روايات وقصص

ابن زعيم المافيا

هو كمل:
“أنا مش هطلب منك تشيلي همي، ولا تبقي مسؤولة عن اللي حصل لي. أنا بس عايز أشكرك.”
مد إيده وناولني كتابًا صغيرًا.
كان كتابًا لتعليم لغة الإشارة، وعلى الصفحة الأولى كتب:
“إلى هدى، اللي فكرتني إن الإنسان ممكن يبدأ من جديد، حتى لو الحقيقة اللي وراه وجعاه.”
حسيت بدموعي بتلمع.
قلت له بلغة الإشارة:
“أنا ما عملتش حاجة كبيرة.”
ياسين رد فورًا:
“بالنسبة لك يمكن. بالنسبة لي، كانت بداية.”
مرت شهور.
القضية استمرت، والشهود أدلوا بأقوالهم، والمستندات اتفحصت، والجهات المختصة بدأت تتعامل مع كل واقعة على حدة.
فؤاد بقى بعيد عن إدارة الشركات، وكمال الديب واجه اتهامات مرتبطة بالتلاعب في المستندات وإخفاء الأدلة، ومنصور اضطر يتخلى عن جزء كبير من صلاحياته الإدارية لحد ما الإجراءات القانونية تتضح.
أما ياسين، فبدأ يزور أمه في المقابر كل يوم جمعة.
في أول مرة طلب مني أروح معاه، ترددت.
مش لأني ما كنتش عايزة، لكن لأني حسيت إن اللحظة دي تخصه هو وأمه.
لكنه كتب لي:
“أنا مش عايز أروح عشان أفتكر الحزن بس. عايز أروح عشان أقول لها إني أخيرًا بدأت أعيش.”
روحت معاه.
وقف قدام قبرها، وحط باقة ياسمين بيضاء على الرخام.
بعدها رفع إيده، وبدأ يتكلم معاها بلغة الإشارة.
ما كانش فيه حد غيرنا في المكان.
إيده اتحركت ببطء، وعينيه كانت مليانة دموع.
“أنا عرفت الحقيقة يا أمي. مش كلها، لكن كفاية عشان أبطل أشك في نفسي.”
سكت لحظة، ومسح دموعه.
“أنا لسه زعلان. ولسه في أيام بصحى فيها وأنا فاكر صوت النار، رغم إني ما بسمعش. ولسه بتمنى لو كنتِ موجودة عشان أوريكي كل حاجة عملتها.”
ابتسم وسط دموعه.
“لكن أنا بحاول. بحاول أعيش زي ما كنتِ عايزاني.”
بعدها بص لي وأشار:
“إنتِ عارفة؟ أنا كنت فاكر إن لو عرفت الحقيقة، الوجع هيخلص.”
سألته:
“وطلع خلص؟”
هز راسه.
“لأ. لكنه بقى وجع مفهوم. وده فرق كبير.”
وقفنا شوية في هدوء.
وقبل ما نمشي، أخرج من جيبه ورقة صغيرة، وحطها تحت باقة الياسمين.
كانت مكتوبة بخط إيده:
“أنا مش هخلي اللي حصل لك هو اللي يحدد بقية حياتي.”
بعد سنة تقريبًا، افتتح ياسين مركزًا صغيرًا في إسكندرية لتعليم لغة الإشارة وتأهيل الأطفال الصم وأسرهم.
ما سماهوش باسم عيلته، ولا علّق صورته على المدخل.
اختار له اسمًا بسيطًا: “مركز ليلى للتواصل”.
المركز كان فيه فصول صغيرة، ومكتبة، وقاعة تدريب للأهالي، وأوضة مجهزة للأطفال اللي محتاجين جلسات تخاطب وتأهيل.
ياسين كان بيشارك بنفسه في بعض الدروس، وبيحرص إن كل طفل يدخل المكان يحس إنه مرحب بيه، وإن محدش هيضحك عليه أو يعامله كأنه أقل من غيره.
أنا كنت بروح هناك بعد شغلي، أساعد في تنظيم المواعيد، وأترجم للأهالي اللي لسه بيتعلموا لغة الإشارة.
وفي يوم الافتتاح، وقفت أمينة قدام صورة ليلى المعلقة في مدخل المركز، ودموعها بتنزل وهي بتبتسم.
قالت لي: “لو كانت ليلى شافت اللي بيحصل، كانت هتفرح أوي.”
بصيت لياسين.
كان واقف وسط مجموعة أطفال، بيشرح لهم لعبة بسيطة بلغة الإشارة، وكل ما طفل ينجح في فهم الحركة، كان يبتسم له ويشجعه.
ما كانش فيه أي شبه بينه وبين الشاب الجامد اللي قعد في مطعم بلاك هورس في الليلة دي، غير ملامحه.
الفرق إن عينيه بقت أهدى.
ولما خلص، جه وقف جنبي.
أشار:
“فاكرة أول سؤال سألتِه لي في المطعم؟”
ضحكت.
“كنت بسألك إذا كنت جعان ولا قاعد عشان أبوك محتاج جمهور.”
ضحك هو كمان، وبعدها أشار:
“وأنا كنت محتاج أكل فعلًا.”
ضحكت بصوت عالي.
وبعدين سألته:
“طيب، وإيه أكتر حاجة اتعلمتها من كل اللي حصل؟”
ياسين فكر شوية، وبعدها أشار:
“إن السكوت مش دايمًا ضعف، لكن السكوت لما يبقى مفروض عليك ممكن يسرق منك عمرك. وإن الحقيقة مهما كانت موجعة، لازم تطلع للنور. والأهم إن اللي اتكسر جوانا مش لازم يفضل مكسور طول العمر.”
بصيت له بابتسامة.
“وأنا اتعلمت إن ساعات، مجرد إنك تبص لحد وتسمعه بالطريقة اللي يقدر يتكلم بيها، ممكن تغير حياته.”
ياسين فضل باصص لي لحظات.
وبعدين رفع إيده وقال:
“هدى، فيه سؤال تاني.”
“قول.”
“إنتِ هتفضلي معايا في المركز؟”
بصيت حواليّا.
للأطفال اللي بيضحكوا، والأمهات اللي بيتعلموا لغة الإشارة، وأمينة اللي أخيرًا بقت بتتكلم عن ليلى من غير ما تخاف، وللصورة اللي كانت معلقة فوق الباب.
وبعدين بصيت له وقلت:
“طول ما إحنا بنعمل حاجة ليها معنى، أنا موجودة.”
ابتسم.
وفي اللحظة دي، ما كانش فيه معلم مافيا، ولا وريث عاجز، ولا جرسونة غريبة اتورطت في سر عيلة.
كان فيه اتنين اتقابلوا في ليلة مطر، واحد كان محبوس جوه صمته، والتانية كانت شايلة وجع فقدان أخوها.
وكل واحد فيهم، من غير ما يقصد، فتح للتاني باب كان مقفول من سنين.
لكن الحكاية ما خلصتش عند كده.
لأن بعد الافتتاح بأسبوع، وصل للمركز ظرف بني من غير اسم مرسل.
كان الظرف متساب عند الاستقبال، ومكتوب عليه بخط واضح:
“إلى السيد ياسين منصور زهران، بخصوص الحريق الذي أودى بحياة والدتك.”
ياسين فتح الظرف قدامي.
جواه صورة قديمة للفيلا قبل الحريق بساعات، وورقة مكتوب عليها:
“التحقيق وصل للحقيقة الأولى فقط. الشخص الذي أغلق الباب لم يكن وحده، والشخص الذي أنقذ ياسين من الممر لم يكن من رجال الإطفاء.”
قلبت الصورة، فلاحظت كتابة صغيرة على ظهرها:
“اسأل أمينة عن الطفل الذي خرج من الفيلا في نفس الليلة.”
رفعت عيني لياسين.
وشه كان شاحبًا، وإيده اللي ماسكة الصورة بدأت ترتعش.
أشرت له:
“إنت تعرف حاجة عن طفل تاني؟”
هز راسه ببطء.
“لأ.”
في اللحظة دي، أمينة دخلت من باب المركز، وأول ما شافت الصورة في إيد ياسين، وقفت مكانها.
ما سألتش إحنا بنبص على إيه.
ما قربتش حتى.
كل اللي عملته إنها حطت إيدها على صدرها، وبدأت تعيط.
ياسين مشي ناحيتها بسرعة، ورفع إيده:
“طنط أمينة… إنتِ تعرفي حاجة عن الطفل ده؟”
أمينة غمضت عينيها، وبعدها فتحتهم وهي بتبص له.
وقالت بصوت مكسور:
“كنت فاكرة إن السر ده مات مع أمك.”
ياسين أشار لها بإصرار:
“أي سر؟”
أمينة بصت لي، وبعدها رجعت بصت له.
“يا ابني… الليلة اللي ماتت فيها أمك، إنت ما كنتش الطفل الوحيد اللي خرج من الفيلا.”
ياسين اتجمد.
وأنا حسيت إن كل اللي عرفناه خلال السنة اللي فاتت كان مجرد بداية.
أمينة كملت، والدموع مغرقة وشها:
“كان فيه طفل تاني… طفل صغير جدًا… وأمك كانت مخبياه عن منصور من قبل الحريق بشهور.”
ياسين أشار بسرعة:
“مين الطفل ده؟”
أمينة فتحت بقها عشان ترد، لكن موبايلها رن فجأة.
بصت للشاشة، وشهقت.
كان رقمًا قديمًا محفوظًا باسم واحد بس:
ليلى.
إيد أمينة بدأت ترتعش، وياسين خطف نظره من الموبايل لوشها.
الرقم ده كان المفروض يكون خارج الخدمة من أربع عشرة سنة.
ومع ذلك، كان بيرن دلوقتي.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
أمينة ردت أخيرًا، ورفعت الموبايل على ودنها.
ما قالتش ألو.
فضلت ساكتة، ووشها بيبيض لحظة بعد لحظة.
وبعدين سمعت صوتًا جاي من الناحية التانية، صوت ست هادي، لكنه واضح.
صوت خلّى أمينة تنهار على أقرب كرسي.
“أمينة… أنا عارفة إنك لسه عايشة.”
ياسين خطف الموبايل من إيدها، وفتح مكبر الصوت.
الصوت كمل:
“أنا عارفة إن ياسين بقى كبير، وعارفة إنه عرف جزء من الحقيقة. بس فيه حاجة لازم يعرفها قبل ما منصور يموت.”
ياسين رفع إيده ناحية الموبايل، وكأنه بيحاول يتكلم مع الصوت نفسه.
“إنتِ مين؟”
سكت الصوت لحظات.
وبعدين قال:
“أنا الشخص اللي كان المفروض يموت في الحريق… لكن أمك ضحت بكل حاجة عشان تنقذني.”
ياسين بقى مش قادر يتحرك.
وأنا حسيت إن قلبي بيدق لدرجة إني مش سامعة أي حاجة حواليا.
الصوت رجع يتكلم:
“ياسين… أنا أختك.”
وبعدها الخط اتقفل.
فضل الموبايل في إيد ياسين، والشاشة بتنور وتطفي.
أمينة كانت بتعيط، وأنا واقفة مكاني، مش قادرة أصدق اللي سمعته.
ياسين بص لأمينة، وإيده اتحركت بصعوبة:
“أمي كان عندها بنت؟”
أمينة غطت وشها.
“أيوه.”
“ومحدش قالي؟”
ما قدرتش ترد.
ياسين رجع بص للصورة القديمة، وبعدها للرقم اللي ظهر على الشاشة.
وفي اللحظة دي، وصلته رسالة جديدة من نفس الرقم:
“لو عايز تعرف أنا مين، تعالى بكرة الساعة ستة الصبح لمحطة مصر في إسكندرية. وتعالى لوحدك. لأن لو منصور عرف إني رجعت، هيحاول يدفن الحقيقة للمرة الأخيرة.”
ياسين رفع عينيه ليا.
ما كانش فيهم خوف المرة دي.
كان فيهم وجع أكبر من كل اللي شافه.
أشار لي بإيده:
“هدى… أنا طول عمري فاكر إن أمي ماتت وسابتني لوحدي.”
سكت لحظة، وبعدها كمل:
“دلوقتي اكتشفت إنها يمكن تكون أنقذت حد تاني، وخبت عني وجوده عشان تحميه.”
مسكت إيده وقلت له بلغة الإشارة:
“مش لازم تواجه كل ده لوحدك.”
بص لي طويلًا، وبعدها هز راسه.
لكن قبل ما نقدر نتفق على أي حاجة، باب المركز اتفتح.
دخل راجل كبير في السن، لابس بدلة سوداء، ووشه متعب، وفي إيده ظرف أبيض.
كان منصور زهران.
وقف قدام ياسين، وبص له بعينين مليانين دموع.
وبعدين قال جملة واحدة:
“أوعى تروح المحطة بكرة يا ابني.”
ياسين اتجمد.
رفع إيده بسرعة:
“إنت عارف مين اللي اتصل؟”
منصور هز راسه ببطء.
“أيوه.”
ياسين أشار:
“وعارف إن أمي كان عندها بنت؟”
منصور نزل عينيه.
“أيوه.”
ياسين قرب منه، وإيده بتترعش من الغضب.
“مين هي؟”
منصور رفع عينيه أخيرًا، وقال بصوت مبحوح:
“هي مش أختك يا ياسين.”
