روايات وقصص

خائن الإمبراطورية ج 2 #حكايات_شروق_خالد

“أحمد.. هاتلي ملف حادثة المرحومة من أرشيف النيابة.. فوراً! مش عاوز دقيقة تأخير، هاتلي الملف والمحاضر القديمة بكرة الصبح تكون على مكتبي!”

رجعت الفيلا.. المكان اللي كان دايماً بيهديني، بقى عامل زي المقبرة. دخلت المطبخ بالليل، لقيت النور مطفي.. افتكرت “وفاء” وهي قاعدة على الأرض بتاكل.. وافتكرت قد إيه ربنا سخر الشغالة الغلبانة دي في الساعات دي بالذات، عشان أكتشف السرقة، ومن السرقة أكتشف الخيط اللي هيوصلني لدم مراتي!

تاني يوم الصبح.. المحامي دخل عليا المكتب وهو ماسك ملف أصفر قديم، ووشه جايب ألوان.

“شاذلي بيه.. كلام عصام صح.”

أنا مسكت طرف المكتب عشان ما أقعش: “لقيت إيه يا أحمد؟”

“تقرير الصيانة بتاع المركز قبل الحادثة بيوم.. التوقيع بالاستلام توقيع عصام.. والمهندس اللي كتب التقرير إن الفرامل سليمة وقتها، اكتشفنا النهاردة إنه أخو مراته! وبحسابات البنك، اتحول له مبلغ كبير جداً بعد الحادثة بأسبوعين من حساب مجهول!”

غمضت عيني والدموع نزلت لأول مرة من سنتين.. دموع قهر وغضب.

“يعني هي ماتت بسبب جشعه؟”

“الملف اتفتح رسمياً تاني يا فندم، والنيابة وجهت له تهمة التسبب في القتل مع سبق الإصرار والترصد بجانب تهم الاختلاس والتزوير.. عصام مش هيشوف الشمس تاني.”

بعد شهرين..

كانت الجلسة الأخيرة في المحكمة. القاضي نطق بالحكم: الإعدام شنقاً لعصام الشاذلي.

أول ما سمعت الحكم، اتنفست لأول مرة من سنتين.. حسيت إن روح مراتي أخيرًا ارتاحت.

طلعت من المحكمة، وجمعت عمال الشركة كلهم في المقر الرئيسي.

وقفت قدامهم وقلت بصوت عالي:

“أي قرش اتسرق من أي عامل أو موظف في الشركة دي هيرجع مضروب في تلاتة. والشركة دي من النهاردة نص أرباحها هيروح لمؤسسة خيرية باسم المرحومة، ولرعاية عمال الشركة وأهاليهم.”

وفي نفس اليوم، فتحت باب الفيلا.. دخلت “وفاء” ولابسة نضيف، ووراها “سارة” و”محمود” بيلعبوا وبيضحكوا، ووالدتها الحجة قاعدة على الكرسي بتبتسملي.

وفاء بصتلي وقالت: “ربنا ينصرك يا بيه زي ما نصرتني ورجعتلي حقي وحق عيالي.”

ابتسمت لها وقلت: “إنتِ اللي أنقذتيني يا وفاء.. لولا حبة الرز اللي كنتِ بتاكليها في الضلمة، كان الزمان لسه غمي عينيا عن الحقيقة.”

#حكايات_شروق_خالد

مرت سنتين على يوم المحكمة.. الدنيا هديت، بس الحياة اتغيرت شكل ومضمون.

برج “الشاذلي جروب” ما بقاش مجرد مبنى زجاجي للشركات والأرقام؛ بقى اسمه “مؤسسة فريدة الشاذلي للخير والعدالة” على اسم المرحومة مراتي. نص أرباح الإمبراطورية بقى يروح بانتظام لدعم الأسر، ومساعدة أهالي العمال، وتوفير علاج شهري لكبار السن اللي زي الحجة أم وفاء.

في يوم، كنت قاعد في مكتبي في الشركة بالليل، براجع التقارير السنوية. الباب خبط خبطة خفيفة، ودخلت “وفاء”.

وفاء دلوقتي ما بقتش شغالة في الفيلا؛ أنا عينتها مسؤولة عن إدارة الشؤون الاجتماعية والرعاية العمالية في الشركة.. مين أكتر واحدة هتحس بالغلابة وعرقهم غير واحدة ذاقت المر؟

كانت ماسكة في إيدها كشف حساب، وحطته قدامي على المكتب بابتسامة:

“يا شاذلي بيه.. كشوفات السنة دي تمام، كل عامل أخد حقه ومرتبه مضاعف، ومفيش ولا قرش طالع بره السيستم إلا وفي مكانه.”

بصيت للكشف، وبعدين بصيتلها وقلت: “وعيالك يا وفاء؟ سارة ومحمود عاملين إيه في المدارس؟”

عينيا دمعت من الفرحة وهي بتقول: “سارة طلعت الأولى على المدرسة السنة دي، ومحمود بيلعب سباحة وبيقولي عاوز يطلع ظابط عشان يجيب حق المظلومين زي ما شاذلي بيه جاب حقنا!”

ضحكت من قلبي.. ضحكة حقيقية بقالي سنين ما ضحكتهاش.

“ربنا يحفظهم يا وفاء.. بس قوليلي، بتعملي إيه هنا المتأخر ده؟”

قالت بكسوف وهي بتهز راسها: “أصل السواق كان جاي يوصلني، قلت أعدي أجيبلك ده معايا..”

طلعت من شنطتها علبة صغيرة، فتحتها.. لقيت فيها طبق رز معمر سخن، وريحة السمنة البلدي طالعة منه تقلب الدماغ.

ابتسمت وقالت: “أنا عارفة إنك ما بتاكلش كويس بالليل.. قلت أردلك جُزء بسيط من خيرك، بس المرة دي أكل سخن وفي النور، مش في ضلمة المطبخ!”

أخدت منها المعلقة وأكلت.. ولأول مرة من سنين طويلة، حسيت بطعم الأكل، وحسيت إن البيت والشركة بقوا ملاذ آمن، وإن الضلمة اللي عشت فيها سنتين انزاحت تماماً.

عصام أخد جزاؤه، وروح “فريدة” ارتاحت بعد ما حقها رجع والخير بقى بيطلع باسمها كل يوم، و”وفاء” وعيالها بقوا عيلتي الجديدة اللي بتفكرني دايماً إن النور بيطلع حتى من أضلم الخزائن.

رفعت رأسي للسما وقلت: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.”

خائن الإمبراطورية

#حكايات_شروق_خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى