنتِ جبتي الظرف ده منين؟
وشها اصفر.
— ما جبتهوش.
— أمال؟
همست:
— هما حطوه في شنطتي.
فتحت الظرف.
جواه صورة قديمة.
صورة لأخويا قبل موته بشهر.
وفي ظهر الصورة كانت فيه جملة مكتوبة بخط أسود:
“أخوك ما ماتش في الحادث… وإنت كنت الهدف الحقيقي.”
فضلت أبص للجملة من غير ما أتكلم.
لأول مرة من سبع سنين، الماضي اللي دفنته بإيدي…
رجع يفتح قبره.
رفعت عيني لمريم.
— مين كان عايز يوصلني عن طريقك؟
مريم بدأت تعيط.
— أنا مش عارفة.
— كدابة.
شهقت.
— والله ما أعرف.
سكت.
وبعدين سألتها:
— إنتِ كنتِ بتشتغلي عندي ليه؟
مريم تجمدت.
السؤال البسيط ده كان كفيل يغير كل حاجة.
قالت بصوت ضعيف:
— عشان كنت بحاول أحميك.
حدقت فيها.
— تحميني من مين؟
قبل ما تجاوب، الباب اتفتح فجأة.
دخل الضابط بسرعة، وملامحه متوترة.
— أستاذ آدم…
بصيت له.
— إيه؟
قال وهو بيقفل الباب وراه:
— العربية اللي لقيناها في مكان اث اتت من قدام مستشفى تاني من ساعتين.
— وبعدين؟
بلع ريقه.
— لقينا جوه العربية حاجة تخص مريم.
بص لمريم.
— بطاقة والدها.
مريم شهقت.
لكن الضابط كمل:
— والدها متوفي من 12 سنة.
ساعتها بصيت لمريم.
ولأول مرة من ثلاث سنين…
شوفت الخوف الحقيقي في عينيها.
لأنها كانت عارفة إن السر اللي حاولت تخبيه عني انتهى.
وإن الليلة دي…
مش مجرد محاولة سرقة.
دي كانت بداية
حكايات شروق خالد
الضابط حط البطاقة على الترابيزة قدامي.
— لقيناها في العربية، تحت كرسي السواق.
مديت إيدي وخدتها.
كانت بطاقة قديمة فعلًا، الصورة فيها لرجل في أواخر الأربعينات، والاسم:
حسن الدسوقي.
بصيت لمريم.
— ده والدك؟
هزت راسها.
— أيوه.
— وإنتِ قلتي إنه م من 12 سنة.
— لأنه فعلًا مت
الضابط قاطعها:
— بس البطاقة دي مش قديمة بالشكل ده.
بصيت له.
— يعني إيه؟
— اتبلغ عن فقدانها من حوالي شهرين بس.
سكتنا كلنا.
بصيت لمريم.
— إزاي بطاقة راجل مي من 12 سنة اتبلغ عن فقدانها من شهرين؟
مريم بدأت تهز راسها.
— مش عارفة.
قربت منها.
— كفاية كدب يا مريم.
دموعها نزلت.
— أنا ما كنتش بكذب عليك.
— أمال إيه؟
— أنا كنت بحاول أحميك.
— من مين؟
سكتت.
رفعت صوتي:
— من مين يا مريم؟
الضابط بص لنا، وبعدها قال:
— أنا هسيبكم لوحدكم دقيقة.
خرج وقفل الباب.
فضلت واقف قدامها.
— آخر فرصة.
مريم أخدت نفس طويل.
— أبويا ما ماتش بالطريقة اللي أنا قلتها.
ثبت نظري عليها.
— إنتِ قلتي إنه مات من 12 سنة.
— لأنه لازم الناس تصدق كده.
— الناس مين؟
مريم بصت ناحية الباب.
— الناس اللي أخوك.
جسمي كله اتشد.
— إيه؟
قالت بسرعة:
— أنا عارفة مين قل محمود.




