
تابعت نادين:
«ياسين مش الهدف الوحيد.»
نظرت إلى فارس.
«مين الطفل التاني؟»
التسجيل أكمل:
«الطفل التاني هو آدم… ابن مريم.»
وقعت مني شهقة.
«مستحيل.»
جلست على الأرض.
«آدم مات قدامي.»
فارس اقترب.
لكنني أبعدته.
«ماتقربش مني.»
التسجيل استمر:
«مريم، لو إنتِ بتسمعي ده، لازم تعرفي إن ابنك اتسرق من المستشفى قبل ما يموت.»
وضعت يدي على فمي.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
«لا…»
«الدكتور قال لك إن قلبه فشل. لكن الحقيقة إن الطفل خرج من المستشفى حي.»
رفعت عيني.
«فين ابني؟»
جاءت الجملة الأخيرة كأنها ضربة:
«اسألي فارس المنصوري… لأنه كان آخر شخص دفع ثمن إبقاء آدم حيًا.»
نظرت إلى فارس.
لم ينكر.
قلت بصوت مكسور:
«إنت كنت تعرف؟»
قال:
«كنت أعرف جزءًا.»
«أي جزء؟»
«إن فيه طفل اتنقل من المستشفى في نفس الليلة.»
«وكان ابني؟»
صمت.
صرخت:
«كان ابني؟!»
«ما كنتش أعرف هويته.»
«لكن كنت تعرف إنه حي!»
أغمض عينيه.
«أيوه.»
صفعته.
توقف رجاله جميعًا.
لم يتحرك فارس.
قلت وأنا أبكي:
«أربع سنين وأنا بدفن ابني كل يوم في دماغي… أربع سنين وأنا فاكرة إني فشلت أحميه.»
اقترب خطوة.
«أنا غلطت.»
«غلطت؟!»
صرخت:
«إنت حرمتني من ابني أربع سنين!»
رن الهاتف مرة أخرى.
هذه المرة ظهرت رسالة واحدة:
“عايزة ابنك؟ تعالي للمكان اللي بدأ فيه كل شيء.”
وتحتها عنوان.
قرأت العنوان.
كان اسم مستشفى قديم في أطراف القاهرة، مغلق منذ أربع سنوات.
نظرت إلى فارس.
«أنا رايحة.»
قال فورًا:
«مش لوحدك.»
«إنت مش هتيجي.»
«مريم—»
«إنت آخر شخص في الدنيا من حقي أثق فيه.»
سكت.
ثم قال:
«بس لو كان آدم عايش فعلًا، أنا الوحيد اللي أقدر أرجعه.»
نظرت إليه طويلًا.
ثم قلت:
«لو ابني عايش… هرجعه.»
أمسك فارس سلاحه.
«يبقى نرجع طفلين الليلة.»
خرجنا من المستشفى.
لكن قبل ما نركب السيارة، وصل إشعار جديد على هاتف فارس.
فتح الرسالة.
تغير وجهه.
ناولني الهاتف.
كانت صورة حديثة.
طفل صغير، حوالي أربع سنوات، واقف أمام باب حديدي.
نفس الشعر الأسود.
نفس العينين.
وفي يده لعبة على شكل أسد.
أنا أعرف اللعبة.
أنا اللي اشتريتها له يوم كان عنده شهرين.
وتحت الصورة كُتب:
“ابنك لسه فاكر أمه يا مريم.”
انهرت وأنا أهمس:
«آدم…»
ثم وصلت رسالة ثانية:
“وعندك ساعة واحدة قبل ما يختفي للأبد.”
حكايات شروق خالد
النهاية
لم أفكر.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
ركبت السيارة بجوار فارس، وأنا أضم هاتفه إلى صدري، وصورة آدم أمام عيني.
طفلي كان حيًا.
بعد أربع سنوات من الحزن، كان حيًا.
وصلنا إلى المستشفى القديم قبل انتهاء الساعة بدقائق.
المكان كان مهجورًا، والنوافذ مكسورة، والممرات غارقة في الظلام.
فارس أشار لرجاله أن ينتشروا.
قلت له:
«لا. أنا هدخل الأول.»
«مستحيل.»
«لو كانوا عايزين يقتلوا آدم، كانوا عملوا ده من زمان. هما عايزينني أنا.»
نظر لي للحظات.
ثم قال:
«أنا داخل وراكي.»
دخلنا.
وفي نهاية الممر، سمعنا صوت طفل.
«ماما؟»
توقفت.
كل شيء حولي اختفى.
لم أعد أسمع فارس، ولا رجاله، ولا حتى صوت خطواتي.
جريت ناحية الصوت.
فتح فارس باب الغرفة.
وهناك…
كان واقفًا طفل صغير.
شعره أسود.
عيناه بنيتان.
وفي يده نفس الأسد البلاستيكي الذي اشتريته له قبل أربع سنوات.
لم أستطع التنفس.
قلت:
«آدم؟»
نظر إليّ.
تردد لحظة.
ثم ركض نحوي.
«ماما!»
وقعت على ركبتي وضممته إلى صدري.
بكيت.
بكيت كأنني أستعيد أربع سنوات كاملة في لحظة واحدة.
«أنا هنا يا حبيبي… أنا هنا.»
كان يضم رقبتي ويقول:
«كنت عارف إنك هتيجي.»
خلفنا، سمعنا تصفيقًا بطيئًا.
ظهرت امرأة من الظلام.
نادين.
كانت حية.
لكنها كانت مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمها فارس في رأسه.
فارس رفع سلاحه.
«ابعدي عنهم.»
نادين ابتسمت.
«لو كنت عايز تقتلني، كنت عملت ده من زمان.»
قال:
«إنتِ حاولتي تقتلي ابني.»
«أنا أنقذته.»
«سممتِ ياسين.»
«جرعة صغيرة كانت هتخليهم يفتكروا إن الطفل مريض ويموت طبيعيًا، لكن خطتك فشلت بسبب مريم.»
ثم نظرت إليّ.
«أنا كنت محتاجة مريم تعرف الحقيقة.»
قلت:
«إنتِ اللي خطفتي آدم؟»
هزت رأسها.
«أنا اللي أنقذته.»
ثم أشارت إلى فارس.
«لكن هو اللي دفع ثمن علاجه.»
نظرت إلى فارس.
قال بهدوء:
«كنت أعرف إن الطفل اتنقل من المستشفى. ما كنتش أعرف إنه ابنك.»
«ولما عرفت؟»
«كنت بحاول أوصل له.»
نادين قاطعته:
«وأنا كنت بحميه من الناس اللي كانوا عايزين يستخدموه ضدك.»
فارس قال:
«مين؟»
ضحكت.
«الناس اللي كانوا قريبين منك طول الوقت.»
ثم أخرجت هاتفًا وأظهرت تسجيلات.
رجب.
مدير المستشفى.
طبيب.
واثنان من رجال فارس.
كلهم كانوا يتحدثون عن صفقة سرية، وعن قتل ياسين بعد ولادته، وعن استخدام آدم كورقة ضغط على فارس.
فارس ظل صامتًا.
ثم قال:
«ليه ما قولتيليش؟»
نادين نظرت إليه بحزن.
«لأنني عرفت إنك لا تثق بأحد.»
ثم نظرت إليّ.
«لكن مريم كانت مختلفة.»
اقتربت منها.
«إزاي عرفتي إني هقدر أنقذ ياسين؟»
ابتسمت.
«لأنك كنتِ أمًا قبل ما تكوني نادلة.»
لم أعرف ماذا أقول.
بعدها وصلت الشرطة، بعدما كانت الأدلة قد أرسلت إليهم مسبقًا.
تم القبض على المتورطين.
رجب اعترف بكل شيء.
والطبيب كشف أن شهادة وفاة آدم كانت مزورة.
أما نادين، فاختفت بعد أن سلمت الأدلة، وتركت وراءها رسالة لفارس.
لم نعرف أين ذهبت.
لكنني لم أعد أهتم.
لأنني كنت أملك شيئًا أهم.
ابني.
بعد عدة أشهر، تغيرت حياتي بالكامل.
آدم عاد إلى بيتي.
احتاج وقتًا ليتعود عليّ، واحتجت وقتًا لأصدق أنني لن أستيقظ وأجده حلمًا.
أما ياسين، فأصبح يتلقى العلاج بانتظام.
وفارس…
لم يعد الرجل الذي قابلته في مطعم «لافيتا».
في إحدى الليالي، كنت أجلس أمام المنزل بينما كان آدم وياسين يلعبان في الحديقة.
جلس فارس بجانبي.
قال:
«فاكرة أول مرة شفتك؟»
ابتسمت.
«لما كنت فاكر إن المغص شخص؟»
ضحك لأول مرة من قلبه.
«ما تضحكيش.»
«دي كانت أغبى حاجة قلتها في حياتك.»
«أنا كنت مرعوب.»
نظرت إليه.
«وأنا كنت مرعوبة منك.»
«ودلوقتي؟»
نظرت إلى الطفلين.
ثم إليه.
«دلوقتي عرفت إن أخطر رجل في المدينة كان مجرد أب خايف يخسر ابنه.»
ظل صامتًا.
ثم قال:
«وأنا عرفت إن الست اللي دخلت مطعمي وهي بتزعق فيا… أنقذت ابني وابني التاني.»
ابتسمت.
«ابنك التاني؟»
نظر إلى آدم.
«أيوه.»
ثم أمسك يدي.
«لو كنتِ موافقة، أنا عايز أبقى جزء من عيلتكم.»
نظرت إليه طويلًا.
لم أجب بالكلمات.
اكتفيت بأن تركت يدي داخل يده.
في الحديقة، ركض آدم نحو ياسين وهما يضحكان.
رفعت عيني للسماء.
قبل أربع سنوات، كنت أعتقد أنني فقدت ابني إلى الأبد.
لكن تلك الليلة في المطعم، عندما حملت طفلًا غريبًا بين ذراعي، لم أكن أعرف أنني كنت على وشك إنقاذ ابن الرجل الذي سيقودني إلى ابني.
ومن يومها فهمت شيئًا واحدًا:
أحيانًا، أكثر اللحظات ألمًا في حياتنا لا تكون نهاية القصة…
بل الطريق الذي يقودنا إلى المعجزة التي كنا نظن أنها ماتت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




