
نفس العيون الواسعة الغامقة.
نفس الشعر.
نفس التعبير اللي مستحيل يتنسي.
إيديا اتخدرت تماماً.
ملك جمعت الفطار، وشكرت عم صبري، وخدت الولاد وهي ماشية ناحية الباب.
لفيت وشي ودلفت بسرعة قبل ما تشوفني.
ولأول مرة في حياتي، حسيت إني مرعوب أواجه بني آدم.
في المساء ده، قعدت لوحدي في مكتبي الفخم في نايل سيتي، باصص على النيل وأنوار القاهرة.
عقد الـ 600 مليون جنيه كان مرمي على مكتبي ومحدش مد إيده عليه.
رفعت التليفون واتصلت بـ “ممدوح الشريف”، المحامي الخاص بي.
“ممدوح، عايزك حالا تعملي تحريات عن ملك عز الدين.”
سكت شوية على الخط.
“طليقتك يا فندم؟”
“أيوه.”
“يا فارس بيه، حضرتك ما جبتش سيرتها من سنين.”
“عايز أعرف حالاً.. هل خلفَت أطفال؟”
صمت طويل من الناحية التانية.
“ليه يا هانم.. قصدي يا فندم؟”
بلعت ريقي بصعوبة.
“لأني أظن إني شفت ولادي النهاردة.”
الصبح بدري، ممدوح اتصل بيا قبل الساعة تمانية.
“فارس بيه، قاعد ولا واقف؟”
“خلصني يا ممدوح وقلي.”
“ملك عندها ولدين توأم. حمزة وياسين. عندهم أربع سنين.”
قلبي بدأ يدق بجنون كأنه هيطلع من صدري.
“اتولدوا إمتى؟”
“قبل معادهم بشوية.. يعني بعد سبع شهور بالضبط من طلاقكم.”
صوابعي ضغطت على حافة المكتب لحد ما إيدي وجعتني.
سبع شهور.
التواريخ ماشية مظبوطة بالساعة.
كل حاجة ركبت مع بعضها.
“مين مسجل كأب في شهادات الميلاد؟”
ممدوح تردد.
“مفيش أي أب مسجل.. خانة الأب فاضية.”
غمضت عيني بقوة.
كل أعياد الميلاد دي.
كل كلمة أولى نطقوها.
أول خطوة مشوها.
أربع سنين من عمرهم ضاعوا مني.
وهي ربتهم لوحدها في قهر وظروف صعبة.
“يا ممدوح،” همست بصوت مقطوع، “ليه ما قالتليش؟”
“ده سبب اتصالي التاني يا فارس بيه.”
سمعت صوت ورق بيتقلب جنبه.
“أنا كلمت مكتب المحاماة القديم اللي خلص إجراءات الطلاق بتاعتكم، وطلعت بالأرشيف القديم بتاعهم.. فيه مصيبة ظهرت.”
“مصيبة إيه؟”
“ملك حاولت تواصل معاك بكل الطرق وهي حامل، وبعتت رسايل مسجلة تشرح فيها كل حاجة وتطلب تقابلك.”
معدتي نزلت في رجلي.
“ده مستحيل! أنا ماستلمتش حاجة!”
“أنا عارف يا فندم.”
“امال راحت فين الرسايل دي؟”
ممدوح سكت وسابني في صمت فظيع.
شوارع القاهرة تحت مكتبي كانت زحمة وصاخبة، بس جوه الأوضة السكون كان قاسي.
“ممدوح.. رد عليا حالاً.”
تنفس بصوت عالي.
“المراسلات دي اتسجلت إنها اتسلمت واتراجعت واتأشر عليها، بس فيه شخص أصدر تعليمات صارمة للمكتب إنها ما توصلش لحضرتك نهائي.”
دمي تجمد في عروقي.
“مين؟”
“يا فارس بيه.. سيادتك لازم تشوف التفويض بنفسك.”
“مين اللي مضى على الأمر ده؟”
صوت ممدوح نزل لهمس مرعب.
“والدتك.. هانم الهانم، والدتك.”
فضلت باصص على الموبايل كأنه شبح.
أمي.
الست اللي عايشة في قصر في النزهة، وبتلبس ألماس وبتحضر صالونات مجتمع مخملي.
الست اللي كذبت عليا وقالت إن ملك سابتني بمحض إرادتها عشان الفلوس ما كفتهاش وإنها مش عايزة عيال تعطلها.
الست اللي كنت بصدقها أكتر من نفسي.
طلبت رقمها فوراً وبدون تردد.
ردت بصوتها الحماسي والرايق.
“يا حبيبي! ها.. صفقة التجمع خلصت على خير ولا إيه؟”
“كنتي تعرفي إن ملك كانت حامل؟”
سكتت.
“يا أمي.. ردي عليا.”
“فارس، أنا مش عجباني نبرة كلامك—”
“كنتي تعرفي ولا لأ؟”
صوتها اتقلب وبقى حاد وقاسي كالصخر.
“أنا عملت اللي لازم أعمله عشان أُحمي عيلتنا وثروتنا ومستقبلك.”
ماقدرتش أنطق حرف واحد من الصدمة.
كملت بغطرسة وقالت: “إنت كنت بتبني إمبراطورية اقتصادية.. البنت دي كانت هتشدك للأسفل وتضيعك.”
“البنت دي جابت لي ولادي.. ولادي اللي حرمتيني منهم!”
“وطّي صوتك وإنت بتكلمني!”
“أربع سنين يا ماما! عندي ولدين ماشوفتهمش ولا عرفت عنهم حاجة بسببك!”
“كل خطوة خطيتها كانت عشان مصلحتك ومصلحة عيلة مهران.”
قفلت السكة في وشها من كتر الغضب.
ورفعت سماعة التليفون لمساعدي.
“إلغِ الصفقة حالا.”
“يا فندم؟ اتفاقية الـ 600 مليون؟”
“بقولك إلغيها.. فوري.”
“بس الشركاء والمستثمرين—”
“يخبطوا في الحيط، مش مهتم بحاجة.”
بعدها اتصلت بممدوح تاني.


