روايات وقصص

بطاقة حكايات شروق خالد

الصمت كان قاتلًا.

يوسف التفت ناحية أخته.

مريم كانت واقفة عند مدخل الغرفة.

وجهها أبيض.

“قول له الحقيقة.”

قال دانيال.

يوسف بص لها.

“إيه اللي حصل؟”

مريم بدأت تبكي.

“أنا ماقتلتش ياسين.”

“إذن إيه اللي عملتيه؟”

“أنا اللي سلمته لسامح.”

يوسف رجع خطوة.

“ليه؟”

“كنت مهددة.”

“بمين؟”

مريم سكتت.

ثم رفعت عينيها إلى يوسف.

“بأبويا.”

يوسف ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة.

“أبويا .”

مريم هزت رأسها.

“أنا شفته.”

سلمى شعرت بقشعريرة.

“فين؟”

مريم قالت:

“من أسبوع.”

وقبل ما حد يرد، سمعوا صوت تصفيق بطيء من آخر الممر.

رجل خرج من الظلام.

بدلة سوداء.

شعر أبيض.

وعصا في إيده.

يوسف تجمد.

جلال شهق.

وسلمى لم تفهم في البداية.

لكن مريم همست:

“بابا.”

الرجل ابتسم.

وقال:

“وحشتني يا يوسف.”

يوسف كان واقف كأنه تحول لحجر.

“إنت…”

الرجل رفع عينيه.

“أيوه.”

ثم نظر إلى سلمى.

“وأخيرًا قابلت الممرضة اللي  الخطة كلها.”

سلمى قبضت إيدها.

يوسف رفع .

الرجل ابتسم.

“لو هتضربني، اسمع الأول.”

ثم أخرج صورة قديمة.

صورة لسلمى وهي خارجة من المستشفى قبل ثلاث سنوات.

وبجانبها رجل لم تكن تعرفه.

لكن يوسف عرفه فورًا.

الرجل الذي كان يقف في تسجيل الكاميرات ليلة موت دانيال.

والد يوسف قال بهدوء:

“ده الشخص اللي قتل دانيال.”

سلمى حدقت في الصورة.

ثم رفعت عينيها.

“مين؟”

والد يوسف ابتسم.

“إنتِ.”

حكايات شروق خالد

سلمى بصت للصورة، وبعدين لوالد يوسف.

“أنا؟”

ضحك الرجل.

“مش إنتِ اللي .”

يوسف ظل رافع .

“اتكلم.”

“الصورة متصورة قبل  دانيال بساعتين. الشخص اللي واقف جنب سلمى كان لابس نفس الزي بتاعها، واخد بطاقتها، ومستخدم شكلها علشان الكاميرات تسجل إن الممرضة كانت موجودة.”

سلمى قربت من الصورة.

وبدأت تفتكر.

نفس الليلة.

نفس الممر.

ونفس الإحساس الغريب إنها كانت بتسمع صوت خطوات خلفها.

قالت بصوت مرتعش:

“كان فيه حد ورايا.”

يوسف بص لها.

“مين؟”

“ما شفتش وشه.”

والد يوسف ابتسم.

“بس دانيال شافه.”

دانيال قال:

“وكان هو اللي خد البطاقة.”

يوسف سأل:

“مين؟”

والده أشار إلى جلال.

سلمى شهقت.

جلال اتجمد.

“أنا؟”

والد يوسف قال:

“أنت كنت واحد من رجالي من قبل ما يوسف يستلم أي حاجة.”

“جلال…”

جلال هز رأسه.

“أنا ماقتلتش دانيال.”

“لكنّك كنت هناك.”

“أيوه.”

سكت.

“كنت هناك عشان أنقذه.”

دانيال ابتسم بحزن.

“هو بيقول الحقيقة.”

الجميع بص له.

كمل دانيال:

سلمى فهمت.

دانيال هز رأسه.

“وخلوني أعيش تلات سنين باسم مزيف.”

يوسف بص لوالده.

“وأنت كنت عارف؟”

“أنا اللي بدأت الشبكة.”

يوسف ضغط على أسنانه.

“وأنا؟”

“أنت كنت ابني. وكان لازم تستخدم إمبراطوريتك لحمايتها.”

“بدل ما تستخدمها لقتل الناس؟”

والده ابتسم.

“الفرق بيننا إنك لسه عندك ضمير.”

رفع هاتفه.

“وعشان كده كنت عارف إنك هتوصل للحقيقة.”

وفجأة سمعوا أصوات سيارات الشرطة.

والد يوسف ابتسم.

“سامح كان بيشتغل لحسابي.”

يوسف قال:

“وشريف؟”

“برضه.”

سلمى بصت إليه.

“وأنا؟ ليه أنا؟”

والده رد:

“لأن دانيال اختارك شاهدة.”

سكت لحظة.

“لكننا فشلنا في إسكاتك.”

اقترب يوسف من والده.

“وأختي؟”

مريم بكت.

“كان بيهددني طول السنين.”

يوسف حضنها لأول مرة منذ سنوات.

“كان لازم تقولي.”

“كنت خايفة أخسرك.”

“كسبتيني لما  الحقيقة.”

في اللحظة دي، الشرطة  المكان.

الرائد شريف دخل مكبلًا.

وسامح كان بين رجال الأمن.

أما والد يوسف، فرفع يديه بهدوء.

قبل ما يخرج، بص إلى يوسف.

“هتندم إنك اخترت الحقيقة.”

يوسف رد:

“أهون من إني أعيش كذاب.”

—

بعد ستة أشهر، ظهرت الحقيقة كاملة.

ثبت أن دانيال لم يمت.

وثبت أن ياسين كان يحاول كشف شبكة والده.

وثبت أن سامح وشريف شاركا في تلفيق الأدلة.

أما جريمة تسميم يوسف، فكانت جزءًا من خطة لإزاحته والاستيلاء على شركاته.

سلمى حصلت على براءتها كاملة.

واسمها اتشال من كل الملفات.

المستشفى اعتذر لها رسميًا.

لكن الاعتذار ماكانش كفاية.

لأن تلات سنين من عمرها ماكانوش بيرجعوا.

لذلك رفضت عرض العودة للمستشفى.

واختارت تكمل في محل الورد.

أما يوسف…

فباع أغلب الشركات المشبوهة، وأنهى كل الأعمال المرتبطة بالميناء، وحوّل جزءًا كبيرًا من أمواله لصندوق لعلاج ضحايا الإهمال الطبي.

ولأول مرة في حياته، بقى عنده حياة من غير خوف.

وفي ليلة هادية، الساعة 2:13 بعد منتصف الليل، سمع طرقًا على باب شقته.

فتح.

كانت سلمى.

وفي إيدها وردة بيضاء.

ابتسم.

“إيه المناسبة؟”

قالت:

“افتكرت إننا بدأنا أسوأ ليلة في حياتنا في نفس الساعة.”

“وإيه اللي جابك دلوقتي؟”

مدت له الوردة.

“عشان نبدأ حاجة جديدة.”

يوسف بص لها طويلًا.

“متأكدة؟”

سلمى ابتسمت.

“المرة دي أنا اللي باختار.”

مد إيده وأخذ الوردة.

ثم قال:

“وأنا أول مرة في حياتي، مش عايز أختار عنك.”

ضحكت.

“اتعلمت.”

“على إيدك.”

وقفت أمامه.

“يوسف؟”

“أيوه.”

“البطاقة القديمة لسه عندك؟”

ابتسم.

“أيوه.”

“ليه؟”

أخرجها من درج قريب.

كانت البطاقة باهتة، قديمة، ومليانة بذكريات وجع.

ناولها لها.

“عشان أفكرك إنهم قدروا ياخدوا شغلك.”

ثم أمسك يدها.

“لكنهم ماقدروش ياخدوا حياتك.”

سلمى بصت للبطاقة.

وبعدين حطتها في صندوق صغير.

وأغلقت الصندوق.

“خلاص.”

“خلاص إيه؟”

ابتسمت.

“الماضي اتقفل.”

يوسف قرب منها.

“والمستقبل؟”

سلمى رفعت عينيها.

“لسه بنكتبه.”

وفي المرة دي…

ماكانش فيه .

ولا خوف.

كان فيه رجل اتعلم إن الحب مش امتلاك.

وامرأة استرجعت حياتها بعد ما ظنت إنها ضاعت للأبد.

وكانت البداية الحقيقية لحكايتهم…

بعد ثلاث سنين من النهاية التي لم تكن نهاية أصلًا.حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى