روايات وقصص

رحلة نجاة#حكايات_شروق_خالد

“يا ظالم!” صرخت في وجهه وأنا أقف أمامه مباشرة، ممسكة بأعصابي التي كانت توشك على الانهيار تماماً. “بتقول لابني إيه؟! بتملي دماغه بأكاذيب قذرة زيك عشان تكرهه فيا؟!”

حافظ طارق على هدوئه المستفز، وابتسم ببرود، وقال بصوت منخفض حاد: “صوتي ما يعلاش يا مريم… أنا لا كذبت ولا حاجة، دي الحقيقة. أنتِ اللي وافقتي تاخدي فريدة وتسيبيه في البيت عندي. اختيارك من الأول كان واضح.”

“اختياري؟!” رفعت صوتي أكثر، ولم أعد أعبأ بأي شيء. “ده كان اتفاق مؤقت لمدة ستة أسابيع عشان أظبط شقتي الجديدة، وأنتَ اللي استغلتَه عشان تقطع عيال عن بعضهم، وتدمر نفسية الولد!”

اقترب خطوة وابتسم بسخرية مريرة: “اعملي اللي تحبيه، روحي للمحامية بتاعتك، وادخلي ساحات المحاكم تاني… بس افهمي كويس، الواد اتعلق ببيته، وبقى شايفك أنتِ اللي بعتيه بإرادتك. روحي بقى اشرحي له قانون الأسرة وجداول الحضانة، وشوفي مين فينا اللي هيعرف يرجع ثقته فيه تاني.”

تركني الواقفة مكاني، والتفت بهدوء، وغادر المطعم من الباب الخلفي، تاركني أغلي من القهر والظلم.

عدت إلى الطاولة، وكانت أقدامي تثقلها أطنان من الحزن.

وجدت فريدة تحتضن يوسف وتبكي بمرارة، بينما كان يوسف جالسًا شارد الذهن، يحاول حبس دموعه بطريقة تؤلم القلب.

نزلت إلى مستواهما، وجلست على ركبتي بينهما، وأمسكت بيديهما الاثنتين معاً، وتحديداً يدي يوسف الباردة.

“يا يوسف… يا حبيبي ابص لي هنا، بص لماما كويس,” قلت بصوت مختنق بالدموع، وأنا أحاول ألا أنهار أمامهما.

نظر إليّ بعيون مليئة بالأسئلة المؤلمة.

“عمره ما كان اختيار يا حبيبي، وعمر ماما ما باعتك ولا فرطت فيك لحظة واحدة,” أكملت كلامي، ودموعي تنحدر على وجنتيّ. “بابا قال لكم إن دي كانت حقيقة، لكنه كذب عليكم… أنتم الاثنين روحي وعمري، وكل دقيقة بتعدي وأنا بعيدة عنك كنت بموت فيها ألف مرة. أنا حاربت عشانكم، وهفضل أحارب لحد ما ترجعوا تحت سقف واحد معايا.”

رفعت فريدة رأسها، وقالت من وسط دموعها: “يعني بابا هو اللي كان بيمنعه ييجي؟ وهو اللي كان بيكدب علينا؟”

أومأت برأسي بقوة، وضممتهما الاثنين إلى صدري بقوة، كأني أحاول حمايتهما من العالم بأسره.

“أيوه يا حبيبتي… بس وعد مني، والله العظيم ما هسيبه يفرق بينكم تاني أبداً، ولا هسمح لكلمة واحدة تدمر حبكم لبعض أو حبكم ليا.”

في تلك اللحظة، وسط دموع التوأم واحتضانهما الدافئ لي، أدركت أن الحرب الحقيقية لم تنتهِ بوقوع الطلاق، بل بدأت للتو. لكن هذه المرة، لم أكن أقاتل من أجل نفقة أو شقة أو مؤخر صداق، بل كنت أقاتل من أجل استعادة عقل ابني وقلبه الذي سرقه والده بالخداع.

وفي صباح اليوم التالي، وقفت في مكتب المحامية نهى مهران، ووضعت المستندات أمامها بحزم: “انهي كل حاجة يا نهى… ارفعي قضية ضم عاجلة، ومش هسيبه يهنأ بيوم واحد بعد اللي عمله في ولادي.”

#حكايات_شروق_خالد

رفعت نهى مهران رأسها من على الملفات، وبدت ملامحها الحازمة أكثر صرامة وهي تطالعني بنظرة تفحص وتقدير. أغلقت القلم ببطء وقالت بصوت هادئ ومدروس: “اللي عمله طارق ده مش مجرد تلاعب بمشاعر ولاده، ده في قانون محكمة الأسرة يُعتبر ‘تأثير سلبي وتسميم عقلي’ للطفل، ودي نقطة قوية جداً في صالحنا قدام القاضي.”

أخذت نفساً عميقاً وأنا أحاول تنظيم أفكاري وسط زحمة مشاعر الغضب والقلق. “أنا مش هسكت يا نهى، الولد بيضيع مني، ولو سكتنا أسبوع كمان، طارق هيخليه يكرهني تماماً.”

“مش هنسكت يا مريم، اطمني،” قالت نهى وهي تسحب ورقة جديدة وتبدأ في كتابة الطلبات القضائية. “الخطوة اللي جاية هتمشي كالتالي: أولاً، هندّي إنذار رسمي على يد محضر لطارق بتسليم الطفلين فوراً لتنفيذ حكم الرؤية والاتفاق المؤقت، مع إثبات حالة الامتناع المتكرر. ثانياً، هنطلب من المحكمة ضم حضانة الطفلين لكي فوراً، بحكم أن الأب استخدم الحضانة لابتزاز الأطفال نفسياً. وثالثاً، الأهم… هنطلب عرض يوسف على أخصائي نفسي تابع لمحكمة الأسرة لإثبات الأثر النفسي اللي اتعرض له.”

مرت الأيام التالية وكأنها دهور.

كنت أرى فريدة تذبل كل يوم وهي ترى أخاها متبلداً، مصدوماً، يتجنب الحديث معي وكأن الكلمات التي زرعها والده في عقله أصبحت جداراً عازلاً بيننا. كنت أعلم أن يوسف لا يكرهني، لكنه كان خائفاً… خائفاً من أن يكون غير مرغوب فيه، وخائفاً من أن يعيد التاريخ نفسه.

وفي يوم الجلسة العاجلة أمام قاضي محكمة الأسرة، حضر طارق وبدا واثقاً من نفسه، يرتدي بدلة أنيقة ويدخل القاعة بخطوات متعجرفة، وكأنه يضمن تماماً أن القانون في صفه لأنه استطاع إبقاء الولد معه طوال هذه المدة.

لكن طارق لم يكن يعلم أنني لم أكن أقاتل بسلاح الكذب أو التلاعب، بل بالحقائق والأدلة وسجل الرسائل والشاهد الصامت: حالة فريدة وانهيارها اليومي.

نادى الحاجب بأسمائنا، ووقفنا أمام المنصة.

نظر القاضي الجليل إلى الأوراق، ثم رفع بصره ليطالعنا نحن الاثنين. وبصوت رصين يحمل الكثير من الخبرة، قال: “يا مهندس طارق، حضرتكم عملتوا اتفاق مؤقت لستة أسابيع عشان مصلحة العيال، لكن التقارير المقدمة من الأخصائي النفسي وأقوال الطفلة فريدة بتؤكد إن الأب استغل الوضع لقطع صلة الرحم بين التوأم وتأليب الابن على والدته.”

حاول طارق مقاطعة القاضي بوجه متوتر: “يا سيادة القاضي، أنا بس كنت بـ…”

قاطعه القاضي بحزم وصرامة: “اسكت لحد ما أخلص كلامي! محكمة الأسرة مش مكان للنزاع الشخصي أو الانتقام من بعضكم على حساب ولادكم. الأب والأم دورهم الحماية مش التدمير.”

ثم التفت القاضي إلينا، وصدر الحكم الذي أعاد الروح إلى صدري:

“قررت المحكمة أولاً: إنهاء الاتفاق المؤقت فوراً. ثانياً: إلزام الأب بتسليم الصغير يوسف لوالدته في مقر المحكمة اليوم قبل الغروب. ثالثاً: إحالة الأب لنيابة الأسرة للتحقيق في الإضرار النفسي العمدي بالصغير، وتحديد جلسة عاجلة لضم حضانة التوأم معاً للام”.

شعرت وكأن دماءً جديدة سريت في عروقي. نظرت إلى طارق؛ فقد انمحت ابتسامته المتعجرفة تماماً، وتحول وجهه إلى شاحب مصدوم وهو يرى أن ألاعيبه انقلبت ضده تماماً.

بعد ساعات قليلة، وفي غرفة تسليم الصغار التابعة للمحكمة، انفتح الباب ودخل يوسف، يمسك بيده أحد موظفي المحكمة.

كانت عيناه تبحثان عن والده أولاً، لكن عندما وقع بصره عليّ أنا وفريدة التي كانت تقف بجانبي وتلوح له بلهفة ودموع الفرح تملأ عينيها، توقف في منتصف الغرفة.

لم تنتظر فريدة، فركضت نحوه وألقَت نفسها بين ذراعيه، وضممته بكل قوتها وهي تبكي وتقول: “يوسف… رجعت لنا يا حبيبي، والله ماما ما باعتنا، بابا هو اللي كذب عليك!”

وقفت مكاني لثانية، ثم اقتربت ببطء وجلست على ركبتي أمامه. نظرت في عينيه المليئتين بالدموع والحيرة، وبصوت دافئ يقطر حناناً قلت: “أنا هنا يا حبيبي… عمري ما استغنيت عنك، وعمر البيت ما هيبقى له طعم وأنت مش فيه.”

أنزل يوسف رأسه، وبدأت حصون القسوة والكذب التي بناها طارق تتهاوى قطعة وراء قطعة. رفع يديه الصغيرتين وأحاط بهما رقبتي، ودفن وجهه في كتفي، وطلق صوته بالبكاء لأول مرة منذ سبع أسابيع، كأنه يغسل عن روحه كل ما علق بها من ألم.

ضممتهما الاثنين إلى صدري بقوة، وارتجف جسدي معهما من شدة البكاء، لكنه هذه المرة لم يكن بكاء قهر، بل بكاء النجاة.

نظر إلينا الموظف الواقف بجانبنا بابتسامة هادئة، وقال: “حمد لله على سلامة ولادك يا مدام مريم… العيلة رجعت تتجمع تاني.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى