روايات وقصص

سِرّ الشغالة ج2 .حكايات شروق خالد

فاطمة بصت للمفتاح اللي على المكتب، وبعدين بصتلي كأنها مش مصدقة اللي سمعته. دموعها زادت بس المرة دي ماكانتش دموع خوف ولا كسر، كانت دموع راحة بعد سنين طويلة من الشيل والحط في السر.

قربت من المكتب بخطوات بطيئة، مدّت إيدها المرتعشة وأخدت المفتاح.

أمي أخدت نفس عميق، وغمضت عينها وكأن جبل أزاح من على صدرها. بصتلي وقالت: “كده أنا أقدر أقابل ربنا وأنا مرتاحة يا يحيى… كده طهرت ذنب أبوك.”

في الأيام اللي بعد اليوم ده، كل حاجة في البيت اتغيرت.

فاطمة ما بقيتش تقرب من تنظيف البيت ولا الشغل، بقيت تقعد مع أمي كواحدة من البيت بجد. وأنا، ولأول مرة من سنين، بدأت أراجع كل خطوة عملتها في حياتي، وكل قرش دخل جيبي، وشكل القوة اللي كنت فاكر إنها حامياني.

فتحت الخزنة بنفسي، وطلعت دفتر مذكرات أبويا القديم، وسلمتهولها في إيدها.

أخدت الدفتر وحضنته كأنها بتحضن أبوها الله يرحمه، وقالتلي بصوت هادي: “أنا مش حابة أعمل مشاكل ولا أرفع قضايا يا يحيى… أنا بس هوريه لكبار العيلة اللي ظلموا أبويا زمان، عشان حقه يرجع قدامهم.”

بعدها بأسبوعين، الحاجة توفاها الله.

ماتت وهي مبتسمة، بين إيديا وإيدين فاطمة. وفي جنازتها، فاطمة كانت واقفة تقبل العزا جنبنا كواحدة من العيلة.

السر اللي كان ممكن يهدم البيت، بقى هو السبب الوحيد اللي خلاني أعرف المعنى الحقيقي للعيلة والأصل، وعرفت إن القوة مش بالنفوذ ولا السلاح… القوة الحقيقية هي إنك تقدر تعترف بالحق وترجعه لأصحابه حتى لو كان على حساب نفسك.

#حكايات_شروق_خالدعدت الأيام والشهور بعد وفاة أمي، والبيت الكبير اللي كان زمان مليان هيبة ونفوذ، بقى يحسسني بالغربة والفراغ.

فاطمة لمّت حاجتها وكانت تجهز عشان تمشي، ترجع بيتها القديم بعد ما حققت أمنيتها وورّت الدفتر لكبار العيلة، وبُرّئ اسم أبوها قدام الكل.

وقفت قدام الباب وهي ماسكة شنطتها البسيطة، وبصتلي وقالت: “أنا ماشية يا يحيى بيه.. شكراً إنك ما وقفتش في طريق الحق، ودعواتي للحاجة بالرحمة.”

مسكت نفسي بالعافية وقربت منها، وقلت بصوت متأثر: “يا فاطمة.. البيت ده بيتك، وعمك توفيق الله يرحمه له حق هنا زيه زي أبويا بالضبط. الفلوس والشغل وكل اللي أنا فيه ده، جزء منه حقك وحق أبوك.”

بصتلي بكبرياء وعزة نفس وقالت: “أنا مش عايزة فلوس يا يحيى.. أنا أبويا علمني إن الشرف والأصل أهم من كنوز الدنيا. أنا كنت عايزة حقه الأدبي بس، والحمد لله أخدته.”

في اللحظة دي، حسيت إن البنت دي مش بس بنت عمي، دي الشخص الوحيد اللي فكرني بالخير والإنسانية اللي الشغل والقسوة نسّوهملي من سنين.

قلت لها بجدية ورجاء: “لو مش هتاخدي حقك عشان نفسك، خذيه عشان أمي.. أمي وصتني عليكِ قبل ما تموت، وقالتلي إنك أختي وسندي في الدنيا دي. اعتبري ده بيت عيلتك، وخلينا نفتح صفحة جديدة ونصلح اللي الأيام دمرته.”

فاطمة بصت في الأرض، وبدأت الدموع تجمع في عينها تاني، بس المرة دي كانت دموع أمل وصُلح.

ومن اليوم ده، ردّيت لها ورث أبوها بالكامل في الشركات والأملاك، وبقت هي كبيرة العيلة والكلمة كلمتها في البيت. والشغالة اللي كانت بتدخل السرايا من باب الخدامين، بقت هي صاحبته والرأس المرفوعة فيه، وأنا تعلمت إن أعظم قوة ممكن يملكها راجل، هي إنه يرجع للحق ويصون صلة الرحم.

سِرّ الشغالة

حكايات شروق خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى