
عم إبراهيم هز رأسه بأسى وهو ماسك الدريكسيون بقوة، وعينيه متابعة الشارع الضلمة:
“إيمان اكتشفت بالصدفة إن طارق متورط في شبكة كبيرة لتهريب الأدوية المغشوشة وغسيل الأموال، وشركة المحاماة بتاعة شريف كانت هي الواجهة. لما هددته إنها هتبلغ عنه وعن شريف، اتخلص منها وطلعها حادثة عربية… بس ما كانش يعرف إن إيمان كانت أذكى منه بكتير.”
رقية تحركت في حضني، وفتحت عينيها الصغيرين تبصلي.
عم إبراهيم كمل كلامه: “إيمان كانت عارفة إن عمرها قصير، فحقنت التشفير الرقمي تحت جلد رقية، وخبت الهارد ديسك الأصلي في مكان محدش يتوقعه… والكلمة السرية نبرة صوتك أنتِ بالذات. طارق كان مجنونه البكاء بتاع البنت، وجاب أربع مربيات عشان كان فاكر إن فيه وحدة فيهم تقدر تنطق الاسم بالصدفة أو تكتشف السر، ولما أنتِ جيتي والمكتب بعتك، الخطاطيف كلها شبكت في بعضها.”
“طب والراجل اللي كان جوه الفيلا؟” سألته وأنا إيدي بترعش على دراع رقية.
“ده شريك شريف المقتول، جاي يلحق نصيبه قبل ما طارق يهرب بالهارد ديسك ويغفلهم كلهم. طارق كان بيمثل إنه مصدوم قدامك عشان يخليكِ تفتحي الشفرة بنفسك وهو ياخد كل حاجة.”
فجأة، نور عالي وقوي جداً ضرب في المراية الوراانية بتاعة العربية النقل!
عربية دفع رباعي سوداء كبيرة ظهرت من الضلمة، وكانت ماشية بأقصى سرعة وجاية في ضهرنا بالظبط… خبطت صاج عربيتنا من ورا بعنف زلزلنا!
“مسكوا طريقنا!” زعق عم إبراهيم وهو بيحاول يسيطر على الدريكسيون.
العربية السوداء غرزت جنبنا، والزجاج بتاعها نزل… وظهر منه وش طارق! وشه كان كله دم، وعينيه مليانة جنون وشر.
طارق زعق بصوت يرعب طالع من الشباك وسط صوت المطر:
“افتحي الباب يا أميرة وهاتي البنت! مش هسيبك تاخدي تحويشة عمري ورقية مني!”
طارق لف عربيته وكسر علينا عشان يزق عربية عم إبراهيم بره الطريق الناحية التانية… ناحية الترعة!
عم إبراهيم بصلي وقال بصوت ثابت رغم الرعب:
“أميرة… الهارد ديسك متخبي في السلسلة اللي في رقبتك! إيمان بعتتهالك في المظروف القديم من تلات سنين وقالتلك دي هدية… افتكري!”
افتكرت في ثانية! السلسلة الفضة القفل بتاعها كان غريب… ده ما كانش فص، ده كان الميموري كارد الأصلي!
عم إبراهيم داس فرامل فجأة وبكل قوته!
العربية السوداء بتاعة طارق سبقتنا بلمح البصر نتيجة السرعة، وعم إبراهيم كسر الدريكسيون الناحية التانية، عربية طارق التفت حولين نفسها على الإسفلت المبلول وطارت في الهواء… ولفت تلات لفات قبل ما تقع بظهرها جوه مية الترعة العميقة بصوت انفجار مكتوم!
المكان هدي تماماً… ما فيش غير صوت المطر المنتظم وصوت نفسي ونفس عم إبراهيم.
العربية النقل وقفت على جانب الطريق. عم إبراهيم بص ورا على الترعة، وبعدين بصلي والتفت لرقية اللي كانت ساكتة خالص في حضني وكأنها عارفة إن الكابوس انتهى.
“كده خلاص يا أميرة…” عم إبراهيم قالها وهو بينهج، “طارق وسره راحوا. والمستندات اللي معاكي في السلسلة دي هتروح للنيابة بكرة الصبح… وحق إيمان هيرجع، ورقية هتتربى في أمان مع أكتر واحدة أمها كانت تثق فيها في الدنيا.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.
ضميت رقية لصدري وبست رأسها الصغيرة، وهمست في ودنها بالراحة:
“خلاص يا رقية… حق أمك رجع، وأنا عمري ما هسيبك.”
#حكايات_شروق_خالدبعد أسبوعين…
الشمس كانت طالعة دافية في الصبحية، المطر والضلمة بتوع الليلة إياها بقوا مجرد كابوس بعيد.
كنت قاعدة في مكتب وكيل النيابة في القاهرة، ورقية نايمة في حضني بهدوء. السلسلة الفضة اللي إيمان بعتتهالي من تلات سنين كانت محطوطة على المكتب، ومعاها الميموري كارد الدقيق اللي فكوه، والتقرير الطبي الشرعي للبصمة الرقمية اللي على معصم رقية.
وكيل النيابة بصلنا، وهز رأسه بتقدير وهو بيلف الملف الإسود الكبير:
“التحقيقات اتنفت تماماً يا أميرة. الملفات اللي كانت على الكارت فيها كل إثباتات شبكة الأدوية المغشوشة، وأسماء الشركاء كلهم بالكامل… والشرطة قبضت على باقي العصابة في أقل من 48 ساعة.”
أخدت نفس عميق، وحسيت بحمل جبل ينشال من على صدري.
كمل كلامه وهو بيبتسم لرقية:
“وبالنسبة لـ طارق… فرق الإنقاذ طلعت العربية من الترعة بعد يومين، والتقارير أكدت وفاته. وبما إن إيمان الله يرحمها كانت كاتبة كل أملاكها باسم رقية تحت وصاية شرعية تختارها هي في الوصية… فالنيابة اعتمدت وصيتها رسمياً.”
فتحت المظروف الرسمي اللي كان قدامي… إيمان كانت كاتبة اسمي أنا، “أميرة”، كوصي وصاحب الحق الكامل في تربية رقية وإدارة كل حاجة تخصها لحاد ما تكبر.
خرجت من مبنى النيابة وأنا ماسكة إيد عم إبراهيم، ورقية ملفوفة في لفتها البيضا.
مشينا في بيت صغير هادي في المنصورة، قمت بأجرته قريب من الشارع اللي كبرنا فيه أنا وإيمان وإحنا صغيرين.
في أول ليلة في البيت الجديد، قعدت جنب السرير الصغير بتاع رقية. البنت فتحت عينيها الواسعين، وبصتلي بنفس النظرة اللي كانت إيمان بتبصلي بيها لما كنا أصحاب.
ابتسمت، ومسدت بالراحة على الحسنة اللي على شكل هلال في معصم إيدها الصغير، وهمستلها بصوت دافي:
“نامي يا رقية… خلاص، الصعب كله عدى، وأمينة راحت في مكان أحسن بكثير… وأنا هنا ومش هسيبك أبداً.”
رقية ابتسمت ابتسامة صغيرة أوي، وغمضت عينيها وراحت في نوم عميق ورايق… لأول مرة من يوم ما اتولدت.
صرخة في الظلام
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



