روايات وقصص

خرجت من بيت زوجي وهي حامل حكايات شروق خالد

قال رائد:

«آدم ابن مريم؟»

ابتسم فؤاد.

«لا.»

ثم قال:

«آدم هو الابن الثاني.»

اتسعت عينا ياسين.

«الابن الثاني اللي في الرسالة؟»

أومأ فؤاد.

«أيوه.»

تراجع آدم.

«إنت بتقول إن أنا…»

قال فؤاد:

«أخوك.»

ساد صمت مطلق.

نظر آدم إلى ياسين.

ثم إلى رائد.

ثلاثة رجال يحملون دمًا واحدًا، وقفوا أمام بعضهم للمرة الأولى.

لكن قبل أن يستطيع أحد الكلام، دوى صوت إطلاق نار من الخارج.

سقط أحد رجال ياسين.

صرخ رائد:

«كمين!»

أطفئت الأنوار.

تحول المكان إلى فوضى.

أمسك ياسين بيد ليان.

«ورايا!»

بدأت الطلقات تنهال من الخارج.

اختبأ الجميع خلف الصناديق.

صرخت ليان فجأة:

«ياسين!»

التفت.

كانت تمسك بطنها.

وجهها شاحب.

«فيه إيه؟»

قالت بصوت مرتجف:

«أنا… عندي ألم.»

تجمد.

«الألم قوي؟»

أومأت.

ثم قالت:

«ياسين… أظن إن الولادة بدأت.»

نظر إلى رائد.

ثم إلى آدم.

ثم إلى الخارج حيث كانت أصوات الرصاص تقترب.

قال رائد:

«لازم نخرجها حالًا.»

قال ياسين:

«منين؟»

أشار فؤاد إلى باب خلفي.

«من هنا.»

نظر إليه ياسين بشك.

قال فؤاد:

«لو عايز تنقذ بنتك، ثق فيا للمرة الأخيرة.»

حمل ياسين ليان بين ذراعيه.

وضعت رأسها على صدره.

همست:

«أنا خايفة.»

ضمها إليه.

«وأنا معاكي.»

وفي اللحظة التي خرجوا فيها من الباب الخلفي، كان هناك رجل ينتظرهم.

رفع سلاحه.

لكن قبل أن يطلق النار، ظهر كمال من خلفه.

وأطلق عليه رصاصة.

سقط الرجل.

نظر كمال إلى ياسين.

ثم إلى ليان.

وقال:

«خدها وامشوا.»

حدق ياسين فيه.

«إنت بتساعدنا؟»

أجاب كمال:

«أنا طول عمري بحاول أحميها.»

ثم نظر إلى فؤاد الذي خرج خلفهم.

تغير وجهه.

«لكن منه… أنا مش هقدر أحميكم.»

رفع فؤاد سلاحه.

وصاح:

«انتهى الوقت يا كمال.»

ابتسم كمال.

«لأ.»

ثم نظر إلى ياسين.

«الوقت لسه بدأ.»

وفي تلك اللحظة، شعرت ليان بألم أقوى.

صرخت.

«ياسين!»

أمسكها بقوة.

ثم قال:

«لازم نروح المستشفى حالًا.»

لكن كمال صاح من خلفهم:

«ما تروحش المستشفى!»

توقف ياسين.

«ليه؟»

نظر كمال إلى ليان.

وقال:

«لأن فيه حد مستنيها هناك.»

ثم أضاف:

«والشخص ده هو اللي خانك من أول يوم.»

وفي نفس اللحظة، رن هاتف ياسين.

كانت رسالة من رقم مجهول.

فتحها.

صورة حديثة للمستشفى.

وتحتها:

“لو دخلت ليان المستشفى، بنتك مش هتخرج منه.”

رفع ياسين عينيه.

كانت ليان تبكي من الألم.

والوقت يضيق.

والولادة بدأت.

أما عدوهم الحقيقي…

فكان ينتظرهم في المكان الوحيد الذي ظنوا أنه أكثر مكان آمن.

حكايات شروق خالد

ضغط ياسين على الهاتف حتى ابيضت مفاصل يده.

«محدش هيلمسها.»

قالها بصوت منخفض، لكنه كان أخطر من الصراخ.

ليان كانت تتلوى من الألم.

«ياسين… مش قادرة.»

حملها مرة أخرى.

«رائد، العربية.»

قال رائد:

«العربية جاهزة.»

لكن كمال أمسك بذراع ياسين.

«مش المستشفى.»

صرخ ياسين:

«إذن فين؟»

«عندي مكان آمن.»

«مش هسلم مراتي ليك.»

«لو كنت عايز أؤذيها، كنت سيبت فؤاد يوصل لها.»

تدخل رائد:

«ياسين، اسمعه.»

نظر إليه.

«إنت واثق فيه؟»

«لأ.»

ثم أضاف:

«بس واثق إن فؤاد أخطر.»

ركبوا السيارة.

جلست ليان في الخلف، ورأسها على كتف ياسين.

كل دقيقة كان الألم يزداد.

قالت:

«أنا خايفة على بنتي.»

«بنتنا هتكون بخير.»

«وعدني.»

أمسك يدها.

«وعد.»

انطلقت السيارة بسرعة.

بعد عشرين دقيقة، دخلوا بوابة مزرعة كبيرة خارج القاهرة.

نزل كمال أولًا.

ثم فتح الباب.

«المكان ده كان بتاع أمي.»

سأل ياسين:

«محدش يعرفه؟»

«غيري.»

قال رائد:

«أنا أعرفه.»

نظر إليه كمال.

«منين؟»

«أمي كانت بتيجي هنا.»

صمت كمال.

ثم قال:

«إذن هي كانت عارفة.»

قال رائد:

«كانت عارفة أكتر مما كنا فاكرين.»

دخلوا المنزل.

كانت هناك غرفة مجهزة بشكل غريب.

سرير طبي.

أجهزة مراقبة.

أدوية.

وممرضة في انتظارهم.

حدقت ليان في كمال.

«إنت كنت مجهز المكان ده؟»

«من سنين.»

«ليه؟»

نظر إلى بطنها.

«لأني كنت عارف إن اليوم ده هييجي.»

لم تسأل أكثر.

الألم أصبح أقوى.

صرخت.

دخلت الممرضة.

«لازم ننقلها للسرير فورًا.»

وضعها ياسين.

أمسكت يده.

«ما تسبنيش.»

«مش هسيبك.»

وقفت الممرضة بجانبها.

«الولادة بدأت فعلًا.»

خرج ياسين إلى الممر.

كان رائد يقف هناك.

قال:

«لازم نتكلم.»

«مش دلوقتي.»

«دلوقتي بالذات.»

نظر إليه ياسين.

«قول.»

«فؤاد مش لوحده.»

«عارف.»

«لأ، مش عارف.»

اقترب رائد.

«في حد تاني.»

«مين؟»

«شخص من عيلتنا.»

سأل ياسين:

«مين؟»

وقبل أن يجيب، سمعوا صوت خطوات.

التفتا.

كانت سارة.

وجهها شاحب.

والضمادة ما زالت على كتفها.

قالت:

«أنا عرفت مين.»

«مين؟»

نظرت إلى ياسين.

«الشخص اللي كان بيسرب أخبار ليان لكمال.»

صمتت.

ثم قالت:

«والدتك.»

تجمد ياسين.

«ماما؟»

«فريدة المنصوري.»

هز رائد رأسه.

«مستحيل.»

«أنا شفتها.»

قال ياسين:

«إنتِ بتكدبي.»

«كنت هتصدقني لو قلتلك من أول يوم؟»

لم يرد.

قالت سارة:

«هي اللي قالت لكمال إن ليان حامل.»

«ليه؟»

«عشان كانت خايفة.»

«من إيه؟»

نظرت إلى رائد.

«من الحقيقة.»

في الداخل، صرخت ليان مرة أخرى.

ركض ياسين نحو الباب.

لكن الممرضة أوقفته.

«لسه بدري.»

«هي بتتألم.»

«وده طبيعي.»

وقف أمام الباب.

ثم التفت إلى سارة.

«لو أمي كانت بتساعد كمال… ليه؟»

قالت:

«عشان ابنها الحقيقي كان محتاج يرجع.»

تجمد.

«ابنها الحقيقي؟»

قالت:

«رائد مش ابنها الوحيد.»

نظر ياسين إلى رائد.

«مين؟»

لم يجب.

قالت سارة:

«كمال.»

صمت الجميع.

ثم ضحك رائد.

«ده مستحيل.»

«والدك كان متجوز مريم سرًا، وبعدها اتجوز فريدة.»

قال ياسين:

«ماما كانت زوجته الثانية؟»

«أيوه.»

«وكمال ابنها؟»

«أيوه.»

«إذن كمال أخويا؟»

هزت سارة رأسها.

«نصف أخ.»

نظر ياسين إلى كمال.

كان واقفًا بعيدًا، يسمع كل شيء.

قال ياسين:

«إنت عارف؟»

أجاب كمال:

«من زمان.»

«وماما؟»

«هي اللي عرفتني.»

تقدم ياسين.

«إذن كل اللي حصل كان بسببها؟»

«لأ.»

«أمال مين؟»

نظر كمال إلى سارة.

ثم إلى رائد.

ثم قال:

«فؤاد.»

«ليه؟»

«لأن فؤاد كان عايز يسيطر على أصول أبوك.»

قال رائد:

«وإحنا؟»

«كان محتاج يفرقنا.»

ثم نظر إلى ياسين.

«وأفضل طريقة كانت إنك تكره ليان.»

فجأة خرج صوت الممرضة من الغرفة:

«ياسين!»

دخل مسرعًا.

كانت ليان تمسك الملاءة.

وجهها غارق في العرق.

قالت:

«ياسين…»

«أنا هنا.»

«أنا حاسة إنها نازلة.»

اقتربت الممرضة.

«الولادة بدأت.»

أمسك ياسين يد زوجته.

«خدي نفس.»

صرخت.

ثم بدأت أصوات الأجهزة تتغير.

الممرضة قالت:

«النبض كويس.»

نظر ياسين إلى الشاشة.

دقات صغيرة.

سريعة.

لكن منتظمة.

ثم انطفأت الأنوار فجأة.

صرخت الممرضة.

«مين فصل الكهرباء؟»

ساد الظلام.

وبعد ثوانٍ، انفتح الباب.

دخل رجل مسلح.

لكن قبل أن يصل إلى السرير، اندفع كمال عليه.

وقع الاثنان على الأرض.

أطلق الرجل رصاصة.

أصابت الجدار.

صرخ ياسين:

«ليان!»

غطاها بجسده.

ثم سمع صوت كمال:

«خدها من هنا!»

أمسك ياسين زوجته.

لكن ليان صرخت:

«ياسين!»

كانت هناك يد تخرج من خلف الستارة.

امرأة.

تقترب من سريرها.

عرفتها ليان فورًا.

«ماما؟»

تجمدت فريدة.

كانت تحمل شيئًا في يدها.

قالت:

«سامحيني يا بنتي.»

شهقت ليان.

«إنتِ؟»

اقتربت فريدة.

«أنا عملت كل ده عشان أحميكي.»

صرخ ياسين:

«ماما! إبعدي عنها!»

لكن فريدة لم تتحرك.

رفعت يدها.

لم يكن معها سلاح.

كان معها ظرف.

وضعته أمام ليان.

«ده آخر دليل.»

قالت ليان:

«دليل على إيه؟»

دمعت عينا فريدة.

«على إن أبوكي هو اللي طلب من ياسين يتجوزك.»

صمتت ليان.

«ليه؟»

«لأنه كان عارف إن كمال هيقتل أي شخص تحبيه.»

تجمدت.

ثم قالت فريدة:

«وأنا أخطأت لما حاولت أحميكي بالطريقة دي.»

بدأت دموعها تنزل.

«كنت فاكرة إن إبعادك عن ياسين هيحميكي.»

نظر ياسين إليها.

«إنتِ بلغتي كمال.»

«أيوه.»

«ليه؟»

«عشان يخوفك.»

«كان ممكن يقتلها.»

«أنا عارفة.»

ثم نظرت إلى ليان.

«وعشان كده أنا جاية أصلح اللي عملته.»

وفجأة…

انطلق صوت بكاء.

توقف الجميع.

بكاء طفلة.

نظر ياسين إلى الممرضة.

ابتسمت الممرضة وسط دموعها.

«بنت.»

انهارت ليان على الوسادة.

وضعت الممرضة الطفلة فوق صدرها.

اقترب ياسين ببطء.

نظر إلى ابنته.

ثم بكى.

لم يكن بكاء رجل قوي.

ولا رجل يخشاه الآخرون.

كان بكاء أب رأى ابنته للمرة الأولى.

همس:

«بنتي.»

وضعت ليان يدها على رأس الصغيرة.

«بنتنا.»

رفع ياسين عينيه إليها.

«آسف.»

قالت ليان:

«مش دلوقتي.»

«إمتى؟»

نظرت إلى طفلتهما.

«لما نخرج من الحرب دي.»

وفي الخارج، دوى انفجار آخر.

توقفت الابتسامة على وجه كمال.

قال رائد:

«فؤاد.»

نظر ياسين إلى النافذة.

كانت سيارات تقترب من المزرعة.

عشرات السيارات.

وفي مقدمتها سيارة سوداء.

نزل منها فؤاد الشامي.

رفع هاتفه.

واتصل.

رن هاتف ياسين.

نظر إلى الشاشة.

رقم مجهول.

فتح.

جاء صوت فؤاد:

«مبروك يا ياسين.»

ثم ضحك.

«بس للأسف… بنتك اتولدت قبل ما ألحق أوقفك.»

شد ياسين على الهاتف.

«هتندم.»

«أنا مش جاي أقتلها.»

«أمال؟»

سكت فؤاد لحظة.

ثم قال:

«أنا جاي آخدها.»

وأغلق الهاتف.

نظر ياسين إلى ليان.

ثم إلى ابنته.

ثم قال:

«المرة دي… محدش هياخد حد مننا.»

لكن خلف الباب، كان هناك شخص يقف في الظلام.

شخص لم يلاحظه أحد.

رفع سلاحه ببطء.

وكان يستهدف سرير الطفلة مباشرة.

حكايات شروق خالد

توقفت أنفاس ياسين عندما لمح انعكاس السلاح على زجاج النافذة.

صرخ:

«انبطحوا!»

اندفع نحو ليان، وفي اللحظة نفسها انطلقت الرصاصة.

لكنها لم تصل إلى السرير.

وقف كمال أمامها.

أصابته الرصاصة في كتفه، فسقط على الأرض.

صرخت ليان:

«كمال!»

أما رائد فأطلق النار ناحية الباب.

سقط الرجل المسلح.

وانفتح الباب بعنف.

دخل فؤاد الشامي ومعه عدة رجال.

لكن فريدة وقفت أمامه.

قالت:

«كفاية يا فؤاد.»

ضحك.

«إنتِ آخر واحدة تتكلم عن الكفاية.»

رفع سلاحه.

لكن سارة ظهرت خلفه.

وضعت مسدسها على رأسه.

«ارمي سلاحك.»

تجمد.

«إنتِ؟»

«أيوه.»

«إنتِ خنتيني.»

قالت:

«أنا ما كنتش عمري بتاعتك.»

اقترب ياسين من ليان.

حمل طفلتهما.

ثم قال:

«انتهت لعبتك.»

ضحك فؤاد.

«إنت فاكر إنك كسبت؟»

رفع رائد الملف القديم.

«لا.»

ثم أضاف:

«بس إحنا معانا كل حاجة.»

تغير وجه فؤاد.

«إيه؟»

قال آدم:

«التسجيلات.»

وأضافت سارة:

«والتحويلات.»

وقال رائد:

«وإفادة مريم.»

ثم رفعت فريدة هاتفها.

«وأنا سجلت اعترافك بالكامل.»

لأول مرة، اختفت الثقة من وجه فؤاد.

قال:

«إنتوا مش فاهمين.»

اقترب ياسين.

«إحنا فهمنا كل حاجة.»

«والدك قتل والد ليان.»

«وأنت استغليت ده.»

«كمال خانني.»

«وإنت قتلت ناس كتير عشان توصل للسلطة.»

«أنا كنت بحمي حقي.»

رد ياسين:

«الحقي الحقيقي كان مراتي وبنتي.»

ثم دخلت قوات الأمن إلى المكان.

حاول رجال فؤاد المقاومة، لكنهم استسلموا واحدًا تلو الآخر.

أما فؤاد، فوقف مكانه.

اقترب منه ياسين.

وقال:

«إنت ضيعت عمرك كله وأنت فاكر إن القوة معناها إنك تخلي الناس تخاف منك.»

ثم نظر إلى ليان.

«لكن القوة الحقيقية إن يبقى عندك حاجة تستحق تحميها.»

أخذ رجال الأمن فؤاد.

وقبل أن يخرج، التفت إلى ياسين.

«الحقيقة هتدمر اسم المنصوري.»

أجابه ياسين:

«يبقى الاسم يتدمر.»

ثم حمل ابنته.

«بس عيلتي تفضل.»

بعد ساعات، هدأ كل شيء.

كان كمال في المستشفى، ورائد بجواره.

أما فريدة، فقد جلست أمام ليان.

بكت وهي تقول:

«مش عارفة إذا كنتِ هتسامحيني.»

نظرت ليان إليها طويلًا.

«مش النهارده.»

أومأت فريدة.

«فاهمة.»

«لكن يمكن يومًا ما.»

رفعت فريدة عينيها.

ابتسمت ليان للمرة الأولى منذ أيام.

«لما أشوف إنك بقيتي تحمي الناس من غير ما تخوّفيهم.»

بكت فريدة.

وقبلت يدها.

أما ياسين، فكان يقف بجوار النافذة يحمل طفلته.

اقتربت منه ليان.

قال:

«تحبي تسميها إيه؟»

نظرت إلى الصغيرة.

ثم قالت:

«مريم.»

توقف ياسين.

«على اسم مريم؟»

«على اسم كل الستات اللي حاولوا يحمونا، حتى لو أخطأوا.»

ابتسم.

«مريم المنصوري.»

أومأت.

«مريم المنصوري.»

مرت ثلاثة أشهر.

انتهت التحقيقات.

ثبتت جرائم فؤاد، وكُشفت شبكة الأموال والتزوير التي بناها خلال سنوات.

أما سارة، فحصلت على الحماية القانونية بعد أن سلمت كل الأدلة، وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن عائلة المنصوري.

رائد لم يعد إلى الاختفاء.

قرر أن يعيش أخيرًا باسم عائلته الحقيقي.

وآدم اختار أن يعمل في مؤسسة قانونية أنشأها لحماية الناس الذين تعرضوا لابتزاز يشبه ما حدث لعائلته.

أما ياسين…

فباع جزءًا كبيرًا من الشركات المرتبطة بالماضي.

وأغلق المخازن القديمة.

وتخلى عن كل نشاط لا يستطيع أن يشرحه لابنته عندما تكبر.

وعندما سأله أحد رجاله:

«هنعمل إيه بعد كده؟»

قال:

«هنعيش.»

ثم ابتسم.

«يمكن دي أول مرة نعمل حاجة صح.»

أما ليان، فلم تعد إلى الفيلا القديمة.

اختارت بيتًا جديدًا.

بيتًا لا توجد فيه غرفة مخصصة لعشيقة.

ولا أسرار خلف الأبواب.

ولا صور لرجال موتى تخفي قصصًا لم تُحكَ.

وفي إحدى ليالي الشتاء، كانت تجلس في الشرفة، ومريم نائمة بين ذراعيها.

خرج ياسين.

جلس بجوارها.

قال:

«لسه زعلانة مني؟»

نظرت إليه.

«أيوه.»

ابتسم.

«متوقع.»

«بس مش زي الأول.»

«يعني في أمل؟»

ضحكت.

«ما تستعجلش.»

سكت قليلًا.

ثم قال:

«أنا كنت فاكر إنك لما خرجتي من البيت، خسرت مراتي.»

نظرت إليه.

«ولقيت إيه؟»

«لقيت إني عمري ما كنت أملكك أصلًا.»

ابتسمت ليان.

«دي أول إجابة صح منك من تسع سنين.»

مد يده.

لم تمسكها فورًا.

نظرت إلى مريم.

ثم وضعت يدها في يده.

وفي اللحظة نفسها، استيقظت الصغيرة وبكت.

ضحك ياسين.

«واضح إنها مش موافقة.»

قالت ليان:

«دي بنت المنصوري.»

حملها ياسين.

«يبقى لازم نتعلم نسمع رأيها.»

نظرت ليان إليهما.

ولأول مرة منذ تسع سنوات، شعرت أن بيتها ليس مكانًا تعيش فيه.

بل مكانًا اختارته بنفسها.

وفي اليوم التالي، وضعت خاتم زواجها القديم في صندوق صغير.

لم ترتده.

لكنها لم ترمه.

احتفظت به كتذكار.

ليس على حبها القديم.

بل على المرأة التي كانتها قبل أن تعرف قيمتها.

وبعد عام، وقفت ليان في حديقة البيت، تراقب مريم وهي تركض نحو ياسين.

ركضت الصغيرة وسقطت.

ضحك ياسين وحملها.

قالت ليان:

«بالراحة عليها!»

رد:

«أنا أبوها.»

«وأنا أمها.»

«يعني؟»

ابتسمت.

«يعني إحنا الاتنين هنتعلم.»

اقترب ياسين منها.

«مع بعض؟»

نظرت إليه.

ثم إلى مريم.

وقالت:

«مع بعض.»

وهكذا انتهت حرب المنصوري.

ليس بانتصار رجل على رجل.

ولا بسقوط إمبراطورية.

بل بانتصار امرأة قررت، لأول مرة، ألا تسمح لأحد أن يختار حياتها بدلًا منها.

وفي كل مرة كانت ليان تنظر إلى ابنتها، كانت تتذكر الليلة التي خرجت فيها من الفيلا وهي تحمل حقيبة صغيرة وقلبًا محطمًا.

لم تكن تعرف وقتها إلى أين ستذهب.

لكنها الآن فهمت شيئًا واحدًا:

أحيانًا، لا يكون الرحيل هو نهاية البيت.

أحيانًا…

يكون الرحيل هو أول خطوة لبناء بيت حقيقي.

«خرجت من بيت زوجي وهي حامل

حكايات شروق خالد

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى