روايات وقصص

رحلة نجاة#حكايات_شروق_خالد

رفعت رأسي ونظرت إلى طفليّ اللذين كانا يتمسكان بي وببعضهما البعض كمن يعود من غرق طويل، وأدركت حينها أن الأبواب قد أُغلقت على كل العواصف، وأننا معاً، أينما كنّا، سنظل دائماً عائلة واحدة لا يستطيع أحد تفريقها.

في ذلك المساء، عدت إلى الشقة ومعي فريدة ويوسف.

لم يكن المكان قد اتسع بعد ليضمنا جميعاً بشكل مريح، لكن لم يكن يهم. وضعنا الأسرّة والمراتب بجوار بعضها في غرفة النوم الكبيرة، وتكوم التوأمان على نفس الفراش تماماً كما اعتادا طوال حياتهما، وكأنهما يرفضان الابتعاد عن بعضهما ولو لبضعة سنتيمترات أخرى.

جلست على حافة السرير وأنا أداعب شعر يوسف الناعم، بينما كانت فريدة تروي له بالتفصيل كيف كانت تحتفظ بسترته الرمادية على وسادتها كل ليلة، وكيف كانت تتشاجر مع الذكريات المؤلمة وحدها. كان يوسف يستمع بابتسامة خجولة، تلك الابتسامة التي افتقدتها لأكثر من شهرين، وشعرت أن قلبي يعود لنبضه الطبيعي شيئاً فشيئاً.

في الأيام التالية، بدأت آثار التجربة القاسية تتلاشى ببطء بفضل جلسات الدعم النفسي التي أمرت بها المحكمة، وبفضل وجودنا معاً. لكن طارق لم يستسلم بسهولة؛ فقد حاول الطعن في الحكم وتقديم طلبات استئناف مستمرة، مدعياً أنني غير قادرة على توفير سكن مناسب يجمع التوأمين معاً في نفس المستوى الذي اعتادا عليه.

لكن المحامية نهى مهران كانت لي بالمرصاد. استطاعت بذكائها أن تحصل على أمر وقتي بتمكيننا من العيش في البيت القديم لحين تسوية كافة النزاعات المالية، أو إلزام طارق بدفع نفقة سكن مؤقتة تكفي لشقة واسعة تليق بحضانة الطفلين معاً.

وفي أحد الأيام، وبعد مرور نحو ثلاثة أشهر على ليلة المطعم المرعبة، كنت أقف في المطبخ أعد وجبة الغداء بينما كان صوت ضحكات فريدة ويوسف يملأ البيت وهما يلعبان نفس لعبة الفيديو القديمة التي حُرما منها طويلاً.

رن جرس الباب.

فتحت الباب فوجدت طارق يقف على العتبة. بدا مختلفاً، أقل غروراً وأكثر إرهاقاً، وربما أدرك أخيراً أن الحرب التي خاضها لم تُخلّف سوى الخراب لأسرتنا ولنفسه.

نظر إليّ لبرهة صامتاً، ثم قال بصوت منخفض: “أنا جئت عشان أشوف الولاد… وعشان أعتذر.”

نظرت إليه بعينين ثابتتين لا تعرفان التردد، وقلت بهدوء حازم: “الاعتذار مش ليا يا طارق، ولازم تعرف كويس إن ولادي خط أحمر… اللي كسرته في نفسية يوسف مش هيتصلح بكلمتين، ولو فكرت مرة تانية تستغلهم في حربنا القديمة، مش هكتفي بقضايا محكمة الأسرة.”

أنزل طارق رأسه بأسف، وقال: “عندك حق… أنا كنت أناني، وخسرت كل حاجة عشان كبريائي.”

نادى يوسف من الداخل: “يا ماما، مين عند الباب؟”

التفتّ نحو الصالون حيث ظهر يوسف وفريدة يقفان بجانب بعضهما، ممسكين بأيدي بعضهما كالعادة، ينظران إليّ ثم إلى والدهما بنظرات حذرة لكنها مستقرة وآمنة.

أغلقنا الباب في وجه كل الخلافات القديمة، وأدركت أن الحياة لا تعود تماماً لما كانت عليه، لكنها تصبح أقوى وأكثر وعياً. نظرت إلى طفليّ اللذين غدوا بوابتنا للنجاة، وابتسمت وأنا أقول لهما: “مافيش حد على الباب يا حبايبي… تعالوا، الغداء جاهز.”

#حكايات_شروق_خالد

لم يكن صمت طارق في ذلك اليوم سوى بداية لهدنة طويلة ومفروضة بقوة القانون. لقد استوعب أخيراً أن محاولات الابتزاز النفسي وتشويه صورتي أمام أولادنا لم تعد تفيده في شيء، خاصة بعد التقارير الدورية التي كانت تقدمها الأخصائية النفسية للمحكمة والتي كانت تؤكد تحسن حالة يوسف واستعادة ثقته الكاملة فيّ.

مع مرور الشهور، استقر وضعنا تماماً. انتقلت بفريدة ويوسف إلى شقة جديدة واسعة تليق بحياتنا ومدرسة التوأم، شقة لا تشبه ذلك المأوى المؤقت الذي بدأنا منه حكايتنا، بل كانت مليئة بالألوان والضحكات والدفء الذي حرمنا منه طويلاً.

أما طارق، فقد التزم بجدول الزيارات الذي حددته المحكمة بدقة، وإن كان حضوره قد اصبح هادئاً وخالياً تماماً من محاولات فرض السيطرة. كان يأخذ التوأم في نهايات الأسبوع، لكنه بات يعلم جيداً أن محاولات العبث بعقلهما أو ملء سريهما بالأكاذيب قد انتهت إلى الأبد.

في أحد الأيام، وبعد عودة التوأم من رحلة قصيرة مع والدهما، دخلت إلى غرفة يوسف فوجدته جالساً على السرير، ينظر إلى صورتهما معاً وهما أصغر سنّاً. اقتربت بهدوء وجلست بجانبه.

رفع عينيه إليّ وقال بابتسامة دافئة: “ماما… تفتكري لو كنا فضلنا مفترقين أكتر من كدة، كنا هنفضل زي ما احنا؟”

وضعت يدّي على شعره وأنا أبتسم: “أنتم يا حبيبي عمركم ما هتبقوا مفترقين أبداً، مهما حصل.. لأن اللي بيجمعكم أقوى بكتير من أي ظروف أو أي حد.”

احتضنني بقوة، وفي تلك اللحظة، دخلت فريدة وهي تحمل لوح الشوكولاتة المفضل لهما، وجلست بجوارنا لتكمل العائلة الصغيرة عقدها الأبدي.

أدركت حينها أن الطلاق قد أنهى زواجي، لكنه لم يستطع أبداً أن ينهي عائلتنا. لقد خضنا معركة مريرة من أجل عقول أولادي وقلوبهم، وخرجنا منها معاً.. أقوى، وأكثر ترابطاً، وأكثر يقينًا بأن الحب الحقيقي هو الذي يصمد أمام أعاصير الحياة.

رحلة نجاة

حكايات شروق خالد

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى