
سمعت صوت ياسين.
“مريم!”
بصت له.
كان بيحاول يحرك الكرسي.
لكن عجلة الكرسي علقت في طرف السجادة.
مد إيده ناحية الحافة.
“تعالي!”
جريت عليه.
“إيه؟”
“طلّعيني من هنا.”
“فين؟”
“ورا الحيطة.”
مريم مسكت الكرسي من الخلف وحاولت تحركه.
كان تقيل جدًا.
“مش قادره!”
“شدّي!”
شدت بكل قوتها.
الكرسي اتحرك فجأة.
لكن في نفس اللحظة، صوت قوي اتسمع.
مريم اتخضت.
ياسين مد إيده بسرعة وسحبها ناحيته.
جسمها وقع فوق صدره.
ثانية واحدة…
بس ثانية واحدة…
والاتنين سكتوا.
مريم رفعت وشها.
عينيها وقعت في عينيه.
كان قريب منها جدًا.
ولأول مرة شافت الخوف الحقيقي في عينه.
مش خوف على نفسه.
خوف عليها.
قال بصوت واطي:
“إنتِ اتأذيتي؟”
هزت راسها.
“لأ.”
“متأكدة؟”
“أيوه.”
فضل ماسك دراعها لحظة، وبعدين سابه.
وقال:
“كويس.”
بعد دقائق…
رجالة ياسين قدروا يسيطروا على الموقف.
اتنين من المهاجمين اتقبض عليهم.
واحد هرب.
والرابع كان واقع على الأرض ومصاب.
الحاجة زينب دخلت وهي مرعوبة.
“يا ساتر يا رب!”
مريم قامت بسرعة.
“أنا كويسة يا حاجة.”
الحاجة زينب بصت لياسين.
“وإنت يا ابني؟”
“أنا كويس.”
لكن ياسين كان لسه باصص لمريم.
الحاجة زينب لاحظت.
وسكتت.
بعد ما خرج كل الناس من الأوضة، فضل ياسين ومريم لوحدهم.
قال لها:
“تعالي.”
قربت.
“نعم؟”
“اقعدي.”
قعدت على الكرسي المقابل.
سألها:
“إنتِ شوفتي إيه؟”
“إيه؟”
“الراجل.”
“شوفت إيه يعني؟”
“لاحظتي إنه كان مركز على الدرج.”
“آه.”
“إزاي؟”
مريم فكرت شوية.
وبعدين قالت:
“أنا شغلي في البيت كله ملاحظة.”
ابتسم.
“بس إنتِ خدامة.”
مريم بصت له بثبات.
“الخدامة مش معناها غبية.”
سكت ياسين.
وبعدين ابتسم لأول مرة ابتسامة حقيقية.
“عندك حق.”
مريم قامت.
“لو محتاج حاجة…”
“استني.”
وقفت.
قال:
“من النهارده مش هتشتغلي خدامة.”
بصت له باستغراب.
“أمال هشتغل إيه؟”
“مساعدة شخصية.”
“أنا؟”
“أيوه.”
“بس أنا ماعرفش…”
قاطعها:
“أنا اللي هعلمك.”
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
“والمرتب؟”
ياسين رفع حاجبه.
“المرتب هيبقى أضعاف اللي كنتِ بتاخديه.”
مريم عينيها لمعت.
“بجد؟”
“بس في شرط.”
“إيه؟”
قرب الكرسي منها وقال:
“ممنوع تمشي من البيت ده من غير ما تبلغيني.”
مريم اتجمدت مكانها.
“يعني إيه؟”
نظر لها بجدية.
“اللي حصل النهارده مش هيتكرر.”
“وأنا مالي؟”
“بقيتي مالي.”
قلبها دق بسرعة.
مافهمتش هو قصده إيه.
لكن ياسين كان عارف حاجة هي لسه ماتعرفهاش.
اللي حصل النهارده…
ماكانش موجه ليه.
كان موجه لها.
والسبب الحقيقي…
كان موجود جوه بيت الشناوي من قبل ما مريم تدخل البيت بأيام.
وفي نفس الليلة، بعد ما الكل نام…
الحاجة زينب دخلت أوضة ياسين بهدوء.
وقفت قدامه وقالت:
“يا ابني… لازم تعرف الحقيقة.”
ياسين رفع عينه.
“حقيقة إيه؟”
الحاجة زينب قفلت الباب وراها.
وقالت:
“مريم مش جاية البيت ده علشان الشغل.”
ياسين سكت.
“أمال جاية ليه؟”
الحاجة زينب قربت منه، وصوتها بقى واطي جدًا:
“علشان أمها كانت واحدة من الناس اللي كانوا شغالين مع أبوك زمان.”
ياسين اتجمد.
“أمها؟”
“أيوه.”
“واسمها إيه؟”
الحاجة زينب بصت له في عينه وقالت:
“فاطمة عبد الرحمن.”
اتغير وش ياسين بالكامل.
لأن الاسم ده…
كان فاكره مدفون من أكتر من عشرين سنة.
والأخطر من كده…
إن فاطمة كانت آخر واحدة شافها أبوه قبل وفاته.
ياسين فضل ساكت كأنه اتشل.
اسم “فاطمة عبد الرحمن” كان كفيل يرجّع له حاجات عمره ما حب يفتكرها.
ليلة وفاة أبوه.
الفوضى.
والتوتر اللي عمّ البيت.
وصوت أبوه وهو بيقول له قبل رحيله:
“إوعى تثق في حد… حتى اللي فاكرهم أهل بيتك.”
ياسين رفع عينه للحاجة زينب.
“إنتِ متأكدة؟”
“متأكدة.”
“ومريم تعرف؟”
“لأ.”
“وأمها كانت بتشتغل عند أبويا؟”
الحاجة زينب هزت راسها.
“كانت ممرضة في المستشفى اللي كان أبوك بيروح لها زمان. وبعد موته اختفت.”
ياسين سأل بسرعة:
“اختفت إزاي؟”
الحاجة زينب اتنهدت.
“مشيت من القاهرة في نفس الليلة.”
“ومريم؟”
“كانت طفلة صغيرة.”
ياسين مرر إيده على وشه.
“طب ليه رجعت دلوقتي؟”
الحاجة زينب سكتت.
وده اللي خلى ياسين يقلق أكتر.
“زينب.”
“في حاجة تانية.”
“قولي.”
قالت بصوت واطي:
“قبل ما أم مريم تموت، سابت عندي أمانة.”
ياسين رفع حاجبه.
“أمانة إيه؟”
الحاجة زينب طلعت ظرف قديم من شنطتها.
كان لونه أصفر من الزمن.
حطته قدامه.
ياسين مد إيده وفتحه.
جواه صورة قديمة.
رجل في الأربعينات، واقف جنب عربية سوداء.
ياسين عرفه فورًا.
أبوه.
وبجانبه امرأة شابة.
فاطمة.
لكن في الصورة كان فيه شخص ثالث.
راجل واقف في الخلف، وشه شبه متغطي.
ياسين قرب الصورة من عينه.
“مين ده؟”
الحاجة زينب قالت:
“مش عارفة.”
قلب الصورة.
كان مكتوب وراها بخط إيد:
“لو حصل لي حاجة… الشخص ده هو اللي بدأ كل حاجة.”
ياسين سكت.
وبعدين سأل:
“ليه ماقولتيليش من زمان؟”
الحاجة زينب عينيها دمعت.
“علشان أم مريم وصتني ما أقولكش غير لما تكون مريم دخلت بيتك بنفسها.”
ياسين رفع عينه.
“يعني إيه؟”
“قالتلي إن مريم لازم تقرب منك.”
“ليه؟”
الحاجة زينب ردت:
“علشان هي الوحيدة اللي معاها الحاجة اللي الناس دي بقالها سنين بتدور عليها.”
ياسين اتوتر.
“إيه الحاجة دي؟”
الحاجة زينب هزت راسها.
“مش عارفة.”
في اللحظة دي…
صوت خفيف جه من بره الأوضة.
الاتنين بصوا ناحية الباب.
ياسين قال:
“مين هناك؟”
ماحدش رد.
الحاجة زينب فتحت الباب بسرعة.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض…
كان فيه ظرف أبيض صغير.
ياسين بص له.
الحاجة زينب التقطته وناولته له.
كان مكتوب عليه:
“إلى ياسين الشناوي.”
فتح الظرف.
جواه ورقة واحدة.
قرأ أول سطر…
وفجأة ملامحه اتغيرت.
الحاجة زينب سألته:
“في إيه؟”
ما ردش.
ناولها الورقة.
كان مكتوب:
“لو مريم لسه عايشة، يبقى هم عرفوا مكانها.”
الحاجة زينب شهقت.
وفي نفس اللحظة…
من الدور التاني اتسمع صوت صرخة.
صرخة مريم.
ياسين حاول يقوم من الكرسي.
جسمه رفض.
ضرب بإيده على ذراع الكرسي بعصبية.
“مريم!”
الحاجة زينب جريت ناحية السلم.
وياسين فضل يحاول يحرك الكرسي بأقصى قوته.
لكن قبل ما يوصلوا…
اتسمع صوت باب بيتفتح.
وبعدين صوت راجل غريب:
“أخيرًا لقيناها.”
مريم كانت واقفة في آخر الممر.
وشها أبيض من الخوف.
قدامها راجل لابس أسود.
وفي إيده صورة قديمة.
رفع الصورة قدامها وقال:
“إنتِ شبه أمك أوي.”
مريم رجعت خطوة.
“إنت مين؟”
ابتسم.
“أنا واحد أمك كانت بتخاف منه.”
“أمي ماتت.”
“عارف.”
قرب منها خطوة.
“وعلشان كده… دوري جه عليكي.”
وفجأة ظهر ياسين عند أول السلم.
كان الكرسي بيتحرك بسرعة، والحاجة زينب بتجري وراه.
رفع عينه ناحية الراجل وقال بصوت هادي:
“سيبها.”
الراجل ضحك.
“إنت لسه فاكر إنك تقدر تأمر؟”
ياسين وقف الكرسي.
“أنا مش بأمرك.”
سكت لحظة.
“أنا بحذرك.”
الراجل رفع سلاحه.
لكن قبل ما يوجهه ناحية ياسين…
مريم وقفت قدامه.
وقالت:
“لو هتأذيه… لازم تعدي من عندي الأول.”
ياسين بص لها بصدمة.
“مريم! ابعدي!”
لكنها ما اتحركتش.
الراجل بص لها شوية.
وبعدين قال جملة خلت ياسين يتوتر:
“دلوقتي فهمت ليه أمك فضلت تحميكي.”
مريم اتجمدت.
“تحميني من إيه؟”
الراجل ابتسم.
“من الحقيقة.”
وساعتها…
انطفى نور البيت كله.
وفي الضلمة…
اتسمع صوت قوي واحد.
وبعدها صوت حاجة وقعت على الأرض.
ياسين صرخ:
“مريم!”
لكن محدش رد.
ولما النور رجع بعد ثواني…
الراجل اختفى.
ومريم…
ماكانتش موجودة.
يتبع…
#حكايات_شروق_خالد
#شائعة_في_الظلام



