
«أنا غلطت.»
ضحكت من غير ما ألف.
«إنت ما غلطتش يا سيف.»
سكت.
«إنت اخترت.»
ودخلت ممر الخدمة.
وصلنا للفناء الخلفي.
الهواء البارد ضرب وشي.
ولأول مرة من ساعة الفوضى، قدرت آخد نفس كامل.
لكن ياسر ما ادانيش فرصة أرتاح.
قال:
«فيه حاجة لازم تعرفيها.»
بصيت له.
«إيه؟»
مد إيده بتليفونه.
على الشاشة كانت صورة من كاميرا أمنية.
أنا واقفة قبل الحفل بساعتين في مدخل القصر.
وخلفي رجل مجهول.
قلت:
«مين ده؟»
ياسر قال:
«ده دخل القصر قبلنا بأربع ساعات.»
«وبعدين؟»
قلب الصورة.
ظهر الرجل وهو بيتكلم مع سيف.
اتجمدت.
«سيف؟»
«أيوه.»
قلب صورة تانية.
سيف كان بيسلمه ظرف أسود.
حسيت إن الدم انسحب من وشي.
«إيه ده؟»
«مش عارف.»
«لازم تعرف.»
ياسر بص لي.
«أنا عرفت حاجة أخطر.»
«إيه؟»
قال:
«الفوضى بدأت بعد ما سيف استلم منك الملف اللي كان معاكي.»
سكت.
«أي ملف؟»
وبعدين افتكرت.
قبل ما ندخل القاعة، كنت سلمت سيف ملفًا ماليًا ضخمًا يحتوي على حسابات وأسماء رجال كبار.
ملف كنت مخبيّاه عنه من شهور.
لأنني كنت شاكّة إنه بيستخدم أموال المنظمة من ورا ظهري.
بصيت لياسر.
«الملف.»
هز رأسه.
«أيوه.»
«يعني اللي حصل كان بسبب الملف؟»
«يمكن.»
سكت لحظة.
ثم قال:
«بس فيه مشكلة.»
«إيه؟»
«الملف اختفى.»
قلبي دق بعنف.
«مين أخده؟»
ياسر بص ناحية باب القصر.
«سيف.»
اتجمدت.
«إنت متأكد؟»
«الكاميرات صورته وهو بيخرج بيه من مكتبك قبل الحفل.»
غمضت عيني.
كل حاجة بدأت تركب فوق بعضها.
المرأة الأخرى.
الحفل.
الفوضى.
الملف.
الرجل الغريب.
وفجأة فهمت.
سيف ما كانش ضحية الليلة.
يمكن كان جزءًا منها.
رفعت عيني لياسر.
«عايزة أدخل تاني.»
فتح عينيه بدهشة.
«إنتِ مجنونة؟»
«لأ.»
مسكت جهاز اللاسلكي.
«أنا مرات سيف المنصوري.»
وبصيت للقصر المليان دخان من الداخل.
«ولسه ما خلصتش حسابي معاه.»
في اللحظة نفسها، اهتزت سيارة عند البوابة الرئيسية.
والقصر كله اهتز.
ثم وصل صوت من جهاز اللاسلكي:
«مدام ليلى… سيف ونورهان اختفوا.»
سكتُّ.
«إيه؟»
«هربوا من ممر تحت الأرض.»
بصيت لياسر.
«الممر تحت الأرض؟»
هز رأسه.
«القصر فيه نفق قديم بيوصل للطريق الخلفي.»
ابتسمت رغم كل اللي حصل.
«سيف كان فاكر إنه يعرف كل أسرار القصر.»
أخذت نفسًا عميقًا.
«واضح إنه نسي مين اللي صمم له أنظمة الأمان.»
ثم التفتُّ إلى ياسر.
«هات العربية.»
«رايحين فين؟»
بصيت ناحية الطريق المظلم.
«ورا جوزي.»
توقفت لحظة.
ثم صححت كلامي:
«ورا الخاين اللي كنت فاكرة إنه جوزي.»
حكايات شروق خالد
وصلنا للعربية، وياسر فتح لي الباب.
لكن قبل ما أركب، وقفت وبصيت للقصر.
الدخان كان طالع من الشبابيك، وصفارات الإنذار بدأت تملأ المكان.
كل حاجة بنيتها مع سيف على مدار حداشر سنة كانت بتنهار قدام عيني.
بس الغريب إني ما كنتش حاسة بالحزن.
كنت حاسة بحاجة واحدة بس.
الغضب.
ركبت جنب ياسر.
«النفق بيطلع فين؟»
«في جراج قديم تابع للقصر، على بعد حوالي كيلومتر.»
«وسيف عارف إننا عارفين؟»
«لأ.»
«كويس.»
تحركت العربية بسرعة.
بعد دقائق، وصلنا للجراج.
كان المكان ضلمة، ما عدا لمبة واحدة بتقطع وتنور.
نزلنا.
ياسر أشار ناحية الأرض.
«هنا.»
كان فيه باب حديد قديم.
فتحناه.
نزلنا السلم.
وأثناء ما كنا ماشيين، سمعت صوت عربية بتتحرك في آخر النفق.
«سيف.»
جريت.
وصلنا لنهاية النفق، لكن العربية كانت خرجت بالفعل.
على الأرض، لقيت ظرف أسود.
فتحته.
كان جواه صورة واحدة.
صورة ليا.
وفي ظهرها جملة مكتوبة بخط سيف:
“أنا آسف يا ليلى… لكنك عرفتي أكتر مما ينبغي.”
فضلت باصة للصورة ثواني.
ثم ضحكت.
ضحكة قصيرة وموجوعة.
ياسر بص لي.
«إنتِ كويسة؟»
«لأ.»
مزقت الصورة نصين.
«بس هبقى كويسة لما أخلص منه.»
رن تليفوني.
رقم مجهول.
رديت.
«ألو؟»
جاء صوت سيف.
هادئ جدًا.
«ليلى.»
غمضت عيني.
«فين نورهان؟»
ضحك بخفة.
«لسه بتفكري فيها؟»
«أنا بفكر فيك إنت.»
سكت.
«إنت اللي رتبت اللي حصل؟»
صمت طويل.
وبعدين قال:
«مش كل حاجة حصلت الليلة كانت بأوامري.»
«لكن جزء منها كان.»
«أيوه.»
ياسر قرب مني، لكنه سكت.
قلت:
«ليه؟»
«لأنك كنتي ناوية تسيبيني.»
ضحكت بمرارة.
«فقررت تأذيني؟»
«كنت محتاج أخوفك.»
«اللي حصل واللي كان ممكن يأذيني كان مجرد تخويف؟»
«كان المفروض ما يقربش منك.»
«لكن قرب.»
سكت.
«سيف… إنت عمرك حبيتني؟»
لأول مرة، صوته اتغير.
«ليلى…»
«جاوب.»
صمت.
ثم قال:
«في وقت من الأوقات.»
الكلمة كانت أوجع من أي شيء.
قفلت الخط.
ياسر قال:
«إنتِ سامعاه؟»
«أيوه.»
«هنعمل إيه؟»
بصيت له.
«هنرجع القاهرة.»
«ليه؟»
«عشان عندي اجتماع.»
استغرب.
«اجتماع مع مين؟»
ابتسمت.
«مع كل الناس اللي سيف كان فاكر إنهم موالين ليه.»
رجعنا القصر قبل الفجر.
وفي أقل من ساعة، كانت الأخبار بدأت تنتشر.
الفوضى اللي حصلت في حفل المنصوري.
اختفاء سيف.
اختفاء نورهان.
والاضطراب داخل المنظمة.
لكن اللي محدش كان يعرفه…
إني قبل حداشر سنة، وأنا لسه مرات سيف الجديدة، كنت أنا اللي صممت نظام الطوارئ المالي اللي بيحكم إمبراطوريته.
وكان عندي نسخة احتياطية من كل حساب.
كل عقد.
كل تحويل.
كل اسم.
وكل خيانة.
الساعة كانت ستة الصبح لما دخلت المكتب الرئيسي.
حطيت اللابتوب على المكتب.
ياسر وقف قدامي.
«مستعدة؟»
فتحت أول ملف.
«من النهارده، مفيش حاجة اسمها منظمة المنصوري.»
رفع حاجبه.
«أمال اسمها إيه؟»
بصيت له.
«اسمها منظمة ليلى.»
وقبل ما يرد، ظهر إشعار على الشاشة.
تحويل مالي ضخم خرج من أحد الحسابات السرية.
المستفيد:
نورهان عزام.
لكن التحويل ما كانش هو المفاجأة.
المفاجأة كانت اسم البنك.
بنك في دولة أجنبية.
وتحت اسم المستفيد كان فيه اسم تاني.
والد ليلى المنصوري.
تجمدت مكاني.
«بابا؟»
ياسر قرب من الشاشة.
«بس والدك مات من عشرين سنة.»
بصيت للاسم.
ثم ظهرت رسالة جديدة على الشاشة:
“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن أبوكي… تعالي لوحدك.”
وتحت الرسالة عنوان.
مخزن قديم في بورسعيد.
بصيت لياسر.
«سيف كان عارف.»
«عارف إيه؟»
رفعت عيني.
«إن أبويا مش ميت.»
وفي اللحظة دي، فهمت إن اللي حصل في الحفل ما كانش نهاية زواجي.
كان بداية الحكاية الحقيقية.
حكايات شروق خالد
بعد أسبوعين، كانت القاهرة كلها بتتكلم عن سقوط إمبراطورية المنصوري.
سيف اختفى.
نورهان هربت برا مصر.
والحسابات اللي كان مخبيها اتكشفت واحدة ورا التانية.
لكن أنا ما اكتفيتش إني أخسرّه كل حاجة.
كنت عايزة أعرف الحقيقة عن أبويا.
سافرت بورسعيد لوحدي، ووصلت للمخزن قبل الغروب.
دخلت بحذر.
وفي آخر المكان، سمعت صوت رجل كبير:
«ليلى؟»
اتجمدت.
الصوت كان غريب…
لكن مألوف.
ظهر الرجل من الظلام.
شعره أبيض، ووشه اتغير من السنين، لكن عينيه…
عرفتهم فورًا.
«بابا؟»
دموعي نزلت.
ما قدرتش أتحرك.
هو قرب مني ببطء.
«سامحيني.»
انهرت في حضنه.
بعد عشرين سنة، أخيرًا عرفت الحقيقة.
أبويا ما ماتش.
كان شاهدًا على شبكة فساد كبيرة، واختفى لحمايتي بعد ما عرف إنهم ممكن يستخدموني ضده.
أما سيف، فكان يعرف جزءًا من الحقيقة، واستغلها لسنين عشان يضمن سكوتي.
لكن كل أسراره انتهت يوم حاول يؤذيني.
بعد شهر، ألقت الشرطة القبض على سيف في مطار برج العرب قبل ما يهرب من مصر.
نورهان عادت بعد ما عرفت إن كل حساباتها اتجمدت.
والملفات اللي كنت محتفظة بيها كانت كافية لإسقاط شبكة كاملة.
أما أنا…
طلقت سيف رسميًا.
ولأول مرة من حداشر سنة، صحيت الصبح من غير ما يكون فيه رجل تاني هو اللي بيحدد أنا أعيش إزاي.
بعد ستة شهور، افتتحت مؤسسة خيرية باسم أمي، وساعدت ستات كتير يخرجوا من علاقات كانوا فاكرين إن مفيش طريق للهرب منها.
وفي يوم الافتتاح، كنت واقفة قدام الناس، لابسة نفس الفستان الأخضر اللي لبسته ليلة الحفل.
بس المرة دي ما كانش على وشي خوف.
كان فيه قوة.
ياسر وقف جنبي وقال:
«فاكرة أول ليلة قابلتك فيها؟»
ابتسمت.
«كنت فاكر إني هفضل طول عمري مرات سيف.»
«وأنا كنت فاكر إنك محتاجة حد يحميكي.»
بصيت له.
«وأنا اكتشفت إني مش محتاجة حد يحميني.»
ابتسم.
«عارف.»
مد إيده.
«بس ممكن تسمحيلي أمشي جنبك؟»
بصيت لإيده، وبعدين حطيت إيدي فيها.
«ممكن.»
مشيت معاه وسط الناس.
ولأول مرة فهمت إن نهاية زواجي ما كانتش نهاية حياتي.
كانت بدايتها.
أما سيف، فخسر كل شيء يوم اختار امرأة تانية تحتمي بجسمه بينما زوجته كانت واقفة وسط الفوضى.
وخسرني في اللحظة اللي قرر فيها إن وجودي مضمون.
لأنه نسي أهم حقيقة:
الست اللي بنت إمبراطوريته بإيديها… تقدر تهدها بإيديها برضه.
وأنا؟
ما بقيتش زوجة سيف المنصوري.
بقيت ليلى المنصوري.
الست اللي نجت من الفوضى، والخيانة، والخوف…
وخرجت من كل ده أقوى من أي وقت فات.
«اختار المرأة الأخرى وسط الفوضى»
حكايات شروق خالد