الصمت نزل على المركز كله.
منصور كمل:
“هي بنتي أنا.”
وبعدين مد الظرف لياسين، وأضاف:
“والحقيقة اللي جوا الظرف ده… لو عرفتها، مش هتعرف تبص في وشي تاني طول عمرك.”
ياسين أخد الظرف ببطء.
فتح أول ورقة.
كانت شهادة ميلاد قديمة.
اسم الأب: منصور زهران.
واسم الأم…
هدى محمود عبدالسلام.
فضلت باصة لشهادة الميلاد، وبعدين رفعت عيني لمنصور وأنا حاسة إن الأرض بتتهد من تحتي.
اسمي كان مكتوب قدامي بالحروف، لكن عقلي رافض يصدق اللي شايفاه.
قلت بصوت مرتعش: “إيه الهزار السخيف ده؟ إنت جاي لحد هنا عشان تقول لي إنك أبويا؟ أنا أبويا اسمه محمود عبدالسلام، وأنا عارفة أمي وعارفة عيلتي!”
منصور نزل عينيه، وقال: “أنا عارف إنك مش هتصدقيني، وعارف إنك من حقك تكرهيني. لكن الورقة دي مش مزورة.”
ياسين خطف الشهادة من إيده، وبدأ يقارن البيانات المكتوبة فيها بالورقة التانية اللي كانت في الظرف. كل ما كان بيقرأ، ملامحه كانت بتتغير.
أشار لمنصور بغضب: “إنت قلت لي إن ليلى كانت أمك الوحيدة، وإن مفيش أي طفل تاني في حياتك!”
منصور رد بصوت مكسور: “أنا غلطت في حقكم كلكم.”
بصيت له وأنا بعيط: “إنت بتقول إني بنتك، طب أمي؟ أمي اللي ربتني وعلمتني وعاشت عمرها كله عشانّا؟”
منصور طلع من الظرف صورة قديمة لست شابة شايلة طفلة رضيعة، وبجانبها ليلى.
“أمك اللي ربتك هي أمك فعلًا يا هدى. هي اللي سهرت عليكي، وهي اللي ادتك اسمها وحنانها. لكن أمك اللي ولدتك كانت ليلى.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
ليلى، الست اللي قضت شهور بتحاول تحمي ياسين، كانت أمي أنا كمان؟
منصور كمل: “قبل ولادتك، ليلى اكتشفت إن فيه ناس من عيلتي بيدبروا مكائد عشان يسيطروا على كل حاجة. كانت خايفة إن أي طفل جديد يبقى وسيلة ضغط عليّا، وإن حياتكم تتحول لصراع على المال والنفوذ. بعد ولادتك، اتفقت مع أمك بالتربية إنها تاخدك وتربيكي بعيد عن كل ده.”
هزيت راسي وأنا مش قادرة أستوعب.
“طب ليه ما رجعتش ليا؟ ليه سابتني؟”
منصور سكت طويلًا، وبعدين قال: “لأنها ماتت قبل ما تقدر تصلح كل حاجة. كانت ناوية ترجعلك، وكانت مخبية رسالة ليكي.”
مد لي ظرفًا صغيرًا، مكتوب عليه اسمي بخط ليلى.
فتحته بإيدين مرتعشتين، وبدأت أقرا:
“بنتي حبيبتي هدى، لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا ما قدرتش أكون جنبك زي ما كنت أتمنى. أنا ما سبتكيش عشان مش بحبك، أنا بعدت عنك عشان كنت خايفة عليكي من عالم ما كنتش عايزاكي تعيشي فيه. كنت بتمنى أشوفك بتكبري، وأسمع ضحكتك، وأحضنك من غير خوف. سامحيني لو غيابي وجعك، واعرفي إنك كنتِ دايمًا بنتي، حتى في الأيام اللي ما كنتش قادرة أشوفك فيها.”
انهرت في العياط.
ياسين قرب مني، وحط إيده على كتفي، وعينيه كانت مليانة دموع.
أشار لي: “إنتِ أختي يا هدى.”
بصيت لي، وابتسمت وسط دموعي.
“أيوه يا ياسين. وأنا مش هسيبك تواجه الحقيقة لوحدك.”
منصور قعد على الكرسي، وغطى وشه بإيديه.
“أنا مش طالب منكم تسامحوني. أنا بس عايزكم تعرفوا إن ليلى حاولت تحميكم، وإن أنا فشلت في إني أحميها.”
ياسين وقف قدامه وأشار: “الحماية مش إنك تخبي الحقيقة عن الناس اللي بتحبهم. الحماية إنك تقول لهم الحقيقة وتسيب لهم حق الاختيار.”
منصور هز راسه، وما حاولش يدافع عن نفسه.
في الأيام اللي بعدها، اتأكدت صحة الأوراق من خلال الفحوصات الرسمية، واتكشفت تفاصيل جديدة عن حياة ليلى والظروف اللي خلتها تبعد هدى عن البيت. واستمرت التحقيقات في قضية الحريق وإخفاء الأدلة، وكل شخص كان مسؤولًا عن جريمة اتحاسب على قد اللي أثبتته التحقيقات والقانون.
أما هدى، فاحتاجت وقت طويل عشان تتقبل إن حياتها فيها جزء كامل ما كانتش تعرف عنه حاجة. لكنها ما تخلتش عن أمها اللي ربتها، ولا سمحت لأي حد يقلل من مكانتها في قلبها.
قالت لياسين في يوم وهما قاعدين في مركز ليلى: “أنا عندي أمين، مش أم واحدة. واحدة جابتني للدنيا، وواحدة عاشت عمرها كله عشان تخليني أقف على رجلي.”
ياسين ابتسم، وأشار: “وأنا بقي عندي أخت كنت فاكر إن عمري ما هشوفها.”
ضحكت هدى، ولأول مرة من أيام طويلة، حسّت إن قلبها بدأ يهدى.
بعد شهور، وقفوا هما الاتنين قدام صورة ليلى في المركز، وحطوا تحتها رسالة قصيرة:
“إلى ليلى، اللي حاولت تحمي ولادها حتى وهي بعيدة عنهم. يمكن الحقيقة اتأخرت، لكن حبك وصل.”
منصور ما رجعش زي الأول، وما طلبش من ولاده ينسوا اللي حصل. فضل يتحمل نتيجة اختياراته، وبدأ يصلح اللي يقدر عليه من غير ما يفرض عليهم مسامحته.
أما هدى، فاختارت تكمّل شغلها في المركز، وتساعد الأطفال الصم وأهاليهم، لأنها فهمت إن لغة الإشارة مش مجرد حركات بالإيد، لكنها وسيلة تخلي الإنسان يقول اللي جواه حتى لو العالم كله مش سامعه.
وفي مساء هادي على كورنيش إسكندرية، وقفت هدى جنب ياسين، والبحر قدامهم ممتد لآخر الأفق.
أشار لها ياسين: “فاكرة أول ليلة في المطعم؟”
ابتسمت: “لما أبوك قال لي أسألك عايز ستيك ولا علبة ألوان؟”
ضحك ياسين، وأشار: “لو كنتِ ما رديتيش عليّا الليلة دي، كان ممكن أفضل فاكر إن مفيش حد في الدنيا هيفهمني.”
مسكت إيده وقالت: “وأنا لو ما اتعلمتش لغة الإشارة عشان يوسف، يمكن ما كنتش قابلتك أصلًا.”
فضلوا واقفين يتفرجوا على الموج، وكل واحد فيهم بيفتكر أخوه وأمه والسنين اللي ضاعت وسط الأسرار.
لكن المرة دي، ما كانوش بيبصوا للماضي بخوف.
كانوا بيبصوا للمستقبل بإيدين مفتوحة، وقلوب بدأت تتعلم إن العيلة مش مجرد اسم بيتكتب في شهادة ميلاد، وإن الحقيقة مهما اتأخرت، تفضل أرحم من عمر كامل من الكذب.
وفي النهاية، هدى ما اكتشفتش بس إنها بنت ليلى وأخت ياسين، لكنها اكتشفت إن أكبر معركة في حياتها ما كانتش مع منصور زهران ولا مع أسرار الماضي، بل مع الخوف اللي كان بيحاول يقنعها إن الحقيقة هتسلب منها كل حاجة.
الحقيقة وجعتها، لكنها في المقابل رجّعت لها جزءًا من حكايتها، وفتحت لها بابًا لعيلة جديدة، من غير ما تمسح حب العيلة اللي ربتها.
وعلى باب مركز ليلى، فضلت الجملة اللي اختارها ياسين وهدى مع بعض:
“مش كل اللي ما بيسمعش محتاج صوت، ومش كل اللي ساكت معناه إنه مش عارف الحقيقة. ساعات، كل اللي الإنسان محتاجه هو حد يقف قدامه، يبص في عينيه، ويسأله: إنت عايز تقول إيه؟”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى