
“أنا عايز كل أوراق المكتب القديم، كل إمضا، وكل مستند.. وعايز أعرف كل تفصيلة عن اللي أمي عملته.”
إجابته نزلت على صقيع جسمي زي المية الساقعة.
“يا فارس بيه.. اصبر.. فيه حاجة تانية أخطر.”
“إيه تاني يا ممدوح؟”
“حنا لقينا جواب رسمي تاني، مكتوب بخط إيد ملك وهي في شهور الحمل الأخيرة.. جواب ما اتبعتش لحد، وفضل مقفول.”
حطيت إيدي على جراحي ودماغي.
“اقراه عليا.”
“متأكد يا فندم؟”
“بقولك اقرااااه!”
سمعت صوت ورقة بتتفتح.
وبعدين ممدوح سكت تماماً.
“فارس…”
“نطق.. إيه اللي في الجواب؟”
نفسه كان مهزوز.
“الجواب ده مش بس بيتكلم عن التوأم والولاد..”
قلبي وقف.
“امال عن إيه؟”
صوت ممدوح كان أشبه بالسر المرعب:
“يا فارس.. لو بتسأل نفسك أنا ليه هربت وماتكلمتش، فالعذر مش كفاية عشان يبرر اللي هتشوفه. والدتك مش بس رفضتني عشان مستواي الاجتماعي.. والدتك هي السبب الحقيقي في انهيار شركة أبوك الله يرحمه قبل ما نتجوز بسنة.. وعندها مستندات رسمية بتثبت إنها حولت كل أمواله لحسابات سرية باسمها يوم ما اتوفى، وسابتكم على الحديدة لحد ما أنت بنيت نفسك بنفسك من الصفر.. وهي كانت مرعوبة إني اكتشف ده، عشان كدة عملت المستحيل عشان تخلص مني ومن أي حد يربطنا ببعض.. حتى عيالك، هي كانت عارفة بيهم من اليوم الأول، وكانت بتهددني إني لو قربت منك هتدمرني في سجلي ومستقبلي وتأخد مني الولاد قبل ما يتولدوا.”
الصمت اللي جه بعد الجملة دي كان أثقل من الجبال.
مكتب الفخم، النيل اللي بره، شاشات البورصة، والـ 600 مليون.. كل ده اتقلب لعدم.
أنا بنيت إمبراطوريتي على أنقاض شركة أبويا اللي أمي سرقتها وضحكت عليا فيها، وصدقت كدبتها، ورميت الست اللي حبتني بجد، وحرمت نفسي من ولادي الأربعة سنين اللي فاتوا، عشان ست نزعت من قلبها أي رحمة.
“فارس.. سيادتك معايا؟” صوت ممدوح كان جاي من بعيد قوي.
وقفت فجأة، وضربت بـ إيدي على المكتب بكل قوتي لحد ما الدبابيس اتطيرت.
“ممدوح.. اسمعني كويس،” قلت بصوت يخترق الحجر. “عايز بكرة الصبح بدري، كل رجال القانون، وكل قضاة التحقيق، وكل المستندات اللي تخص أموال الشركة القديمة، تكون على مكتبي في القصر.”
“ناوي تعمل إيه يا فندم؟ دي والدتك!”
“أمي قتلتني وقتلت ولادي وهي في قيد الحياة.. اللي زيه ما لوش أمان، ولو مفكرة إن فلوسها وقصرها هيحموهرا، يبقى لسه ما تعرفش فارس مهران ناوي على إيه.”
قفلت السكة في وشه، وطلعت بره الأوضة بسرعة المجانين.
ركبت عربيتي، وطلبت من السواق يتحرك فوراً.. مش على القصر، ومش على الشركة..
كنت رايح مكان واحد بس.
بعد نص ساعة، كنت واقف قدام عمارة قديمة شعبية في منطقة هادية بحدائق القبة. الشارع ضيق، والدنيا هادئة، والقطط بتجري جنب الصناديق.
طلعت السلم بخطوات سريعة كأني خايف الهوا يسبقني. وقفت قدام الشقة رقم 4، ورفعت إيدي.. وبكل تردد الدنيا خبطت على الباب.
مرت ثواني كأنها دهور..
بعدين سمعت صوت خطوات خفيفة جوه، وصوت طفل بيقول: “ماما، فيه حد بيخبط على الباب.”
الباب اتفتح ببطء.
ظهرت “ملك”، كانت لابسة عباية بيت بسيطة، وشعرها منقوش بعفوية، وفيه فنجان شاي في إيدها. بصتلي.. واللون طار من وشها تماماً. الفنجان وقع من إيدها واتكسر ألف حتة على الأرض، وصوت الكسر صرخ في السكون.
“فـ.. فارس؟!” قالتها وهي بتتهز وتبعد لورا بظهرها.
في اللحظة دي، طلع “حمزة” و”ياسين” من جوه، وهما ماسكين كشكول الفضاء والكور البلاستيك. بصوا لي باستغراب، وبعدين حمزة كرر الحركة اللعين اللي جمدت دمائي الصبح: رفع حاجبه الشمال وبصلي بنظرة ذكية.
نزلت على ركبتي الاتنين قدامهم في الطرقة الضيقة، ومقدرتش أتحكم في دمعة حارقة نزلت على خدي لأول مرة من سنين طويلة.
مديت إيدي المرتجفة ناحيتها وناحيتهم، وصوتي كان بيتردد بانهيار كامل:
“حقكم عليا.. أنا أسف.. سامحوني.. أنا جيت عشان آخدكم, مش هسيبكم تروحوا مني تاني أبداً.”
ملك فضلت باصة لي، ودموعها نزلت بصمت، بس للمرة الأولى في حياتي، حسيت إن فيه أمل صغير ينور الظلمة اللي كنت عايش فيها.
بس اللي ماكنتش أعرفه ساعتها.. إن معركة الحرب الحقيقية مع أمي لم تبدأ بعد، وأن الليلة دي هي اللي هتكشف أسرار أظلم بكتير من إني أتخيلها.
الباب كان لسه مفتوح نص فتحة، وملك واقفة مصدومة، مش قادرة تنطق بكلمة واحدة كأن لسانها اتبلع. حمزة وياسين وقفوا وراها خايفين، بيبصوا للراجل الغريب اللي قاعد على ركبه قدامهم وبيعيط.
“امشي يا فارس..” دي كانت أول كلمة نطقت بيها ملك، وصوتها كان بيترج بطريقة قطعت قلبي. “امشي.. مش هسمحلك تظهر تاني وتلخبط حياتنا. خمس سنين.. خمس سنين وأنا لوحدي بربي الولاد، وبقنعهم إن أبوهم في مكان بعيد، وجاي دلوقتي عشان إيه؟ عشان ضميرك صحا فجأة؟”
“ملك، أرجوكِ اسمعيني،” قلتها وأنا بقوم ببطء عشان ما أخوفهاش، وعيني على الولاد اللي كانوا مستخبين ورا فستانها. “أنا ماكنتش أعرف.. والله العظيم ماكنش عندي فكرة عن أي حاجة. أمي… أمي هي اللي دبرت كل ده، خبت عني كل رسايلك، وامتلكت حياتي بكدبة كبيرة.”
ملك ضحكت بسخرية مريرة، ودموعها نازلة على خدودها: “أممم.. كالعادة، أمك هي الشرير وشمعة ساحرة بتتحكم في الكل، وأنت الملاك البريء اللي مكنش عارف حاجة! فوق يا فارس.. أنت كنت بتشوفني بتموت بالبطيء ومفتحتش بوقك بكلمة. جاي دلوقتي تقول لي أمك؟ مفكرني هنسى السنين دي كلها بكلمتين?”
حسيت إن السكينة بتغرز في صدري. كان عندها حق في كل حرف. أنا كنت أعمى، الغرور والفلوس عموا عيني لحد ما خسرت كل حاجة ليها قيمة حقيقية في الدنيا.




