
قصيت شعر راجل غلبان ومش لاقي مأوى، بعد ما كل اللي في الصالون رفضوا يساعدوه. ولما خلصت، بصلي والدموع مالية عينيه، وهمسلي وقال: «أنا جايبلك حاجة مخصوص.»
كانت ورديتي قربت تخلص، لما راجل كبير في السن دخل الصالون.
هدومه كانت قديمة ومبهدلة، ونعل جزمة من جزماته كان بدأ يتقطع.
لكن رغم كل ده، كان في ملامح وشه طيبة غريبة، فكرتني بجدي الله يرحمه.
قرب من مكتب الاستقبال بخطوات مترددة، وقال بصوت هادي:
«أنا عندي مقابلة شغل بكرة الصبح، ومعايا دولار واحد بس النهارده. ينفع أدفع الباقي الأسبوع الجاي؟»
موظفة الاستقبال بصت لجزمتُه من تحت لفوق، وردت ببرود:
«الحلاقة بخمسين دولار يا حاج. أنا آسفة، بس لازم ترجع لما يكون معاك تمنها.»
واحدة من الكوافيرات اللي كانت قاعدة قريبة منه، زقت كرسيها بعيد عنه بهدوء، كأنها مش عايزة تقرب منه.
الراجل لاحظ الحركة دي.
ومع ذلك، ما اشتكاش ولا اعترض.
حاول مرة أخيرة وقال برجاء:
«طب أنا ممكن أكنس الأرض، أو أنضف المرايات، أو أعمل أي حاجة تحتاجوها. أنا بقالي مدة طويلة قوي ما جتليش فرصة أعمل فيها مقابلة شغل.»
في اللحظة دي، مديرة الصالون خرجت من الأوضة اللي ورا، وبصتله بضيق وقالت:
«إنت بتعطلنا عن الزباين اللي بيدفعوا فلوسهم بجد!»
مع إن الصالون كان شبه فاضي، ومفيش تقريبًا أي زباين قاعدين.
الراجل وطّى راسه بحزن وقال:
«حاضر يا فندم، أنا فاهم.»
مد إيده وخد الدولار الوحيد اللي كان حاطه على الترابيزة، وطبقه بعناية وحطه في جيبه، وبعدها لف علشان يمشي ناحية الباب.
وفجأة، كم القميص بتاعه اتزحلق لورا.
اتجمدت مكاني!
كان فيه وشم باهت لعصفور أزرق مرسوم على معصم إيده من جوه.
نفس الوشم بالظبط اللي كان عند أمي!
نفس المعصم.
نفس الحجم.
ونفس العصفور الصغير.
وأنا طفلة، كنت دايمًا أسأل أمي عن معنى الوشم ده.
وكل مرة كانت بتشد كمها علشان تغطيه، وتبتسملي وتقول:
«دي حكاية هحكيهالك لما تكبري شوية.»
لكن أمي فارقت الحياة قبل ما ييجي اليوم اللي تحكيلي فيه الحكاية دي.
«استنى!» ناديت عليه فجأة.
كل اللي في الصالون لفوا وبصوا لي.
بصيت للراجل وقلت:
«الكرسي بتاعي فاضي.»
مديرة الصالون بصتلي باستغراب شديد وقالت:
«هو مش معاه فلوس!»
رديت عليها بهدوء:
«أنا عارفة.»
قالت بعصبية:
«أمال إنتِ هتدفعي تمن الحلاقة من مرتبك!»
بصيتلها وقلت من غير تردد:
«ماشي.»
الراجل بدأ يمشي ناحيتي ببطء، ولما وصل عند الكرسي، فضل باصصله شوية قبل ما يقعد.
وقال بإحراج:
«أنا خايف أوسخهولك.»
ابتسمتله وقلت:
«ولا يهمك، الكرسي بيتنضف عادي.»
حاول يعترض تاني وقال:
«إنتِ مش مضطرة تعملي كل ده عشاني.»
بصيتله بحنية وقلت:
«أرجوك يا حاج، اتفضل اقعد.»
قعد على الكرسي بحذر، وأنا حطيت فوطة الحلاقة حوالين رقبته، وبدأت أقص شعره.
وطول الوقت، كان بيراقبني من خلال المراية.
مش بنظرات تخوف أو تضايق.
لأ، كان بيبصلي كأنه بيحاول يحفظ ملامح وشي، وكأنه خايف ينساني.
أكتر من مرة، لاحظت إن عينيه بتتملي بالدموع، لكنه كان بيحاول يداريها.
كنت نفسي أسأله عن الوشم اللي على إيده، وأعرف إيه علاقته بأمي.
لكن في كل مرة كنت بتراجع.
يمكن تكون مجرد صدفة.
يمكن الوشم ده مالوش أي علاقة بأمي أصلًا.
فقررت أكمل شغلي من غير ما أسأله عن حاجة.
ظبطت الجوانب، وقصيت الشعر اللي من ورا، واهتميت بكل تفصيلة صغيرة، لحد ما شكله اتغير تمامًا عن الراجل اللي دخل الصالون من شوية.
ولما خلصت، شلت الفوطة من على كتافه.
الراجل فضل باصص لنفسه في المراية.
وفجأة، كتافه بدأت تترعش.
كان بيعيط!
حطيت المقص من إيدي بسرعة، وقربت منه بقلق وسألته:
«حضرتك كويس؟ في إيه؟»
فضل ساكت لثواني، مش قادر يرد من كتر العياط.
وبعدين رفع عينيه وبصلي مباشرة، وقال بصوت مكسور:
«أمك خلتني أوعدها إني عمري ما هحاول أتواصل معاكي.»
حسيت إن إيدي تلجت، وإن قلبي وقف مكانه.
بصيتله بصدمة وسألته:
«إيه؟! إنت بتقول إيه؟»
بلع ريقه بصعوبة، ومسح دموعه بإيده المرتعشة، وقال:
«بس أنا خلاص، حاسس إن وقتي قرب يخلص.»
فضلت باصة له، مش قادرة أستوعب كلمة واحدة من اللي بيقوله.
وبعدين سألته بصوت مهزوز:
«إنت مين؟! وإيه علاقتك بأمي؟»
مد إيده ببطء جوه بالطوه القديم اللي كان لابسه.
صوابعه كانت بتترعش بشكل واضح.
وقال وهو بيبصلي والدموع بتنزل على خده:
«أنا بقالي سنين طويلة بحاول أوصلك.»
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت مليان وجع:
«وفي فترة من الفترات، كنت فاكر إني عمري ما هقدر ألاقيكي.»
بعدها طلع جواب قديم من جيبه، وكان لونه مصفر من الزمن.
ومده ناحيتي وهو بيقول:
«الجواب ده من حقك إنتِ.»
بصيت للجواب، وبمجرد ما عيني وقعت على الكتابة اللي على الظرف، حسيت إن نفسي اتسحب مني.
إيدي بدأت تترعش، ومقدرتش أطلع صوت.
لأن الخط اللي كان مكتوب بيه اسمي على الظرف، كنت أعرفه كويس جدًا.
ده كان خط أمي!
الخط اللي شوفته آلاف المرات في جوابتها القديمة، وفي الورق اللي كانت بتسيبهولي، وفي كل كلمة كانت بتكتبهالي بإيديها.
وفجأة، كل حاجة اتغيرت.
الوشم الأزرق الباهت اللي على معصم الراجل، واللي كنت فاكرة إنه مجرد صدفة، بقى وراه سر كبير.
سر أمي أخدته معاها قبرها، وسابتني سنين طويلة من غير ما أعرف حقيقته.
والراجل اللي دخل الصالون من شوية، وهو مش معاه غير دولار واحد، كان شايل في إيده جواب ممكن يغير حياتي كلها!
يا ترى مين الراجل ده؟ وإيه السر اللي أمي خبته عني طول السنين دي؟ وليه خلت الراجل ده يوعدها إنه عمره ما هيتواصل معايا؟
والأخطر من كل ده…
إيه اللي مكتوب في جواب أمي، واللي ممكن يقلب حياتي رأسًا على عقب؟
فضلت واقفة مكاني، والجواب في إيدي، مش قادرة أفتحه ولا حتى أرفع عيني من عليه.
كنت حاسة إن قلبي هيخرج من صدري، وإن السنين اللي فاتت كلها رجعت قدامي في لحظة واحدة.
أمي سعاد فارقت الحياة من سبع سنين، وأنا لحد النهارده كنت فاكرة إني عارفة عنها كل حاجة، وإنها ست بسيطة عاشت ورحلت وهي بتحاول توفرلي حياة كريمة على قد ما تقدر.
لكن الراجل اللي قاعد قدامي ده كان بيقول كلام مستحيل أصدقه.
بصيتله وقلت بصوت مرتعش:
«إنت تعرف أمي منين؟ وإيه حكاية الوشم اللي على إيدك ده؟ أرجوك، أنا مش ناقصة ألغاز. اتكلم وقولي الحقيقة!»
الراجل مسح دموعه، وحاول يتكلم، لكن صوته كان بيخرج بالعافية.
«اسمي محمود يا بنتي… محمود عبد الرحيم.»
سكت لحظة، وبعدين كمل:
«وأنا كنت أقرب إنسان لأمك في الدنيا.»
حسيت بصدمة خلتني أرجع خطوة لورا.
«أقرب إنسان ليها؟! إزاي يعني؟ إنت كنت قريبنا؟ صاحبها؟ ولا إيه بالظبط؟»
هز راسه بحزن وقال:
«أنا كنت جوزها يا مريم.»
الجواب وقع من إيدي على الأرض.
بصيتله وأنا مش مستوعبة اللي سمعته.
«جوزها؟! إنت بتقول إيه؟ أمي كانت متجوزة أبويا، وأنا أعرف أبويا كويس!»
محمود نزل عينه للأرض، وقال بصوت كله وجع:
«عارف يا بنتي، وعارف إن الكلام ده صعب عليكي. بس أبوكي اللي إنتِ تعرفيه مش أبوكي الحقيقي.»
حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
مسكت طرف الترابيزة علشان أسند نفسي، وقلت بعصبية:
«إنت كداب! أمي عمرها ما قالتلي الكلام ده! إنت داخل هنا علشان تستغلني، صح؟ شوفتني شغالة في صالون، وافتكرت إنك تقدر تضحك عليا!»
محمود ما ردش.
كل اللي عمله إنه انحنى بصعوبة، ولقط الجواب من الأرض، ونفض عنه التراب، وبعدها حطه قدامي على الترابيزة.
وقال بهدوء:



