
فضلت واقفة مكاني، حاسة إن رجليه متشثبتة في الأرض وكأنها اتزرعت في طين بستان المانجو بتاع جدتي. صوت الخبط الخفيف اتعاد تاني.. تكتكتين بطرف الضفر على خشب باب أوضة الضيوف المقفولة.
سيف قام من على مكتبه، وبحركة سريعة قفل لابتوبه، بس ملامح وشة كانت اتبدلت خالص. الهدوء والسحر اللي كنت بوقع فيهم زمان اتمسحوا، وظهرت في عينيه نظرة أول مرة أشوفها.. نظرة واحد ممسوك من رقبته وبیحاول يمثل الثبات.
“مريم حبيبتي..” قالها وهو بيقترب مني بخطوات بطيئة، ومد إيده عشان يمسك كف إيدي. “اقعدي، اهدي.. هفهمك كل حاجة. الموضوع مش زي ما أنتي مخيلة خالص”.
سحبت إيدي من إيده بسرعة وكأنها لمست سلك كهربا عاري. افتكرت كلام جدتي في ثواني: الناس بتتعرف على أصلها الحقيقي لما يفتكروا إن مفيش مخلوق شايفهم..
“أفهم إيه يا سيف؟” صوتي طلع مبحوح بس ناشف، وكنت باصة لعينيه طول الوقت من غير ما أرمش. “مين جوه؟ وليه الشاليه اللي حجزته لينا كان لتلاتة؟ مين الشخص التالت اللي رايح معانا يا سيف؟!”
سيف بلع ريقه بصعوبة، ولسه هيفتح بوقه ويبرر، الباب بتاع أوضة الضيوف اتحرك.. حد من جوه زقه زقة خفيفة، فالباب اتفتح نص فتحة.
قلبي وقف في صدري.
طلعت من الأوضة ست.. شكلها كان مبهدل، وشعرها منثور على وشها، وهدومها متبهدلة وكأنها محبوسة أيام مش ساعات. بس أول ما رفعت راسها وبصتلي.. حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
دي مش غريبة.. دي مش واحدة لا تعرفني ولا أعرفها.
دي “رنا”.. مرات سيف الأولانية، اللي أهله وابن عمي وكل الناس في العيلة قالوا لنا إنها سافرت برة مصر من سنين وماتت في حادثة عربية ومحدش جاب جثتها!
رنا بصتلي بعيون كله دموع وقهر، وفتحت بوقها تنطق بحرف واحد.. بس سيف اتحرك أسرع من البرق.
مد إيده في جيبه وطلع مسدس صغير أسود، ووجهه نحونا في ثانية واحدة، وقال وعينيه جاحظة من العصبية:
“أنا أسف يا مريم.. إنتي اللي إصرارك غباء.. كنتي عيشي في المية الكدبة وكنتي هتعيشي ملكة.. بس أنتي اللي اختارتي!”
مستنية إيه يا قلبي
#حكايات_شروق_خالد
صوت طلقة خفيفة ومكتومة هز الصمت المرعب جوه الشقة، كأن إبريق الشاي بتاع جدتي لسه بيصفر في وداني.
سيف مكنش متوقع رد فعل إيدي.. في اللحظة اللي مد فيها إيده بالمسدس، افتكرت كلام الست زينب اللي نزل زي سحر حقيقي: لما ييجي وقت الهرب.. إياكي تحزمي شنطك وتجهزيها.. اهربي بجلدك فجأة.
ما فكرتش ثانية واحدة.
في نفس اللحظة اللي ضرب فيها الرصاصة وطارت تفجّر تحفة زجاجية جنب راسي، كنت حاطة إيدي في جيبي وقبضت على العملة الفضية القديمة اللي جدتي ادتهالها في ليلة الدخلة.. وبكل قوة جسمي، ضربت صينية زجاج كانت على الترابيزة القريبة في وش سيف، ولفيت ضهري وجريت على باب الشقة حافية زي ما أنا!
مدخل العمارة كان ضلمة ومرعب، وسيف كان بيصرخ ورايا بصوت مسعور: “اقفي يا مريم.. هتروحي فين من غير جزمة ولا شنطة؟!”
بس أنا ما التفتش ورايا أبداً.
جريت على السلم حافية، ورجلي كانت بتنجرح من الخرسانة، بس وجع رجلي كان أهون بكتير من وجع الحقيقة المرعبة اللي عشت فيها تلات سنين. فتحت باب العمارة ونطيت جوه عربيتي اللي كانت دايرة وراحتها مبللة من مطر الليل.. ضגרت المفتاح وسوقت بأقصى سرعة عندي، عيوني مليانة دموع بس دماغي واعية لكل متر في الطريق.
ما طلعتش على بيتي.. ولا طلعت على قسم بوليس ممكن يكون مخلوع أو ليه سعر عند عيلة سيف الكبيرة.
سقت عربيتي طول الليل لحد ما النور بدأ يشقشق، وطلعت على الطريق القديم اللي بيوصل لقرية “شبرامنت”.. لحد ما وصلت قدام باب البيت الطين اللي ورا بستان المانجو.
نزلت من العربية أجري وأنا حافية، بهدومي المبهدلة وخاتم الألماس اللي كان بيلمع كذب في إيدي. خبطت على الباب بعنف، وبقبل ما أنطق بكلمة، اتفتح الباب لوحده.
كانت جدتي زينب واقفة في المطبخ، والريحة نفسها بتاعة البابونج ودخان الخشب مالية المكان. بصتلي من فوق لتحت بنظرة كلها رضا وهدوء، وقالت بصوتها الناشف الهادي:
“حمد لله على سلامتك يا بنتي.. رجعتي ومعاكي نفسك، مش شنطتك الكدابة”.
جريت عليها وحضنتها وأنا منهارة من العياط، وسألتها بصوت مقطوع: “هو عرف مكاني؟ هيجي ورايا يا جدتي؟ هيموتني زي ما قتل رنا أو حبسها؟!”
ربتت على ضهري بإيديها الخشنة المعوجة، وطلعت من جيب جلابيتها ورقة رسم قديمة وعملة فضية تانية، وقالت بصوت هادئ يزلزل الجبال:
“ما تقلقيش.. سيف وجماعته نسيوا حاجة واحدة بس.. إن عيلة الشناوي فلوسهم اللي متباهايين بيها، مسجلة كله بالحرف في الدفاتر القديمة اللي تحت إيدي.. وإنتي جيتِ في الوقت المناسب عشان تاخدي حقك وحق رنا بالقانون اللي ما بيرحمش”.
طلعت من شنطة عربيتي بعد كدة كل المستندات اللي سيف كان مخبيها على اللابتوب واللي قدرت أخطفها وأنا بجرى، ومع تحريات المباحث اللي جدتي حركت فيها كل معارفها القدام، اتقبض على سيف في مطار القاهرة وهو بيحاول يهرب برة مصر لوحده.. وسقطت الإمبراطورية المزيفة في ثواني.
رجعت لبيتي القديم وشغلي، بس مش الست اللي دخلت عربية سيف زمان.. بقيت ست تانية خالص، ست عرفت إن أجدع راجل في الدنيا ما يساويش نقطة دم واحدة من كرامتها، وإن تحذيرات جدة زينب مش خرافات ريفية.. دي حقيقة بتنقذ الروح من الهلاك.
#حكايات_شروق_خالد
تحذير العجوز
#حكايات_شروق_خالد



