منوعات

طريق الإسماعيلية #حكايات_شروق_خالد

قعدت بعدها ثلاث أيام على الكونتر، والوجع كان مالي قلبي كأن الولد ده ابن لي أنا كمان. عم كرم دخل الصبح كالعادة، وبص ناحية الشباك لقى الفيات الخضراء مش موجودة، فسكت، يمكن حس إن فيه حاجة مختلفة عن مجرد تأخير.

يوم الثلاثاء اللي بعده..

كانت الساعة حوالي ستة الصبح، والدنيا رايقة والجو هادي والنسيم خفيف.

ببص كده لقيت عربية “هيونداي فيرنا” فضي بتلف ودخلت ببطء شديد ناحية شباك “الدرايف ثرو”.. قلبي اتحرك من مكانه\!

طلعت برة الشباك بسرعة، وبصيت جوه العربية..

الممرضة كانت قاعدة ورا الدركسيون، وشها تعبان بس كانت بتبتسم.. ابتسامة أول مرة أشوفها، ابتسامة فيها دمعة فرح وراحة ملهاش وصف.

وقفت عربيتها، ونزلت زجاج العربية بهدوء، وبصتلي وقالت بصوت متهدج بس مليان حياة:

“أم حسن.. صحي.”

حطيت إيدي على بقي من الفرحة، ودموعي نزلت لوحدها، وسألتها بلهفة:

“بجد يا بنتي؟\! فاق؟\! طمنيني والنبي\!”

هزت راسها بقوة، وقالت ودموع الفرحة نازلة على خدودها:

“الحمد لله يا أم حسن.. فتح عينه امبارح بالليل.. وأول ما شافني واقفة جنبه، بص لي بنص ضحكة وقال بصوت ضعيف: (إنتي لسه بتشربي شاي باللبن لوحدك ولا أطلبلك معايا؟)”

ضحكت بصوت عالي، وضربت كف على كف، وقلت:

“يا رب لك الحمد والشكر يا رب\! ده واد ابن حلال وخفيف الروح\!”

كملت وهي بتطلع المحفظة عشان تدفع:

“الدكتور قال إنه هيمشي على رجله قريب.. والحمد لله حالته اتحسنت جدًا.. وبكره، بكره يا أم حسن.. هكون هنا في نفس الميعاد.”

سألتها باستغراب: “هتيجي تعملي إيه بكره؟”

ابتسمت بحب وهي بتدور الموتور، وقالت:

“عشان أدفع حق القهوة والشاي للعربية اللي ورايا.. زي ما هو علمني، وزي ما السلسلة دي مش هتقف أبدًا\!”

سابتني وانطلقت بالعربية، وأنا واقفة قدام الشباك.. باصة للطريق الطويل اللي الشمس بدأت تطلع عليه وتنور كل شبر فيه، وأنا حاسة إن فيه حاجات صغيرة بندفع فيها قروش معدودة.. بس بتبني حياة، وتفتح بيبان للمحبة اللي ملهاش آخر في وسط زحمة الدنيا.

#حكايات\_شروق\_خالد

بعد ما مشيت وسابتني واقفة قدام الشباك، فضلت باصة لعربية الفيرنا وهي بتبعد لحد ما اختفت وسط زحمة الطريق الصباحي. حسيت إن روحي رجعت لي، وكأن همّ كبير اتشال من على قلبي.

تاني يوم، الساعة خمسة الصبح بالظبط، كنت واقفة على الكونتر بجهز الشغل. الجو كان هادي، والشمس لسه بتمد خيوطها الأولى في السماء.

وما هي إلا دقائق.. ولقيت عربية الفيرنا الفضي بتظهر من بعيد، وبتلف ببطء ودخلت على شباك “الدرايف ثرو”.

لكن المرة دي.. ما كانتش لوحدها.

الممرضة نزلت زجاج العربية، وكانت بتبتسم وبصالي بعيون لامعة مليانة فرحة، وجنبها في الكرسي اللي ورا السواق.. كان قاعد شاب نحيف، لابس “سويت شيرت” رمادي، ووشه فيه شوية آثار بسيطة للحادثة، بس عيونه منورة بضحكة واسعة.

