
بصيت لـ “فاروق” وهو يقرب بخطوات ثابتة، الابتسامة المسمومة على وشه، وعلبة اللعب في إيده. في اللحظة دي، كل السنين اللي فاتت عدت قدام عيني زي الشريط: مساندته ليا بعد الحادثة، بكاه في جنازة مراتي، وقفاته معايا في المستشفى جنب حمزة… كل ده كان تمثيلية حقيرة عشان يورثني وأنا حي.
حطيت الفلاشة في جيبي، ونزلت المسدس بالراحة، بس صباعي كان لسه على الزناد.
“أهلاً يا فاروق…” قلتها بصوت هادي، هدوء يسبق العاصفة. “…خير؟ إيه اللي جابك في ميعاد مش ميعادك؟”
فاروق قرب خطوات، عينيه كانت بتتنقل بيني وبين فاطمة والحراس اللي ورايا: “قلقت عليك يا سليم. بقالي ساعتين بتصل بيك وتليفونك غير متاح… وبعدين قلت أجي أفرح حمزة باللعبة الجديدة.”
“حمزة جوه بيترسم مستقبله يا فاروق…” قلتها وأنا باخد خطوة ناحيته. “…المستقبل اللي أنت كنت عايز تحرمه منه.”
ابتسامة فاروق اختفت فجأة، وعينيه أديقت: “أنت بتقول إيه يا سليم؟ شكل القعدة مع المربيات الجديدة لحست دماغك.”
في اللحظة دي، طلعت الفلاشة من جيبي ورفعتها قدام وشه: “التسجيلات اللي هنا… التحويلات اللي باسم شركة الاستيراد بتاعتك… الفدية اللي كنت بتاخدها من ‘حكمت’ عشان ما تقتلش ابنها… كل حاجة بقت معايا.”
وش فاروق اتخطف، والدم هرب منه في ثانية. رجع خطوة لورا، وإيده راحت لضلعه بسرعة عشان يسحب سلاحه.
بس قبل ما ينطق أو يحرك صباعه، كنت طيرت العلبة من إيده بضربة ورشقت المسدس في زوره مباشرة.
“محدش يتحرك!” زعقت بصوت هز أرجاء الحديقة.
حراس فاروق حاولوا يرفعوا أسلحتهم، بس في ثانية، حراسي وحراس الفيلا كانوا محاوطينهم ومثبتينهم من كل ناحية.
فاروق كان بيبصلي ورجليه بتترعش، ونبرة السيطرة بتاعته اتكسرت: “سليم… افهم… الكلام ده غلط! هي ضحكت عليك… المربية دي كدابة!”
“المربية دي رجعتلي ابني…” قلتها وأنا بضغط ببوز المسدس على رقبة فاروق، والغل بتاع أربعتاشر شهر طالع في كلماتي. “…وأنت اللي قتلت نورهان، وأنت اللي كسرت ضهر حمزة!”
“سليم… أنا أخوك!” فاروق صرخ بصوت مكسور وهو حاسس بالنهاية.
“الأخ مبيقتلش أخوه عشان قرشين يا فاروق.”
بصيت لـ حمدي، رئيس الحراسة بتاعي، وقلتله بنبرة حاسمة: “كتفوه هو والكلاب اللي معاه. البوليس والنيابة العامة ييجوا حالاً… التسجيلات والفلاشة هتوصل للنائب العام بنفسي. مش عايز حتة في جسمه سليمة من القانون.”
الحراس هجموا على فاروق وكتفوه، وهو ينبح ويصرخ وأنا مديتهوش ضهري ولا رمشة عين لحد ما سحبوه بره البوابة.
الهدوء نزل على الحديقة تاني. الهوا بقى خفيف، والبيت كأنه اتنفس بعد انكماش دام سنين.
لفت لـ فاطمة. كانت واقفة زي ما هي، ثبات مش طبيعي، بس عينيها كانت مليانة ارتياح.
“أختك فين يا فاطمة؟” سألتها وأنا بحط المسدس في جيبي، والمرة دي للابد.
“أختي وابنها أمان في مكان متداري…” فاطمة ردت وهي بتعدل الشنطة على كتفها. “…الشرطة هتأمنهم أول ما البلاغ يترفع.”
قربت منها، ومسكت إيدها بإيديا الاتنين: “أنا مش عارف أقولك إيه… ولا فيه فلوس في الدنيا تقدر تكافئك.”
فاطمة ابتسمت ابتسامة دافية وصافية، وقالت: “المكافأة جوه يا سليم بيه…”
لفت وشي ناحية الفيلا.
حمزة كان واقف ورا الباب الزجاجي، ماسك كراسة الرسم بتاعته، وبيهز إيده ليا ولـ فاطمة وهو بيضحك.
فاطمة بصتلي وقالت: “أنا وعدته بقصة جديدة… مش يصح نسيبه مستني.”
دخلنا إحنا الاتنين جوه. لأول مرة من سنة وزيادة، القصر مكنش مجرد حيطان وكاميرات وحراسة… القصر بقى بيت، وأنا أخيراً رجعت أب.
#حكايات_شروق_خالدعدت الشهور بعد اليوم ده، وكل حاجة في الفيلا اتغيرت من الساس للرأس.
فاروق والشبكة اللي معاه لبسوا القواضي تمام، والتسجيلات اللي كانت على الفلاشة لبستهم أحكام مشددة تسد العين. القضية اتقفلت، والعدالة خدت مجراها، بس الحقيقة… العدالة الحقيقية مكنتش في المحكمة، كانت جوه البيت.
فاطمة مسبتناش. رفضت تاخد أي قرش زيادة عن أجرها، بس اشترطت شرط واحد: “أنا هنا عشان حمزة يقف على رجليه، روحياً وجسدياً، ويوم ما أشوفه بيجري برجليه، هلم شنطتي وأمشي.”
ورحلة العلاج الطبيعي بدأت من جديد، بس المرة دي بمود مختلف خالص. مفيش دموع استسلام، ومفيش الخوف اللي كان ماليني.
كنت بقعد معاهم في الصالة، من غير كاميرات، من غير حراسة واقفة فوق دماغنا، ومن غير ما أبص لحمزة بنظرة شفقة. تعلمت من فاطمة إزاي أبصله كبطل بيحارب، مش كمصاب مكسور.
بعد ست شهور…
في يوم جمعة، الشمس كانت طالعة دافية، والحديقة مليانة ورد. كنت قاعد على الترابيزة براجع أوراق شغلي، وفاطمة واقفة جنب حمزة عند المشاية الرياضية الخاصة في الجاردن.
حمزة كان حاطط إيديه الاتنين على الممسك، ووشه عرقان، وعضلات رجليه بتترعش من المجهود.
فاطمة بصتله وقالت بنبرتها الناشفة المعتادة بس اللي مليانة أمل: “فاضل خطوتين يا حمزة… بلاش دلع.”
حمزة بصلي، وبعدين بص لفاطمة، وقال وهو بيصر على سنانه: “أنا مش بتدلع!”
وفجأة… ساب الممسك بإيد، وبعدين ساب بالإيد التانية.
قلبي وقف. مسكت في حرف الترابيزة وركبي اتسابت.
حمزة رفع رجله اليمين ببطء شديد… وداس بيها على الأرض. وبعدين نقل رجله الشمال.
خطوة…
وبعديها خطوة تانية!
الولد مشي خطوتين كاملين على رجليه من غير ما يمسك في حاجة، وقبل ما يقع، كنت طيرت من مكاني وحضنته قبل ما يلمس الأرض.
قعنا إحنا الاتنين على النجيلة. حمزة كان بيضحك بكتفانه كله، ضحكة صافية هزت الحديقة، وأنا كنت بدمع وبضحك في نفس الوقت.
“شفت يا بابا؟! شفت؟!” حمزة كان بيصرخ بفرحة.
“شفت يا قلب بابا… شفتك وأنت بتطير.” قلتها وأنا ببوس راسه وبشده لحضني.


