
“إنت وعدتني إنك هتجيبها لما الوقت يبقى آمن.”
ياسين قال:
“الوقت ما بقاش آمن.”
قربت منها.
“قوليلي الحقيقة.”
بصت لي وهي بتعيط.
“أنا ما كنتش عايزة أسيبك.”
“أمال سبتيـني ليه؟”
سكتت.
“مين أبويا؟”
نزلت عينيها.
“أخو حمدي.”
اتنفست ببطء.
“وليه خبّيتي ده؟”
قالت:
“لأن حمدي كان عايز يقتلك.”
اتجمدت.
“أنا؟”
هزت رأسها.
“أبوكي اكتشف إن أخوه بيزوّر أوراق الشركة وبيسرق فلوس العيلة. كان ناوي يفضحه.”
“فحمدي قتله؟”
أمي ما ردتش.
لكن دموعها كانت الإجابة.
قلت:
“طب ليه أنا؟”
رفعت عينيها لي.
“لأن أبوكي قبل ما يموت سلّمني ورقة.”
مدت إيدها تحت المخدة.
طلعت ظرف قديم.
ناولته لي.
فتحت الظرف بإيد بتترعش.
جواه صورة قديمة.
أنا طفلة صغيرة.
واقفة بين رجلين.
واحد منهم أبويا.
والتاني…
حمدي.
قلبت الصورة.
كان مكتوب وراها:
“لو حصل لي حاجة، خلي شروق تعرف إن أخويا حمدي هو السبب.”
بصيت لأمي.
“إزاي الورقة دي فضلت معاك كل السنين دي؟”
قالت:
“لأني كنت خايفة.”
ياسين قرب.
“في حاجة تانية.”
أمي بصت له.
“قولها.”
بصيت لياسين.
“إيه؟”
قال:
“أبوكي ما ماتش بسبب حمدي بس.”
سكت.
“كان فيه حد تاني مشارك.”
“مين؟”
ياسين ما ردش.
أمي قالت بصوت مرتعش:
“نجوى.”
اتسعت عيني.
“حماتي؟”
هزت رأسها.
“نجوى كانت عارفة كل حاجة.”
حسيت إني مش قادرة أتنفس.
“طب ليه؟”
أمي مسكت إيدي.
“لأنها كانت خايفة على ابنها.”
بصيت لياسين.
“إنت كنت عارف إن أمك مشاركة؟”
سكت.
ودي كانت الإجابة.
رجعت لورا.
“يعني من يوم جوازنا…”
ياسين قال:
“كنت بحاول أجمع الأدلة.”
“وأنا كنت إيه؟”
سكت.
صرخت:
“أنا كنت طُعم؟”
“لأ.”
“أمال إيه؟”
قرب مني.
“كنت السبب الوحيد اللي خلاني أواجههم.”
بصيت له بغضب.
“بس إنت خبيت عليا.”
“كنت خايف لو عرفتي، تروحي لهم بنفسك.”
قبل ما أرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
وشه اتغير.
“مين؟”
رفع عيني لي.
“الشرطة.”
رد.
سمعنا صوت الضابط من الناحية التانية.
ياسين سكت فترة.
وبعدين قال:
“إيه؟”
وشه شحب.
“إمتى؟”
سكت.
ثم قفل المكالمة.
قلت:
“في إيه؟”
بص لي.
“حمدي هرب.”
اتجمدت.
“إزاي؟”
“العربية اللي كانت بتنقله اتعرضت لهجوم.”
أمي بدأت ترتعش.
“لا…”
بصيت لها.
“إنتِ خايفة من إيه؟”
قالت بصوت منخفض:
“هو مش هييجي هنا عشان ينتقم.”
سألتها:
“أمال؟”
بصت لي في عيني.
“هييجي عشان ياخدك.”
وفجأة…
النور قطع.
المستشفى كلها غرقت في الضلمة.
سمعنا صوت باب الأوضة بيتفتح.
ياسين وقف قدامي فورًا.
“ما تتحركيش.”
صوت خطوات بدأ يقرب في الممر.
خطوة…
واتنين…
وتلاتة…
وبعدين صوت راجل قال من بره:
“شروق…”
اتجمد الدم في عروقي.
لأن الصوت ده…
ما كانش صوت حمدي.
كان صوت راجل عمري ما شفته.
لكنه قال جملة واحدة خلت أمي تصرخ:
“ده أخو حمدي التاني!”
ثم انفتح الباب ببطء.
النهاية
الباب اتفتح ببطء.
ظهر راجل طويل، وشه مليان ندوب قديمة، وعينيه ثابتة عليّا.
أمي أول ما شافته صرخت:
“سامر!”
ياسين وقف قدامي.
“وراك!”
سامر ابتسم.
“لو كنت جاي أأذيها، كنت دخلت من غير ما أتكلم.”
بصيت لأمي.
“إنتِ تعرفيه؟”
هزت رأسها وهي بتعيط.
“سامر هو أخو حمدي الأصغر.”
سامر قال:
“وأنا الوحيد اللي حاول يمنعهم.”
سكت لحظة، وبعدين طلع فلاشة صغيرة من جيبه.
“أبوكي سلّمهالي قبل موته.”
ياسين أخدها.
“إيه اللي عليها؟”
سامر رد:
“الحقيقة كلها.”
في نفس اللحظة، رجع النور.
بعد ساعات قليلة، كنا في مكتب الشرطة.
الفلاشة كان عليها تسجيلات، تحويلات مالية، مستندات مزورة، وتسجيل صوتي لحمدي وهو بيتكلم مع نجوى عن خطة تلفيق التهمة لشروق.
لكن المفاجأة الأكبر كانت تسجيل قديم لأبويا.
ظهر على الشاشة وهو بيقول:
“لو التسجيل ده وصل لشروق، يبقى أنا مت.”
سكت لحظة.
“يا بنتي، أنا آسف إني سبتك. أمك ما كانتش عايزة تخبيكي عني، لكن حمدي هددها بيكي.”
بدأت دموعي تنزل.
“أنا أبوكي، واسمي الحقيقي عادل الدمنهوري.”
رفعت عيني لياسين.
الدمنهوري.
يعني أنا…
بنت من نفس العيلة اللي عاشت وسطها سنتين وأنا مش عارفة الحقيقة.
كمل التسجيل:
“أخوكِ حمدي طمع في نصيبك من الميراث، ولما عرف إني هكشف فساده، قرر يخلص مني. ولو حصل لي حاجة، هيروح لشروق.”
ثم ظهر مستند آخر.
وصية.
بموجبها، كان أبي قد ترك لي جزءًا كبيرًا من ممتلكاته، بشرط أن تبلغ سن الثلاثين.
فهمت فجأة.
أنا كنت على بعد شهور من استحقاق الميراث.
وعشان كده كانوا مستعجلين.
حمدي ما كانش عايز يخوفني بس.
كان عايز يخليني متهمة، ويستولي على كل حاجة قبل ما أعرف الحقيقة.
بعد أيام، تم القبض على حمدي ونجوى ومي.
مي اعترفت بكل حاجة.
أما حمدي، ففضل ساكت.
لكن الأدلة كانت أقوى منه.
وبعد شهور، صدر الحكم.
وانتهت العيلة اللي كانت بتتكلم طول عمرها عن السمعة والأخلاق، بعد ما ظهرت حقيقتها قدام الناس.
أما أنا…
فوقفت قدام قبر أبويا لأول مرة.
حطيت الورد.
وقلت:
“سامحتك.”
سكت لحظة.
“بس مش عشان اللي حصل.”
مسحت دموعي.
“عشان أخيرًا عرفت إنك حاولت ترجعلي.”
سمعت خطوات ورايا.
كان ياسين.
وقف بعيد.
ما قربش.
قال:
“أنا عارف إنك لسه مش قادرة تسامحيني.”
بصيت له.
“أنا مش زعلانة إنك كنت عارف.”
سكت.
“أنا زعلانة إنك ما وثقتش فيا.”
نزل عينيه.
“عندك حق.”
قرب خطوة.
“ولو الزمن رجع بيا، كنت هقولك كل حاجة من أول يوم.”
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم دموعي.
“الزمن مش بيرجع.”
“بس ممكن نبدأ من جديد.”
بصيت له فترة طويلة.
وبعدين قلت:
“من غير أسرار.”
هز رأسه.
“من غير أسرار.”
ومسك إيدي.
المرة دي أنا اللي سبت إيدي في إيده.
بعد سنة، اتقفلت القضية نهائيًا.
أمي بدأت تتعالج وتعيش معايا.
وسامر اختفى من حياتنا بعد ما شهد بالحقيقة.
أما ياسين…
فبدأنا حياتنا من جديد.
مش كزوجين عندهم بيت كبير وفلوس كتير.
لكن كاتنين عرفوا إن أغلى حاجة في الجواز مش الحب لوحده…
الثقة.
أما الكوباية اللي بدأت كل المصيبة…
فضلت محتفظة بيها.
حطيتها في صندوق صغير.
وكل ما أبص لها، أفتكر ليلة كان ممكن تنتهي بموتي.
وأفتكر إن أحيانًا…
الحاجة اللي بنفتكر إنها كارثة، بتكون هي نفسها النجاة.
وأحيانًا…
البيت اللي شكله أهدى بيت في الدنيا، بيكون مخبي وراه أخطر الأسرار.
لكن الحقيقة مهما اتدفنت…
لازم في يوم تطلع للنور.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



