طلعت، وحمزة سحب نفسه بوجع وهو بيتكئ على الكرسي، بينما أدهم كان واقف وعيونه متبثّتة على سارة وهي بتلم الشاش والقطن الملطخ بالدم بهدوء كأنها قاعدة في بيتها مش في نص عش مافيا.
* “تقدري تسيبي الشغل ده وتطلعي ترتاحي في أوضتك يا سارة،” قالها أدهم بصوت هادي غير معتاد منه خالص.
* “ورايا شغل لسه ما خلصش في المطبخ والصالة،” ردت من غير ما تبص له حتى وهي شايلة الصينية. “لما أخلص ابقى ارتاح براحتي.”
يوسف ولع سيجارته وهو باصص لظهرها وهي خارجة من الأوضة، وقال بصوت واطي لأخوه: “البت دي مجنونة يا أدهم.. دي نزلت من القطر الخطأ ووقفت في نص السكة الحديد من غير ما ترمش.”
* “دي مش مجنونة.. دي خطر علينا كلنا،” قالها أدهم وعيونه بتلمع بنظرة غريبة فيها إعجاب خفي بصلابتها اللي كسرت هيبة البيت كله.
تاني يوم الصبح، كانت سارة واقفة في المطبخ بتجهز الفطار كالعادة، وفجأة باب المطبخ اتفتح ودخل أدهم لوحده. وقف قدام الباب وحط إيديه في جيب بنطلونه وبص لها بعينين بتفحص كل حركة بتعملها.
* “فلوس المستشفى بتاعت أختك هتوصلها النهاردة بالليل كاملة،” قالها أدهم بصوت قطع هدوء المطبخ.
سارة وقفت في مكانها والمعلقة وقعت من إيدها في الطبق. لفت وشها وبصت له بعينين مليانة كبرياء وتحدي:
* “أنا مش شحاتة يا سيد أدهم.. أنا جيت هنا أشتغل بأجري وأخد فلوسي بتعبي، مش مِنّة من حد، حتى لو كنت أنت زعيم البلد بحالها!”
أدهم قرب منها بخطوات بطيئة وثابتة لحد ما بقى قريب منها لدرجة خليتها تحس بحرارة أنفاسه. ووطى صوته وبقى قريب من ودنها:
* “دي مش منة ولا إحسان يا سارة.. دي مقدمة لحماية اللي تخصك.. وأختك من الليلة دي بقت في حمايتنا، ومفيش مخلوق يقدر يقرب لها.”
قبل ما سارة ترد بكلمة، دخل يوسف عليهم وهو بيجري ووشه مخطوف:
* “أدهم! الحرس برة بيقولوا إن رجال “المعلم مهران” هجموا على المخازن الرئيسية بتاعتنا في الإسكندرية.. والشحنة كلها ولعت!”
أدهم بص لسارة نظرة أخيرة مليانة كلام كتير ما اتنطقش، وعيونه اتغيرت وبقت سودا ومرعبة، وقال بحزم وهو بيعدل جاكيته:
* “جهّزوا الرجالة.. الليلة دي هنزل بنفسي أجيب رأس مهران وأعلقها على بوابة القصر.”
المخزن اتحول لساحة حرب مصغرة؛ صوت طلقات النار والشتائم وكسر الخشب كان مالي المكان. حمزة، رغم جرح جنبه اللي لسه متخيطش صح، كان بيقاتل بشراسة كأنه وحش فك قيوده، ويوسف كان بيغطي ضهره ببرود تام ومسدسه ما بيغلطش أبداً.
أدهم ما شالزش عينه عن مهران اللي حاول يتسحب ويسيب رجاله تدافع عنه ويجري على باب خلفي. مشي خطوة بخطوة لحد ما قفش مهران من ياقة جاكيته وزقه بقوة خبطته في الحائط الخرساني لحد ما الهوا قطع من صدره.
* “رايح فين يا مهران؟” قال أدهم بصوت هادي ومرعب أكتر من الصراخ. “لسه الحساب ما خلصش، ودم الشحنة لسه ما اتدفعش ثمنه.”
مهران كان بيكح ومرعوب لدرجة إن رجليه مبقوش شايليته، ورفع إيديه الاتنين باستسلام:
* “أ.. أدهم بيه.. ارحمني.. كل حاجة تملكها هرجعها لك، والفلوس اللي خسرتها هاضاعفها تلات أضعاف.. بس سيبني عايش!”
أدهم بص له بقرف شديد، ووجه مسدسه لجبهته مباشرة:
* “فلوسك دي تبلها وتشرب ميتها.. وحياتك انتهت من اللحظة اللي فكرت فيها تخون وتلعب معايا.. بس الأهم، إنك بعت رجالك تقرب من حاجة تخصنا.”
* “حاجة إيه؟!” قال مهران وهو بيموت من الرعب. “أنا ما قربتش غير لشحنة الحديد والموانئ!”
أدهم ضغط على زناد المسدس شوية، وصوته نزل واطي كأنه سم:
* “بس فكرت تقرب من اللي في القصر.. وفكرت تتطاول.”
قبل ما مهران يلحق يستوعب الكلمة، كانت رصاصة أدهم نهت حكايته للأبد.
خلصت المعركة في دقايق معدودة، ورجالة الهواري سيطروا على المكان بالكامل. ركب أدهم العربية مع إخواته، وعيونه باصة للشارع المظلم، بس جوه قلبه كان فيه إحساس غريب بيشده للقصر.. لسارة اللي بقت من دخلوتها القصر قادرة تهز قلوب تلاتة من أخطر رجالة البلد من غير ما تلمس سلاح.
لما رجعوا القصر على فجر اليوم التاني، كان النور منور في المطبخ. أدهم فتح الباب بهدوء، ولقى سارة قاعدة على كرسي وبتشرب شاي، وشكلها كانت سهرانة قلقانة، مستنية تشوف النتيجة.
أول ما شافته داخل بهدوم السفر وآثار السفر على وشّه، وقفت بسرعة، وعينها جت في عينه.
* “رجعتوا؟” قالت بصوت دافي بس محتفظ بشوية كبرياء.
* “رجعنا يا سارة،” قال أدهم وهو بيقرب منها خطوة بخطوة لحد ما وقف قدامها مباشرة. “ومهران مبقاش موجود على وش الدنيا أصلاً.”
سارة بلعت ريقها وبصت له بذهول: “والمشكلة خلصت؟”
أدهم مد إيده ومسك طرف طرحتها بحركة رقيقة جداً تتنافى تماماً مع قسوته وكونه زعيم مافيا مرعب، وقال بصوت هامس:
* “كله خلص واتأمن.. بس الأهم عندي، إنك إنتي وأختك في أمان تام من اللحظة دي.. وإلى الأبد، ومحدش في الدنيا كلها هيقدر يلمسكم بسوء مادام أنا عايش.”
#حكايات_شروق_خالدسارة رجعت خطوة لورا بكسوف، وقلبها كان بيدق بجنون جوة ضلعها، بس حافظت على كبرياءها وثباتها اللي بيجننوا أي حد يقف قدامها.
* “أنا مش محتاجة حماية من حد يا سيد أدهم.. أنا كل اللي كنت محتاجاه حقي وتعب أختي، وده جه.” قالتها وهي بتبعد عينيها عن نظراته اللي كانت بتحرق الهوا.
أدهم ابتسم ابتسامة خفيفة وصغيرة، أول مرة تظهر على وشّه بوضوح، وقال بصوت هامس:
* “الحق يا سارة مش بس فلوس.. الحق إنك بقيتي جزء من المكان ده.. وجزء منا كلنا.”
في اللحظة دي، باب المطبخ اتفتح ودخل حمزة وهو ساند جناحه المجروح بإيده التانية، وبيهزر كعادته رغم الوجع:
* “إيه يا جماعة الخير.. هو الحب ولع في المطبخ ولا إيه؟ أحنا لسه جايين من معركة وميتين من التعب، وعايزين كوباية شاي مظبوطة من إيدين سارة الهانم!”
سارة ضحكت غصب عنها على طريقته، وهزت راسها وهي بتقول:
* “انت ما بتوبش أبداً يا حمزة؟ روح ارتاح عشان جرحك ما يفتحش تاني وتتعبنا معاك.”
يوسف دخل وراهم وهو ماسك تليفونه، وبص لأدهم بابتسامة رضا وقال:
* “بالنسبة لياسمين أختها.. الفلوس وصلت للمستشفى كاملة، والدكتور كلمني بنفسه وقال إن جلسة الكلى هتعتم بكره في أحسن مستشفى تخصصي في مصر، وكل الرعاية متوفرة ليها.”
أول ما سمعت سارة الكلام ده، عينيها دمعت من الفرحة، ولأول مرة تبان قدامهم بضعف بشري جميل.. بصت لأدهم وإخواته وقالت بصوت مكسور من كتر التأثر والفرحة:
* “مش عارفة أقولكم إيه.. شكراً.. بجد شكراً ليكوا كلكم.”
أدهم قرب منها خطوة كمان، ونظرة عيونه كانت مليانة دفء وحنان ما ظهرش لأي مخلوق غير ليها، وقال بصوت حاسم وخارج من جوة قلبه:
* “ما تقوليش شكراً يا سارة.. إحنا اللي بنشكرك لأنك دخلتي القصر ده.. ونورتي عتمته اللي كانت قعدت سنين.”
ومن اليوم ده، الثلاثة قاطعوا فكرة إن سارة مجرد خدامة.. بقت هي الملكة اللي بتتحكم في قلوب أخطر ثلاث رجالة في مصر من غير ما ترفع سلاح واحد.
قبضة أدهم ونبض سارة”
حكايات شروق خالد