قربت من الشباك بسرعة، وقلبي بيدق من الفرحة، وبصيت له وهو رافع إيده بيسلم عليا بصوت ضعيف بس مألوف:

“صباح الخير يا ست أم حسن.. معلش عطلتكم كام يوم\!”

ضحكت من قلبي ودموعي نزلت، وقلت بصوت عالي:

“يا مرحب بيك يا ابني.. ألف سلامة عليك\! نورت الدنيا والله، كنا قلقانين عليك جدًا\!”

الممرضة بصت له بحب كأنها مش مصدقة إنه بقى جنبها تاني، وقالت لي:

“جه معايا النهاردة عشان نعلم الناس الدرس صح يا أم حسن.”

بصيت لقيتها طلعت الفلوس، ودفعت حق الشاي بتاعها، وقبل ما تتحرك، بصت للعربية اللي كانت واقفة وراها في الطابور.. عربية نقل صغيرة بيضاء بيسوقها راجل بسيط.

الولد بص في المراية بسرعة، وقال بصوت عالي وواضح:

“استني يا دكتورة.. سيبيني أنا اللي أدفع النهاردة، العربية اللي ورايا دي حسابها عندي\!”

ضحكنا كلنا بصوت عالي، ودارت عجلات العربيتين وانطلقوا مع بعض في طريقهم.. وسابتني واقفة في الشباك، وعرفت ساعتها إن الخير اللي بنزرعه في قلوب الناس.. عمره ما بيضيع أبدًا، بيلف ويدور، ويرجع لنا في الوقت اللي محتاجينه أكتر من أي وقت تاني.

مرت الأيام، وبقى طريق الإسماعيلية الصحراوي له طعم تاني خالص بالنسبة لي.

بقينا نشوفهم كل يوم تقريبًا؛ أحيانًا الولد – اللي عرفت أخيرًا إن اسمه “يوسف” – هو اللي سايق الفيرنا وجنبه الدكتورة، وأحيانًا هي اللي سايقة وهو قاعد جنبها بيضحك ويهزر وكأن شيئًا لم يكن.

والحركة اللي بدأها يوسف لوحده، بقت عادة جميلة ماشية في الشباك عندي. مش بس هو اللي بيدفع للسيارة اللي وراه، ده الموضوع بقى عادة لطيفة انتقلت لكل الزبائن.

السباك صاحب الشاحنة البيضاء، بقى أحيانًا يدفع حق القهوة للعربية اللي بعده. والتوأمان بقوا يطلبوا زيادة عشان يدفعوا للي وراهم. كأن طاقة المحبة والخير اللي زرعها شاب بـ 45 جنيه، فتحت قلوب الناس كلها.

وفي يوم الجمعة اللي فاتت دي..

كنت واقفة بجهز الطلبات، ولقيت عربية جديدة وقديمة في نفس الوقت تقف قدام الشباك. عربية “فيات 128” خضراء، بس لامعة ونضيفة ومتصلحة على أحسن حال.

نزل يوسف الزجاج وهو بيضحك، وقال بصوت مليان حيوية:

“صباح الخير يا ست أم حسن.. القهوة بتاعتك النهاردة غير كل يوم\!”

بصيت له وللدكتورة اللي كانت جنبه بتضحك وعيونها مليانة رضا، وقلت وأنا بسند على الكونتر وعينيا بتلمع:

“يا أهلا بيك يا عريس.. هو إحنا ورانا شغل غير إننا ندفع حساب ورا بعض ولا إيه؟”

يوسف بص للي وراه بعينين لمعت بالوفاء، وطلع الفلوس وقال لي:

“النهارده الحساب على عربيتين قدام مش عربية واحدة.. وزي ما اتعلمت، اللي بيزرع طيبة، بيحصد محبة.”

خدت الفلوس وقلبي بيرقص من الفرحة، وهمست لنفسي وأنا باصة لابتسامتهم وهي بتتحرك مع عربيتهم:

فيه ناس بتعدي في حياتنا مرور الكرام، وناس تانية.. بتسيب في روحنا علامة منورة تكفي تفرحنا العمر كله.

#حكايات\_شروق\_خالد

**طريق الإسماعيلية**

#حكايات\_شروق\_خالد

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى