روايات وقصص

حكايات شروق خالد ج 1

كانت مجبرة على خدمة   — وما رأته في الحمام غيّر كل شيء كانت مياه الحمام سخنة لدرجة إنها كانت ممكن تحرقه، ومع ذلك ما أظهرش ياسين الجبالي أي رد فعل. ثم فتحت مريم عبد الرحمن الحنفية الباردة — وفجأة رجله اليمين اتحركت بعيد. راجل مشلول من صدره لتحت ما كانش المفروض يعمل كده. البخار ملأ حمام الدور التالت في قصر الجبالي، لدرجة إن المرايات اختفت تمامًا.

وقفت مريم عند باب الحمام، وهي حاضنة ست فوط متنية على صدرها، وحاولت تفتكر بالظبط إيه الغلطة اللي عملتها وخلتها توصل للمكان ده. قبل ست أيام، كانت اتعيّنت عشان تنظف أوض الدور الأرضي. مش أوض النوم. ولا المكاتب. وبالتأكيد مش الدور التالت الخاص بياسين الجبالي، رجل الأعمال اللي عنده تسعة وتلاتين سنة، واللي كانت الصحف بتسميه رجل أعمال كبير في مجال النقل والموانئ، بينما رجال النيابة كانوا بيوصفوه بكلام تاني خالص لما الميكروفونات تكون مقفولة.

كل القاهرة كانت تعرف اسم عيلة الجبالي. الجانب القانوني من العيلة كان بيمتلك شركات نقل، ومخازن، وشركات شحن، وأراضي كتير حوالين الميناء، ونفوذ يخلي ناس كتير في البلدية ترد على مكالماتهم بسرعة. أما الجانب غير القانوني من أعمالهم، فمحدش كان بيتكلم عنه بشكل واضح. كانوا بيقولوا إن في حاويات بتعدي من الميناء من غير تفتيش. وكانوا بيقولوا إن أصحاب مكاتب المراهنات بيدفعوا فلوس مقابل الحماية.

المصدر: منصه بوف نيوز — وكانوا بيقولوا إن أي حد يستلف فلوس من الشخص الغلط، ممكن يختفي فجأة من القاهرة من غير ما حتى يقول لصاحب البيت اللي ساكن فيه. مريم ما كانتش تعرف أنهي شائعة فيهم كانت حقيقية. كل اللي كانت تعرفه إن الرجالة الكبار في قصر الجبالي كانوا بيخفضوا صوتهم لما يتكلموا. وإن ياسين الجبالي بقاله أربعة عشر شهر قاعد على كرسي متحرك.

— اخرجي. جاء صوته من وسط البخار. شدت مريم الفوط أكتر على صدرها. — يا فندم، مدام داليا قالت إن الفوط دي مطلوبة. — يبقى سيبيها وامشي. كان المفروض تمشي. هي محتاجة الشغلانة دي جدًا، ومش ناقصة تختبر أعصاب راجل سمعته لوحدها كانت كفاية تخلي ممر كامل يفضى من الناس.

لكن كان في حاجة غلط في الحمام. مش خطيرة بالطريقة اللي كان ياسين نفسه خطير بيها. كانت حاجة طبية. حاجة مألوفة بالنسبة لها. مريم كانت اشتغلت ست سنين في دور رعاية ومراكز علاج وتأهيل، قبل ما غلطة في إعطاء دواء تنهي شغلها وتخليها تخسر مستقبلها.

لكن التدريب اللي اتعلمته فضل موجود في إيديها، حتى لو الورق الرسمي أخد منها مهنتها. الحمام كان سخن زيادة. مش مجرد بخار. كان حر شديد. قربت خطوة.

كان ياسين قاعد في بانيو علاجي واسع جنب الشباك، كتافه ودراعاته فوق المياه. الجزء العلوي من جسمه كان قوي وواضح، جسم راجل كان زمان بيستخدم قوته من غير ما يفكر. لكن من تحت ضلوعه، مفيش أي حاجة كانت بتتحرك. لف وشه ناحيتها شوية. — إنتِ مفهمتيش كلامي؟ — لا يا فندم. — أمال ليه لسه واقفة هنا؟

حطت مريم الفوط على جنب. البخار لف على وشها. نزلت على ركبتها جنب البانيو، وحطت الجزء الداخلي من معصمها في المياه. الحرارة لسعتها فورًا. سحبت إيدها بسرعة. — عشان المياه سخنة أوي. ملامحه ما اتغيرتش. — أنا كويس. — لأ، حضرتك مش كويس. — أنا مش حاسس بيها. — وده بالظبط اللي مخليها خـ،،طـــ،ـر.

الكلام ده لفت انتباهه. مش بشكل كبير. لكن عينيه اتحركت ناحية وشها. عينين رمادي غامق. باردة. وبراقب كل حاجة بدقة. مدت مريم إيدها فوق البانيو وفتحت الحنفية الباردة. اندفع الميه جنب رجله اليمين. وفجأة رجله اتحركت بعيد. الحركة ما كانتش عنيفة. يمكن ست بوصات. أو أقل. لكنها كانت كفاية. مريم حبست نفسها.

فضلت تبص على رجله. صوابع رجله اتحركت لورا. وكاحله اتحرك معاها. وفجأة ملامح ياسين اتغيرت. لأول مرة من ساعة ما دخلت قصر الجبالي، شافت الـ،،خـ،ـو،،ف في عينيه. مش اندهاش. خـ،،و،،ف. وده قال لها حاجة أسوأ بكتير. هو كمان كان لاحظ حاجات قبل كده… لكن كان مخبيها عن الكل.

#حكايات_شروق_خالد
مريم فضلت باصة على رجله، وبعدين رفعت عينيها ببطء على وشه. — حضرتك… حسيت؟ ياسين ما ردش. فضل ساكت وهو بيبص لها بنظرة خلت قلبها يدق أسرع. — أنا شفت رجلك اتحركت. — إنتِ شوفتي غلط. — لأ. قالتها بثبات. — أنا شغلت الحنفية الباردة، ورجلك اتحركت قبل ما ألحق حتى أتكلم

المصدر: منصه بوف نيوز — قبض ياسين على حافة البانيو بإيده. — انتي مش فاهمة حاجة. — أنا اشتغلت في مركز تأهيل ست سنين. — وده معناه إيه؟ — معناه إني عارفة الفرق بين حركة عشوائية وبين استجابة عصبية. سكت. مريم قربت منه خطوة. — حضرتك مش فاقد الإحساس بالكامل.

رفع عينيه لها. ولأول مرة شافت حاجة غريبة في نظرته. مش غضب. كان تحـ،،ذ،،يـ،ـر. — لو عايزة تفضلي عايشة، انسي اللي شوفتيه. تجمدت مكانها. — حضرتك بتهددني؟ — أنا بحذرك. — من مين؟
قبل ما يرد، سمعوا صوت خطوات جاية من بره. اتغيرت ملامح ياسين فورًا. — اخرجي من الحمام. — بس—— دلوقتي! مريم قامت بسرعة وخطفت الفوط. وفي نفس اللحظة، الباب اتفتح. دخلت داليا، مديرة المنزل، وهي بتبص لمريم باستغراب. — إنتِ لسه هنا؟

مريم بصت لياسين. كان وشه رجع بارد زي الأول. ولا كأنه حصل أي حاجة. — كنت بحط الفوط يا مدام داليا. — طب اطلعي. خرجت مريم وقلبها بيخبط في صدرها. لكن قبل ما الباب يقفل، سمعت صوت ياسين. — داليا. — أيوه يا فندم؟ — ممنوع أي حد يدخل الحمام ده تاني غير مريم.

المصدر: منصه بوف نيوز — مريم وقفت مكانها. داليا نفسها اتفاجئت. — مريم؟ — أيوه. — ليه؟ صوت ياسين جه هادي جدًا. — لأنها الوحيدة اللي عرفت إن الميه سخنة. وبعدين سكت لحظة. — والوحيدة اللي لاحظت رجلي. مريم حسّت بقشعريرة في جسمها. هو قالها بصوت منخفض، لكن كان واضح إنه بيتكلم عن حاجة أكبر من مجرد حمام.

في نفس الليلة، مريم ما قدرتش تنام. الأوضة الصغيرة اللي خصصوها لها في آخر الممر كانت هادية، لكن عقلها كان مليان أسئلة. ليه ياسين الجبالي، الراجل اللي كل الناس بتقول إنه مشلول، حس بالمياه؟ وليه كان خايف إنها تعرف؟ وليه طلب إنها هي بالذات اللي تخدمه؟

فتحت مريم درج الكومودينو عشان تحط موبايلها، لكن سمعت صوت خفيف عند الباب. تجمدت. حد كان واقف بره. مريم قربت من الباب وبصت من الفتحة. الممر كان فاضي. فتحت الباب. ما كانش فيه حد. لكن على الأرض قدام أوضتها كان في ورقة صغيرة. انحنت وأخدتها. فتحتها. وكان مكتوب فيها بخط واضح:

“لو عايزة تعرفي الحقيقة عن شلل ياسين الجبالي… متثقيش في أي حد في البيت.”
مريم حسّت إن الـ،،د،،م انسحب من وشها. بصت يمين وشمال. وبعدين قفلت الباب بالمفتاح. في اللحظة دي، سمعت صوت تليفونها. رقم مجهول. ردت وهي مترددة. — ألو؟ ما جاش رد. — ألو؟ صوت راجل جه واطي جدًا. — إنتِ شوفتي رجله، صح؟

مريم ما قدرتش تتكلم. — اسمعيني كويس… لو ياسين عرف إنك استلمتي الورقة، حياتك هتخلص. وقبل ما تسأله مين هو، الخط اتقفل. مريم فضلت واقفة مكانها والموبايل في إيدها. لكنها ما كانتش تعرف إن الشخص اللي كلمها كان واقف في نفس اللحظة.

.. قدام باب مكتب ياسين.دخل الرجل بهدوء. — عملت اللي طلبته. ياسين كان واقف عند الشباك. واقف. من غير كرسي. من غير مساعدة. رجليه ثابتة على الأرض. استدار ببطء. — هي شافت؟ — أيوه. — وصدقت؟

ابتسم الرجل. — أعتقد إنها بدأت تشك. ياسين سكت. ثم قال: — كويس. الرجل اتفاجئ. — كويس؟ — أيوه. — بس حضرتك قلت إن محدش لازم يعرف. ابتسم ياسين لأول مرة. ابتسامة باردة. — مريم مش زي الباقيين. — يعني إيه؟ — يعني أنا محتاج حد يشوف الحقيقة. — وليه هي؟
بص ياسين ناحية الباب. — عشان اللي حصل من أربعة عشر شهر ما كانش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى