
فتاة صغيرة عمرها ست سنين قربت مني في سوبر ماركت في القاهرة، وهي شايلة أخوها الرضيع على كتفها، وبتزق أخوه التوأم في عربية أطفال متهالكة. مدت إيدها لي وفيها 4 جنيه و63 قرش وقالت: «يا أستاذ، ممكن تشتري لهم اللبن؟ أنا هسدد لك لما أكبر.» ما كانتش تعرف إنها بتكلم أخطر رجل أعمال ورجل عصابات في القاهرة، وأنا ما كنتش أعرف إن الأطفال التلاتة دول هيبقوا بعد سنين السلاح المثالي ضد عدو كنت فاكر إنه مات من تمان سنين.
«يا أستاذ؟»
بصيت لتحت.
البنت كانت ماسكة شوية عملات في قبضة إيدها.
رضيع نايم على كتفها، والتاني ملفوف في بطانية جوه العربية.
كان واقف ورايا اتنين من رجالي، نفس الراجلين اللي وجودهم كان كفيل يخلي نص الممر يفضى.
لكن البنت ما اهتمتش بيهم أصلًا.
قالت:
«ممكن تشتري لبن لإخواتي؟»
سألتها:
«اسمك إيه؟»
«سلمى عبد الرحمن.»
كانت ست سنين.
وأخوها التوأم، ياسين وآدم، كان عندهم أربع شهور.
«ومامتك فين؟»
«في البيت… تعبانة.»
شدّيت فكي.
«إنتِ جيتي هنا لوحدك؟»
هزت راسها.
«اللبن خلص الصبح.»
أنا شفت رجالة كبار بيتقلب لون وشهم وهم بيقدموا لي ملايين عشان أنقذهم.
لكن البنت دي كانت كل مشكلتها إنها خايفة تدين لي بـ4 جنيه و63 قرش.
مليت عربية كاملة باللبن، والحفاضات، والأكل، والأدوية.
سلمى مسكت في كمي بسرعة.
«ده كتير أوي.»
«ليه؟»
«ماما قالت ما ناخدش حاجة من حد طيب عشان ما نستغلش طيبته.»
واحد من رجالي لف وشه عشان يخبي ابتسامته.
محدش كان بينادي آسر المنصوري «طيب» من سنين.
عرضت عليهم أوصلهم.
سلمى هزت راسها فورًا.
«ماما قالت ما نركبش عربية مع حد غريب.»
ابتسمت لأول مرة.
البنت ذكية.
سبت عربيتي المصفحة في الجراج، ومشيت معاهم لحد البيت.
هناك لقيت أمهم، مريم عبد الرحمن، وشها شاحب وجسمها ضعيف.
لما عرضت عليها أدفع إيجار البيت، نظرتها اتغيرت.
قالت بحدة:
«ولادي مش حاجة يشتريها راجل غني.»
الناس نادرًا ما كانت بتقول لي «لأ».
لكن الغريب إني حبيتها من اللحظة دي.
سيبت لها رقم موبايلي ومشيت.
بعد أربع أيام، جارهم العجوز اتصل بيا.
«يا أستاذ آسر… مريم وقعت. سلمى لوحدها مع التوأم.»
وصلت قبل الإسعاف.
لقيت سلمى قاعدة جنب أمها المغمى عليها، والتوأم الاتنين بيصرخوا.
البنت الشجاعة اللي قابلتها في السوبر ماركت اختفت.
فضلت طفلة عندها ست سنين بس.
رفعت عينيها لي، وصوتها اتكسر:
«يا أستاذ آسر…»
قربت منها.
قالت وهي بتحاول تمنع دموعها:
«لو ماما ما قامتش… مين هيخلينا مع بعض؟»
نزلت على ركبتي قدامها.
وقلت:
«أنا.»
مرت شهور.
وبعدها وصل ظرف مجهول لمصلحة حماية الطفل.
جواه صور لسلمى وهي داخلة بيتنا المحمي.
صورة ليا وأنا شايل آدم.
وصورة لرجالي وهم بيحموا ياسين.
وصور ومعلومات كفاية عن ماضيي تخلي أي موظف يسأل نفسه:
ليه الأطفال دول عايشين قريب من رجل زي آسر المنصوري؟
لكن الصورة الأخيرة هي اللي خلت الدم يتجمد في عروقي.
كانت مريم واقفة جنب رجل أنا أعرفه كويس.
رجل حضرت جنازته بنفسي من تمان سنين.
رجل شفت بعيني وهو بيتدفن.
كان المفروض إنه مات.
قلبت الصورة.
ولقيت خمس كلمات مكتوبة على ضهرها:
«هي ما وصلتش لك صدفة أبدًا.»
في اللحظة دي فهمت الحقيقة.
سلمى ما قابلتنيش صدفة في السوبر ماركت.
حد حطها في طريقي.
وحد كان عارف بالضبط إيه اللي هيحصل أول ما أتعلق بالأطفال التلاتة.
لأن الخطة ما كانتش إنقاذهم.
الخطة كانت استخدامهم عشان يوصلوا لي.
والأسوأ من كده…
إن الرجل اللي كنت فاكره مات من تمان سنين، كان لسه عايش.
وكان مستني اللحظة اللي أخلي فيها الأطفال دول أهم نقطة ضعف عندي.
حكايات شروق خالد
بعد الليلة دي، أخدت سلمى وإخواتها يعيشوا في بيتي.
مش لأن مريم وافقت بسهولة.
بالعكس.
لما فاقت في المستشفى وعرفت إني جبت أولادها عندي، حاولت تقوم من السرير وهي لسه ضعيفة.
«رجّعهم لي يا آسر.»
وقفت قدامها بهدوء.
«أول ما الدكتور يقول إنك تقدري تهتمي بيهم، هرجعهم.»
«أنا أمهم.»
«وأنا عارف.»
«يبقى ما تحرمنيش منهم.»
بصيت لها ثواني قبل ما أقول:
«أنا مش بحرمك منهم. أنا بحاول أحميهم.»
دموعها نزلت من غير ما تحس.
«مين قال لك إنهم محتاجين حمايتك؟»
ما جاوبتش.
لأني وقتها كنت بدأت أشك إن الموضوع أكبر من مرضها وفقرها.
كان فيه حد بيراقبهم.
وحد كان عايزني أنا تحديدًا أدخل حياتهم.
وبعد يومين، حصل أول دليل.
كنت واقف في مكتبي بالليل، لما دخل حسن، أقدم رجالي، وقفل الباب وراه.
«آسر بيه.»
«قول.»
حط ظرف أسود على المكتب.
«ده اتساب قدام البوابة.»
فتحته.
جواه صورة لسلمى وهي خارجة من المدرسة.
وتحت الصورة مكتوب:
«واحد من التلاتة هيكون سبب نهايتك.»
رفعت عيني لحسن.
«مين شاف اللي حطه؟»
«محدش.»
«الكاميرات؟»
«اتمسحت آخر سبع دقايق.»
سكت.
حسن قال:
«دي مش رسالة عشوائية.»
«عارف.»
«مين يقدر يعمل كده؟»
بصيت للصورة مرة تانية.
وفجأة سمعت صوت خبط خفيف على الباب.
دخلت سلمى.
كانت حاضنة آدم، وفي إيدها بطانية صغيرة.
«ممكن أنام هنا الليلة؟»
بصيت لها باستغراب.
«ليه؟»
«سمعت حد بيزعق تحت.»
حسن بص لي.
أنا فهمت فورًا.
لو الخطر وصل لحد إنها تسمع أصوات غريبة، يبقى الموضوع خرج عن السيطرة.
قربت منها.
«خدي آدم ونامي في أوضتي.»
عينيها اتفتحت.
«وأنت؟»
«هفضل برا.»
«خايف؟»
ابتسمت رغم توتري.
«أنا؟»
هزت كتفها.
«ماما قالت إن اللي مش بيخاف بيكون غبي.»
ضحك حسن لأول مرة.
أما أنا، فضلت باصص للبنت الصغيرة.
مريم كانت بتربيها على الشجاعة.
لكنها ما كانتش تعرف إن الشجاعة لوحدها مش هتكفي.
لأن بعد أقل من ساعة، انقطعت الكهرباء عن البيت كله.
صرخ أحد الحراس من الدور الأرضي:
«حد دخل من البوابة الخلفية!»
سحبت سلاحي وطلعت أجري.
أصوات خطوات كانت بتتحرك في الممر.
ثم طلقة واحدة دوّت في البيت.
سمعت سلمى تصرخ من فوق.
«آسر!»
طلعت السلم بسرعة.
لقيتها واقفة قدام أوضتي، وهي حاضنة التوأم.
قدامها رجل لابس أسود.
رفع سلاحه ناحيتها.
ما فكرتش.
اندفعت عليه.
ضربته في إيده، ووقع السلاح.
اشتغل الاشتباك بينا ثواني، لكنه قدر يهرب من الشباك قبل ما رجالي يوصلوا.
جريت وراه.
لكن قبل ما أخرج، لمحته يلتفت.
وشه ظهر في ضوء القمر.
وقتها اتجمدت مكاني.
أنا أعرف الوش ده.
مش من الصور.
مش من الماضي.
من الليلة اللي مات فيها.
همست:
«مستحيل…»
اختفى الرجل في الظلام.
رجعت للمكتب، وفتحت الخزنة القديمة.
طلعت ملف عمره تمان سنين.
كان عليه اسم واحد:
فارس الشناوي.
عدوي الأول.
الرجل اللي اتهمته بخيانة عائلتي.
والرجل اللي شهدت جنازته بنفسي.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد دقائق كانت أسوأ.
تقرير الوفاة كان مزورًا.
وشهادة الدفن كانت باسم شخص آخر.
والصور اللي عندي من الحادثة…
كلها كانت مصطنعة.
رفعت رأسي ببطء.
حسن كان واقف قدامي.
قلت:
«فارس ما ماتش.»
سكت حسن.
«وهو اللي حط مريم وسلـمى في طريقي.»
رد حسن:
«ليه؟»
بصيت ناحية السلم.
ناحية الأطفال.
وقتها افتكرت الجملة اللي كانت مكتوبة على الصورة:
هي ما وصلتش لك صدفة أبدًا.
لكن فيه حاجة ما كانتش منطقية.
لو فارس عايز يقتلني، كان عنده فرص كتير.
ليه استنى كل السنين دي؟
وليه استخدم أطفال؟
وفي اللحظة دي، رن موبايلي.
رقم مجهول.



