روايات وقصص

حكاية العصير

مي مسحت دموعها.
“أمك كانت بتبعت له فلوس كل شهر.”
سكت.
“لمين؟”
قالت:
“لأبوكي الحقيقي.”
الصالة كلها سكتت.
وبعدين سألت:
“هو فين؟”
مي بصت لياسين.
ياسين نزل عينيه.
قلت:
“ياسين.”
رفع عينيه.
“هو فين؟”
قال بصوت خافت:
“في القاهرة.”
“فين؟”
“في مستشفى.”
اتنفست بصعوبة.
“إنت تعرف عنوانه؟”
هز رأسه.
“أيوه.”
“خدني له.”
وقبل ما يتحرك، سمعنا صوت صفارات عربيات من بعيد.
حمدي اتوتر.
الراجلين عند الباب بصوا لبعض.
ياسين ابتسم.
“وصلوا.”
حمدي اندفع ناحية الباب.
لكن الباب اتفتح في نفس اللحظة، ودخل رجال شرطة.
الراجلان حاولوا يهربوا.
واحد منهم اتقبض عليه عند الباب.
والتاني جري ناحية المطبخ.
أما حمدي…
فضل واقف مكانه.
بص لي.
وبعدين ابتسم ابتسامة غريبة.
“فاكرة إن الشرطة دي هتنقذك؟”
ما رديتش.
قال:
“قبل ما ياخدوني، لازم تعرفي آخر حاجة.”
قرب منه واحد من الضباط.
حمدي قال:
“أبوكي الحقيقي مش حسن.”
اتجمدت.
“إيه؟”
ابتسم.
“حسن كان مجرد الراجل اللي رباكي.”
وبعدين بص لياسين.
“قول لها يا ابني مين أبوها.”
ياسين سكت.
صرخت:
“مين أبويا؟!”
حمدي ضحك.
“الراجل اللي كانت أمك بتحاول تخبيه عن الدنيا كلها…”
سكت لحظة.
ثم قال:
“هو أخويا.”
شهقت.
“عمك هو أبوكي الحقيقي.”
الدنيا دارت بيا.
بصيت لياسين.
وبصيت لحمدي.
وفهمت فجأة إن سبب خوفهم مني ما كانش بسبب الفلوس.
ولا بسبب الورق.
كان فيه سر أكبر.
سر لو ظهر…
عيلة الدمنهوري كلها هتنهار.
وياسين قرب مني، لكنه وقف بعيد.
وقال:
“شروق… في حاجة أهم لازم تعرفيها.”
بصيت له.
“إيه؟”
قال:
“أبوكي الحقيقي مات من تلات أيام.”
سكت.
ثم أضاف:
“وقبل ما يموت… بعتلي رسالة.”
طلع موبايله.
فتح رسالة قديمة.
وقرأ أول سطر:
“يا ياسين… لو شروق وصلت لك، ما تخليش حمدي يعرف إنها بنتي.”
اتسعت عيني.
“ليه؟”
ياسين رفع عيني لي.
“لأن أبوكي كان عارف إن حمدي هو اللي قتله.”

حكايات شروق خالد
الفصل الرابع

فضلت واقفة مكاني، والموبايل في إيد ياسين.
الجملة اللي قالها كانت بتتكرر في دماغي:
“أبوكي كان عارف إن حمدي هو اللي قتله.”
بصيت لحمدي.
كان لسه واقف وسط الضباط، وإيديه متكلبة.
لكن الغريب إنه ما كانش خايف.
بالعكس…
كان بيبص لي كأنه مستني اللحظة دي من سنين.
قربت منه خطوة.
“إنت قتلت أبويا؟”
حمدي ابتسم.
“مش كل حاجة بتسمعيها تبقى حقيقة.”
صرخت:
“رد عليا!”
واحد من الضباط مسكه من دراعه.
“كفاية. الكلام ده هيتقال في القسم.”
حمدي بص لياسين.
“هو لسه ما قالهاش كل حاجة.”
ياسين اتوتر.
“خدوه.”
الضابط سحبه ناحية الباب.
لكن قبل ما يخرج، حمدي وقف وبص لي.
“اسألي جوزك عن اللي حصل ليلة جوازكم.”
اتجمدت.
“يعني إيه؟”
حمدي ضحك.
“هو فاهم.”
وخرج.
فضلت واقفة، وبصيت لياسين.
“ليلة جوازنا؟”
ما ردش.
قربت منه.
“إنت مخبي عليا إيه تاني؟”
قال:
“مش هنا.”
“لأ، هنا.”
“شروق…”
“أنا تعبت من كلمة شروق دي! كل ما أسألك على حاجة تقولي بعدين، لما الوقت مناسب، لما أبقى في أمان… وأنا طول الوقت كنت عايشة وسط ناس بيخططوا يأذوني وإنت عارف!”
سكت.
وبعدين قال:
“تعالي معايا.”
“فين؟”
“المستشفى.”
مسحت دموعي.
“عشان أشوف أبويا؟”
هز رأسه.
“لأ.”
سألته:
“أمال ليه؟”
بص للموبايل اللي في إيده.
“عشان الشخص الوحيد اللي ممكن يفسر لنا كل اللي حصل… موجود هناك.”
خرجنا من البيت.
المطر كان لسه بينزل، والشارع شبه فاضي.
ركبت العربية جنب ياسين، لكني ما كنتش قادرة أبص له.
بعد حوالي نص ساعة، وقف قدام مستشفى كبيرة.
دخلنا بسرعة.
ياسين كان بيتكلم مع موظفة الاستقبال، وأنا واقفة بعيد.
بعد دقيقة رجع.
“تعالي.”
مشينا في ممر طويل.
وقفنا قدام أوضة في آخر الدور.
قبل ما يفتح الباب، قال:
“الشخص اللي جوه ده طلب يقابلك من تلات أيام.”
قلبي دق بسرعة.
“مين؟”
فتح الباب.
وشفت ست كبيرة قاعدة على السرير.
أول ما شافتني، عينيها اتملت دموع.
قالت بصوت ضعيف:
“شروق…”
وقفت مكاني.
الصوت ده…
أنا أعرفه.
كان صوت الست اللي كنت فاكرة إنها ماتت من أكتر من عشرين سنة.
أمي.
شهقت.
“ماما؟”
الست حطت إيدها على بوقها وبدأت تعيط.
“سامحيني.”
رجعت خطوة.
“إنتِ عايشة؟”
ياسين قفل الباب وراه.
أمي بصت له.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى