
مد لي فلاشة صغيرة.
«كل التحويلات، التسجيلات، وأسماء الناس اللي اشتغلوا مع حازم موجودة هنا.»
أخذتها.
لكن قبل ما أتكلم، سمعت صوت بكاء ليان.
التفت بسرعة.
سارة كانت شايلة ليان وبتحاول تهديها.
لكن فجأة، محمود قال:
«استنى.»
«إيه؟»
قرب منها ونظر للطفلة.
«البنت عندها سوار؟»
بصيت لإيد ليان.
كان فيه سوار فضة صغير.
قال محمود:
«مين حطه؟»
سارة ردت:
«كان موجود في إيديها يوم الولادة.»
محمود مد إيده ناحية السوار، لكنه توقف قبل ما يلمسه.
«ده مش سوار أطفال.»
«أمال إيه؟»
«جهاز تتبع.»
اتسعت عيني.
نزعت السوار فورًا.
محمود أخذه وحطه داخل علبة معدنية.
«حازم كان يعرف مكانها طول الوقت.»
سارة انهارت على الكرسي.
«يعني حتى هنا…»
«أيوه.»
قلت:
«لازم نخرج من هنا.»
محمود هز راسه.
«الخروج من البنتهاوس هو أسوأ قرار ممكن دلوقتي.»
«ليه؟»
«لأنهم مستنيينكم برا.»
نظرت من الشباك.
سيارتين سودا واقفين قدام العمارة.
وفي عربية ثالثة على الناحية التانية.
قلت:
«كام واحد؟»
«مش عارف.»
ثم أضاف:
«لكن عندنا مشكلة أكبر.»
«إيه؟»
رفع عينه لي.
«حازم موجود هنا.»
سارة شهقت.
«هنا؟»
«في المبنى.»
في اللحظة نفسها، انطفأت كل الأنوار.
صرخت سارة.
ضممت ليان لصدي وأمسكت يد سارة.
قال محمود:
«محدش يتحرك.»
سمعنا خطوات في الممر.
بطيئة.
هادية.
وبعدين صوت مفتاح دخل في باب البنتهاوس.
لفيت ناحية الباب.
المفتاح اتحرك.
الباب بدأ يفتح.
محمود رفع سلاحه.
لكن الشخص اللي دخل لم يكن حازم.
كانت امرأة في منتصف الأربعينات.
بمجرد ما شافتها سارة، شهقت وقالت:
«أمي؟»
تجمدت مكانها.
«أمك؟»
المرأة بصت لسارة، ثم لليان.
وقالت:
«أنا جاية أقول لكم الحقيقة اللي كان لازم تعرفوها من زمان.»
اقتربت خطوة.
«سارة مش بنتي البيولوجية.»
ساد الصمت.
سارة بدأت تهز رأسها.
«لا… ده مستحيل.»
المرأة أخرجت ظرفًا قديمًا.
«وأمك الحقيقية كانت واحدة من العاملين في بيت عيلة المنصوري.»
بصت لي مباشرة.
«وكانت تعرف سرًا عن أبوك.»
قلت:
«إيه السر؟»
رفعت عينيها لي وقالت:
«أبوك ما ماتش موت طبيعي.»
ثم نظرت إلى ليان.
«والشخص اللي قتله… هو نفس الشخص اللي بيحاول يقتل بنتك دلوقتي.»
تجمدت.
«مين؟»
قبل ما تجاوب، جاء صوت تصفيق من خلفها.
صفقة.
ثم ثانية.
ثم ظهر حازم من الممر.
كان مبتسمًا.
وقال بهدوء:
«أنا.»
حكايات شروق خالد
حازم وقف عند باب الصالة، وإيديه في جيوبه، وعلى وشه ابتسامة باردة.
سارة قربت مني وهي بتضم ليان لصدرها.
قلت:
«إنت قتلت أبويا؟»
ضحك بهدوء.
«أبوك مات وهو عارف إنه خسر.»
«إنت مجنون.»
«لا. أنا الوحيد اللي فهم اللعبة.»
محمود رفع سلاحه.
«خطوة واحدة وأنا هضرب.»
حازم بص له باستخفاف.
«إنت لسه فاكر إنك حارس شخصي؟»
وفجأة ظهر رجلين من خلفه.
لكن قبل ما يتحركوا، محمود أطلق رصاصة في السقف.
«ولا واحد يقرب.»
حازم رفع إيده.
«اهدأ يا محمود.»
ثم بص لي.
«أنا ما جيتش أقتل حد.»
قلت:
«أمال جاي تعمل إيه؟»
«أديك فرصة.»
ضحكت بسخرية.
«فرصة لإيه؟»
«تسيب الشركة، وتتنازل عن كل حقوق ليان، وسارة تختفي من حياتك للأبد.»
شدّيت على إيدي.
«ولو رفضت؟»
ابتسامته اختفت.
«هتبدأ الخسائر.»
سارة قالت:
«إنت مش هتقدر تلمس بنتي.»
حازم بص لها.
«بنتك؟»
ثم ضحك.
«دي مش المشكلة.»
طلع ورقة من جيبه.
«المشكلة إن ليان هي الوريثة الشرعية.»
بصيت له.
«وده اللي مخوفك.»
«بالضبط.»
قلت:
«أبويا كتب الوصية علشان يحميها.»
«أبوك كان غبي.»
ثم اقترب خطوة.
«كان فاكر إن الورق هيحميك.»
رديت:
«لكن الورق مش لوحده.»
رفعت الفلاشة قدامه.
«أنا معايا كل حاجة.»
تغير وشه لأول مرة.
«إنت لقيتها؟»
«آه.»
«فين؟»
«بعيد عنك.»
ضحكت.
«ولو حصل لي أي حاجة، كل الملفات هتتبعت للنيابة وللصحافة.»
حازم سكت.
قلت:
«انتهيت يا حازم.»
لكن فجأة سارة شدّت إيدي.
«يوسف…»
بصيت لها.
كانت بتبص ناحية الشباك.
«في حد فوقنا.»
سمعنا صوت حركة في السطح.
محمود قال بسرعة:
«لازم ننزل من مخرج الطوارئ.»
حازم حاول يمنعنا، لكن محمود وقف بيننا وبينه.
«خليهم يمشوا.»
حازم بص له بغضب.
«إنت مش فاهم اللي بتعمله.»
«فاهم كويس.»
أخذت سارة وليان وجرينا ناحية مخرج الطوارئ.
لكن قبل ما أنزل، سمعت حازم بيصرخ:
«يوسف!»
وقفت.
قال:
«إنت فاكر إنك أنقذت بنتك؟»
لفيت له.
ابتسم ابتسامة مرعبة.
«إنت لسه ماعرفتش الحقيقة كلها.»
ثم قال:
«اسأل سارة مين أبوها الحقيقي.»
بصيت لسارة.
وجهها تحول إلى شحوب.
«سارة؟»
ما ردتش.
«إيه اللي قصده؟»
بدأت تبكي.
«يوسف… أنا كنت مستنية اللحظة دي من سنين.»
«قولي.»
رفعت عينيها لي وقالت:
«أبوك مش أبوك البيولوجي.»
اتجمدت.
«إيه؟»
«والرجل اللي ربّاك… كان عارف.»
ثم بصت إلى ليان.
«وعشان كده أبوك كتب الوصية باسم بنتك.»
لم أستوعب شيئًا.
سألتها:
«مين أبويا الحقيقي؟»
سارة فتحت الظرف القديم.
طلعت منه صورة لرجل شاب.
ناولتها لي.
أول ما شفت الصورة، قلبي وقف.
الرجل كان نسخة مني تقريبًا.
لكن الاسم المكتوب خلف الصورة كان:
«عمر المنصوري… الأخ الأكبر لوالدك.»
رفعت عيني لسارة.
«عمي؟»
هزت رأسها.
«أيوه.»
ثم قالت:
«وعمر ما ماتش.»
في اللحظة نفسها، رن هاتف محمود.
رد.
وبعد ثوانٍ، تغير وجهه.
قال:
«يوسف… عندنا مشكلة.»
«إيه؟»
نظر إليّ.
«عمر المنصوري رجع القاهرة من عشر دقايق.»
سكت لحظة، ثم أضاف:
«وهو طالب يقابلك… ومعاه محامي العيلة.»
ثم سمعنا صوت رسالة وصلت على هاتفي.
فتحتها.
كانت صورة ليان.
وتحتها جملة واحدة:
«لو عايز تعرف مين أنت فعلًا… تعالى لوحدك.»
وصلت الرسالة، وحسيت لأول مرة إن كل حاجة في حياتي كانت مبنية على كذبة كبيرة.
بصيت لسارة.
«مش هروح لوحدي.»
هزت راسها وهي بتعيط.
«أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.»
«إنتِ كنتِ عارفة إن عمر عايش؟»
«أيوه.»
«ليه خبّيتي عليا؟»
قالت:
«لأن عمر هو اللي أنقذني من حازم قبل ست شهور. وهو اللي طلب مني أبعد عنك لحد ما نعرف مين اللي بيحاول يقتلك.»
محمود تدخل:
«وعمر هو اللي بعتلي الأدلة.»
فهمت وقتها إن كل حاجة بدأت تتكشف.
رجعنا للشقة، لكن حازم كان اختفى.
وبعد أقل من ساعة، وصلنا للمكان اللي طلب عمر نقابله فيه.
دخلنا غرفة كبيرة هادئة.
كان فيه رجل واقف قدام الشباك.
لما التفت، حسيت إني ببص لنفسي بعد ثلاثين سنة.
قال:
«يوسف.»
قلت:
«عمر؟»
ابتسم بحزن.
«أخيرًا قابلت ابني.»
اتجمدت.
«ابنك؟»
بص لسارة.
«هي ماقالتش لك؟»
هزت رأسها.
قال عمر:
«أنا والدك الحقيقي.»
سكت العالم كله.
«أبوك اللي رباك كان أخويا. هو أخدك مني وأعلن وفاتي بعد ما حاول يحميك من عيلة المنصوري.»
ثم أضاف:
«ولما اكتشف إن حازم هو اللي بيدير شبكة السرقة والقتل، كتب الوصية باسم ابنتك.»
قلت:
«ليه ليان؟»
«لأنها أول حفيدة تحمل دم العائلة من غير ما تكون متورطة في صراعاتهم.»
نظرت إلى ابنتي.
ثم قلت:
«وحازم؟»
عمر قال:
«الشرطة قبضت عليه.»
اتضح أن الفلاشة التي كانت معي احتوت على أدلة كافية لإسقاطه، وأن محمود أرسل نسخة احتياطية للشرطة قبل وصولنا.
وبعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة.
حازم اعترف بكل شيء.
الاختلاسات.
حادثة السيارة.
تزوير الأوراق.
محاولة قتل سارة.
وحتى محاولته التخلص من ليان.
أما أنا، فقد أعدت بناء الشركة من جديد، لكني للمرة الأولى لم أعد أعتبر العمل أهم شيء في حياتي.
كنت أرجع البيت كل يوم بدري.
وأول شيء أعمله كان إني أدور على ليان.
وفي إحدى الليالي، وجدتها نائمة بين ذراعي سارة.
وقفت عند الباب أتفرج عليهم.
سارة فتحت عينيها.
قالت بهدوء:
«لسه بتبص لنا كأنك مش مصدق إننا هنا؟»
ابتسمت.
«كل يوم.»
«ليه؟»
قربت منها.
«علشان كنت فاكر إن خسارتك كانت أسوأ حاجة حصلت لي.»
سكت لحظة.
ثم نظرت إلى ليان.
«لكن الحقيقة إن خسارتك كانت السبب اللي خلاني أكتشف إني كنت بخسر نفسي.»
دمعت عيناها.
«يوسف…»
مددت إيدي لها.
«مش عايز نرجع زي الأول.»
استغربت.
«أمال عايز إيه؟»
قلت:
«عايز نبدأ من الأول. من غير فلوس، ولا كبرياء، ولا هروب.»
ابتسمت وسط دموعها.
«ولو فشلنا؟»
«نجرب تاني.»
ضحكت.
وفي اللحظة دي، فتحت ليان عينيها وبدأت تبتسم.
حملتها بين ذراعي.
وقلت:
«أهلًا بيكي في بيتك يا بنتي.»
نظرت إلى سارة.
ولأول مرة منذ سنوات، شعرت أن كلمة بيت لم تعد تعني مكانًا أعيش فيه.
كانت تعني شخصين انتظراني رغم كل أخطائي.
سارة.
وليان.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد ملياراتي هي أعظم ما أملك.
أعظم ثروة في حياتي كانت الطفلة التي عرّفتني معنى الأبوة، والمرأة التي أعطتني فرصة ثانية رغم أنني لم أكن أستحقها.
أما حازم، فخسر كل شيء.
وأنا…
ربحت عائلتي من جديد.
حين فتحت ابنتي عينيها…
حكايات شروق خالد




