روايات وقصص

«تحت ثلوج الوادي الأحمر» حكايات شروق خالد

كان هناك صوت بالخارج.

صوت رجل.

«آدم!»

تجمد آدم.

خفض البندقية قليلًا.

«مستحيل.»

سألته نادين:

«تعرفه؟»

«أيوه.»

«مين؟»

لم يجب.

عاد الصوت من خلف الباب:

«آدم الشناوي! افتح الباب!»

كان الصوت أكثر إلحاحًا هذه المرة.

اقترب آدم من الباب، لكنه لم يفتحه.

قال:

«قول اسمك.»

ساد الصمت.

ثم جاء الرد:

«أنا يوسف.»

تغير وجه آدم.

همست نادين:

«صاحبك؟»

قال آدم:

«كان صاحبي.»

لم يعجبها استخدامه لكلمة “كان”.

سأل الرجل من الخارج:

«إنت لوحدك؟»

نظر آدم إلى نادين.

ثم قال:

«أيوه.»

رفعت نادين حاجبها.

اقترب منها وهمس:

«ماكانش ينفع أقول له إنك هنا.»

«ليه؟»

«عشان لو يوسف هو اللي أنا فاكره… وجودك  من وجودي.»

قبل أن تسأله، جاء صوت من الخارج:

تراجع آدم خطوة.

ثم قال:

«إحنا؟»

لم يجب أحد.

وفجأة سمعا صوت خيول.

حصان.

ثم اثنين.

ثم ثلاثة.

اتسعت عينا نادين.

«كام واحد؟»

قال آدم:

«أكتر مما نقدر نواجه.»

أطفأ النار فورًا.

غرق الكوخ في الظلام.

ثم أمسك بيد نادين وسحبها ناحية الحائط الخلفي.

همست:

«فيه مخرج؟»

«كان فيه.»

«وكان؟»

أشار إلى لوح خشبي في الأرض.

«تحت ده نفق قديم.»

جثت نادين بجواره.

«نفق يودي لفين؟»

«للطرف التاني من الجبل.»

«وإنت مستني ليه؟»

نظر إليها.

«عشان المدخل مسدود.»

دوت ضربة هائلة على الباب.

صرخت نادين دون قصد.

تشقق الخشب.

قال آدم:

«لازم نمشي دلوقتي.»

رفع اللوح.

ثم انحنى وأخرج مصباحًا صغيرًا من حقيبته.

أمسكت نادين بذراعه.

«إنت كنت مخبي المصباح ده طول الوقت؟»

«أيوه.»

«ومافكرتش تستخدمه؟»

«كنت مستني أعرف مين بره.»

«إنت مستفز.»

مد يده لها.

«انزلي.»

نزلت نادين أولًا.

كان النفق ضيقًا، باردًا، ومليئًا بالطين.

نزل آدم خلفها وأعاد اللوح إلى مكانه.

وبعد ثوانٍ…

دخل الرجال الكوخ.

سمعا أصواتهم مكتومة من فوقهما.

«فتشوا المكان!»

«مفيش حد هنا.»

«فتش كويس! آدم ما بيختفيش من غير سبب.»

وضعت نادين همس:

«ما تتنفسيش بصوت عالي.»

نظرت إليه بضيق.

«أنا بحاول.»

تحركا داخل النفق.

كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا تحت أقدامهما.

وبعد مسافة قصيرة، توقف آدم.

قال:

«استني.»

رفع المصباح.

كان أمامهما جدار من الصخور.

«قلت لك المدخل مسدود.»

نظرت نادين إلى الجدار.

ثم إلى آدم.

«يبقى إيه خطتك؟»

ابتسم ابتسامة صغيرة.

«أنتِ شايفة الصخور دي؟»

«أيوه.»

«وراها فراغ.»

«إنت متأكد؟»

«أنا قضيت هنا أربع سنين.»

«يعني؟»

«يعني لو فيه طريق للخروج، هلاقيه.»

بدأ يزيل الصخور بيديه.

ساعدته نادين.

بعد دقائق، ظهرت فتحة صغيرة.

مر هو أولًا، ثم مد يده إليها.

عندما خرجت نادين، وجدت نفسها في كهف واسع خلف الجبل.

لكن لم يكن هناك وقت .

فقد سمعا صوت بندقية من بعيد.

ثم أخرى.

ثم صرخ رجل:

«هما خرجوا من الناحية التانية!»

نظر آدم إلى نادين.

«جروا وراينا.»

«إحنا فين؟»

أشار إلى ممر ضيق بين الصخور.

«هناك.»

ركضا.

كانت العاصفة لا تزال مستمرة، لكن الرياح في الجانب الآخر من الجبل كانت أهدأ قليلًا.

وصل الاثنان إلى مكان مرتفع يطل على الوادي.

ومن هناك رأت نادين شيئًا جعل قلبها أضواء.

عشرات الأضواء.

مخيم الوادي الأحمر.

قالت:

«إحنا قريبين.»

هز آدم رأسه.

«قريبين جدًا.»

«يبقى نقدر نوصل.»

«لوحدنا؟»

«إنت عايز تقول إيه؟»

نظر إليها بجدية.

«الرجالة اللي في الكوخ مش بيدوروا عليا بس.»

سكتت.

ثم فهمت.

«بيدوروا عليا أنا كمان.»

«أيوه.»

«ليه؟»

اقترب منها.

تجمدت.

«مين دول؟»

قال آدم:

«رجالة من شركة التعدين.»

«إيه اللي عايزينه مني؟»

صمت طويلًا.

ثم قال:

«مش منك.»

«أمال من مين؟»

نظر إلى الوادي.

«من أبوكي.»

شعرت نادين أن العالم توقف.

«أبويا من ست سنين.»

«عارف.»

«إذن إزاي؟»

أخرج آدم ورقة قديمة من داخل معطفه.

مدها إليها.

كانت تحمل ختم شركة التعدين.

وفي أسفل الصفحة…

كان اسم والدها.

فتحت نادين فمها، لكنها لم تستطع الكلام.

قال آدم:

«أبوك ما ماتش بسبب الحمى زي ما قالوا لك.»

نظرت إليه.

«إنت بتقول إيه؟»

«أبوك كان شاهد على حاجة حصلت في الوادي الأحمر.»

«حاجة إيه؟»

اقترب آدم أكثر.

«جريمة.»

وفجأة دوى صوت طلقة من خلفهما.

تناثر الحجر بجوار رأس نادين.

كان الرجال قد وصلوا.

لكن هذه المرة…

لم يكونوا وحدهم.

ظهر رجل آخر فوق الصخرة المقابلة.

وكان يرتدي معطفًا أسود طويلًا.

صرخ:

«آدم! سيب البنت وتعالى لوحدك!»

«مش .»

جاء صوت الرجل من بعيد:

«يبقى أنتم الاتنين.»

أمسكت نادين بيد آدم.

همست:

«أنا مش هسيبك.»

نظر إليها للحظة.

وفي عينيه ظهرت نفس النظرة التي رأتها داخل الكوخ.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى