«الراحة انتهت… بس جوزي ما كانش يعرف إن البيت والشركة باسمي!» حكايات شروق خالد

«الراحة انتهت!» جوزي قالها وهو بيبصلي. «من النهارده نص مرتبك هيروح لأختي — هي عندها توأم لسه مولودين!» وافقت، وأنا عارفة من جوايا إنه هيندم على الكلام ده. يوم الأحد، أهله جم عندنا على الغدا. لكن أول ما أمه دخلت المطبخ — صرخت صرخة هزت البيت كله، لدرجة إن الجيران خرجوا من بيوتهم يشوفوا في إيه.
«الراحة انتهت»، جوزي دانيال قالها بمنتهى الجدية، وهو بيخبط بالقلم على قسيمة مرتبي.
«من النهارده نص مرتبك هيروح لأختي. هي لسه والدة توأم ومش عارفة تعمل إيه من كتر المسؤوليات.»
وقفت متسمّرة في المطبخ بعد يوم شغل طحن استمر أربع عشرة ساعة.
وداني كانت بتزن من كتر الصدمة.
فضلت باصة للراجل اللي أنا متجوزاه، ومش قادرة أصدق اللي سمعته.
كنت بسأل نفسي: هو أنا سمعت غلط؟ ولا الراجل ده بيتكلم بجد؟
قلت بصوت مبحوح:
«إنت وعدتها… بنص مرتبي؟»
دانيال هز كتفه بمنتهى البرود.
«إنتِ بتكسبي أكتر من اللي محتاجاه يا إسراء. وبعدين أختي عندها طفلين صغيرين. أنا خلاص وعدت منى.»
بصيت له وأنا حاسة إن الدم بيغلي في عروقي.
أنا اللي بطحن نفسي في الشغل من الصبح لحد آخر الليل.
أنا اللي شايلة مصاريف البيت.
أنا اللي بدفع تمن كل حاجة هو وأهله متعودين عليها.
ودلوقتي حضرته قرر يبقى كريم… بس بفلوسي أنا!
اتنفست ببطء وسألته:
«طيب ماشي… هتلغي إيه من مصاريفك الشخصية؟»
وش دانيال اتغير في ثانية.
بصلي باستنكار وقال:
«إنتِ ليه بتحولي الموضوع عليّا؟!»
ضحكت ضحكة صغيرة من غير أي فرحة.
في اللحظة دي، آخر ذرة صبر عندي اختفت.
ما بقيتش عايزة أزعق.
ولا أجادل.
ولا حتى أشرح له.
حسيت إني فصلت عنه تمامًا.
بقيت باصة له وكأني أول مرة أشوفه.
وساعتها فهمت هو قد إيه عايش في وهم.
دانيال كان فاكر إن الراحة اللي في بيتنا حاجة طبيعية.
كان فاكر إن الخدامة اللي بتيجي تنظف البيت كل يومين حاجة عادية.
وإن الجناينجي اللي بييجي يهتم بالجنينة حاجة عادية.
وإن القهوة الغالية اللي بيشربها كل يوم حاجة عادية.
وإن اشتراك الجيم الفخم حاجة عادية.
وإن أكل اللحمة المستوردة اللي أمه كانت بتطلبها كل يوم أحد حاجة عادية.
كان فاكر إن كل ده بيتدفع من فلوسه.
لكن الحقيقة؟
كل حاجة كانت بتتدفع من مرتبي أنا.
أنا اللي كنت بصرف.
أنا اللي كنت بدفع.
أنا اللي كنت شايلة البيت على كتفي.
وهو عايز يوقف الراحة؟
تمام.
أنا هعلّمه يعني إيه فعلًا إن الراحة تنتهي.
بصيت له وابتسمت ابتسامة هادية، بس كانت أبرد من التلج.
وقلت:
«ماشي يا دانيال.»
سكت شوية وبعدين قلت:
«من النهارده.»
بالليل، بعد ما دخل ينام وهو مقتنع إنه انتصر، قعدت قدام اللابتوب.
وفتحت حسابات البيت.
وبدأت أعمل حاجة واحدة ورا التانية.
أول حاجة لغيت شركة التنظيف.
بعدها وقفت خدمة الجناين.
وبعدين ألغيت اشتراك الجيم بتاع دانيال.
وبعدها وقفت اشتراك القهوة الغالية اللي كان بيطلبها كل أسبوع.
لكن ده ما كانش كل حاجة.
فتحت حساباتنا المشتركة.
وبدأت أقسم كل المصاريف بالنص.
بالظبط.
خمسين في المية عليه.
وخمسين في المية عليّا.
لا زيادة.
ولا جنيه واحد.
إيجار.
كهربا.
مياه.
غاز.
إنترنت.
أكل.
صيانة.
أي حاجة مشتركة هتتقسم بالنص.
وأي حاجة شخصية هيدفعها صاحبها من جيبه.
خلصت، وقفلت اللابتوب.
وبصيت للساعة.
الساعة كانت قربت على اتنين الصبح.
ابتسمت وأنا بقول لنفسي:
«بكرة الصبح هتعرف يا دانيال إن أسهل حاجة في الدنيا إنك تبقى كريم بفلوس غيرك.»
لكن اللي ما كنتش أعرفه…
إن اللي هيحصل يوم الأحد مش هيكون مجرد خناقة على الفلوس.
لأن أمه، أميال، كانت جاية على الغدا وهي شايلة سر قديم جدًا.
سر لو اتكشف…
مش بس هيقلب حياة دانيال.
ده كان هيقلب الجوازة كلها.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري.
دانيال نزل من الأوضة وهو لابس هدومه ومستعد يشرب قهوته المعتادة.
دخل المطبخ.
فتح الدولاب.
دور على علبة القهوة الغالية.
ما لاقاهاش.
بصلي باستغراب.
«إسراء… القهوة فين؟»
كنت واقفة بعمل لنفسي كوباية شاي.
قلت بمنتهى الهدوء:
«لغيتها.»
«لغيتها؟! ليه؟»
بصيت له وقلت:
«عشان من النهارده كل واحد يدفع مصاريفه بنفسه.»
وشه احمر.
«إنتِ بتتكلمي بجد؟»
«جداً.»
«يعني إيه كل واحد يدفع لنفسه؟ إحنا متجوزين!»
حطيت المعلقة على الرخامة وقلت:
«وأنا مراتي مش بنك.»
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال بعصبية:
«بس إنتِ وعدتيني إنك هتساعدي أختي!»
«وأنا ما رجعتش في كلامي.»
قرب مني وقال:
«أمال إيه اللي حصل؟»
ابتسمت.
«هساعدها من نصيبي أنا. لكن نص مرتبك اللي إنت وعدت بيه من ورايا؟ ده مش هيحصل.»
اتوتر.
«بس أنا وعدتها!»
«وعدتها بإيه؟ بفلوسي؟»
ما عرفش يرد.
قربت منه خطوة وقلت:
«لو عايز تساعد أختك، ساعدها من فلوسك يا دانيال.»
سكت.
وبصلي بنظرة أول مرة أشوف فيها الخوف في عينيه.
لأنه بدأ يفهم…
إن الراجل اللي كان فاكر إن مرتبي حق مكتسب ليه، أخيرًا اكتشف إن فلوسي مش فلوسه.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن يوم الأحد، لما أهله وصلوا…
أمه دخلت المطبخ لوحدها.
وأول ما فتحت باب الدولاب وشافت الحاجة اللي كنت مخبياها هناك…
صرخت بأعلى صوتها:
«يا نهار إسود! إنتِ عرفتي؟!»
اتجمدت مكاني.
دانيال جري ناحية المطبخ.
وأبوه وراه.
وأمه كانت واقفة وهي بتترعش، وبإيدها ورقة قديمة.
بصيت للورقة…
وبعدين بصيت لدانيال.
وقلت:
«أيوه… عرفت.»
دانيال قرب مني.
«عرفتي إيه؟»
بصيت لأمه.
وبعدين حطيت الورقة قدامه.
«اسأل أمك.»
أمه انهارت على الكرسي.
ودانيال مسك الورقة بإيد بتترعش.
وأول ما قرأ أول سطر…
وشه اتغير تمامًا.
حكايات شروق خالد
أول سطر كان مكتوب:
«إقرار تنازل نهائي عن ملكية العقار لصالح إسراء بنت محمود…»
دانيال رفع عينه من الورقة وبصلي كأنه مش فاهم.
«عقار إيه؟»
أمه غمضت عينيها، وحطت إيدها على صدرها.
«دانيال… اسمعني الأول.»
صرخ فيها:
«إنتِ مخبية عني إيه؟!»
أبوه حاول يتدخل:
«اهدى يا ابني، خلينا نفهم الموضوع.»
لكن دانيال زعق:
«محدش يتكلم! أنا عايز أعرف الحقيقة!»
بصيت له وقلت بهدوء:
«البيت اللي إحنا عايشين فيه ده مش بيتك يا دانيال.»
سكت.
كأن الجملة نزلت عليه زي القلم.
«يعني إيه؟»
«يعني البيت ده باسمي أنا.»
ضحك ضحكة عصبية.
«إسراء، كفاية لعب. البيت ده أبويا هو اللي اشتراه من سنين.»
حطيت قدامه ملف تاني.
«صح… أبوك دفع تمنه.»
فتح الملف.
«بس دفعه باسم مين؟»
قلب الصفحات بسرعة.
وبعدين وقف.
وشه شحب.
«إنتِ… إنتِ كنتِ عارفة؟»
قلت:
«من شهرين.»
أمه بدأت تعيط.
«أنا اللي طلبت من إسراء تسكت.»
لف دانيال ناحيتها.
«إنتِ؟!»
هزت راسها وهي بتعيط.
«أيوه… أنا.»
«ليه؟!»



