روايات وقصص

الظلام ج1 حكايات شروق خالد

الممرضة اللي خاطرت بحياتها عشان مريض مشلول الكل اتخلى عنه — بس لما الجناح الخاص في مستشفى “دار الشفا” كان ليه هدوء من نوع خاص — هدوء غالي، متبع ومصنوع بالفلوس، الهدوء بتاع الناس اللي معاها فلوس تكفي عشان تخفي أكبر أخطائها ورا الرخام والأبواب المقفولة. أمل كانت شغال في الجناح ده بقالها تمان شهور، وطول الفترة دي عمرها ما سمعت حد بيرفع صوته فوق الهمس.

أما مريضها في الأوضة 419 فماكانش ليه صوت أصلاً.

الورق الرسمي كان مسميه مصطفى العوضي. عنده واحد وتلاتين سنة.  عربية خبطته وجريت على الطريق السريع. ماكانش بيقدر يتكلم، ولا يحرك حتى صباع واحد. جهاز التنفس الصناعي هو اللي بيتنفس بداله، وصوته المنتظم الهادي بقى بالنسبة لأمل هو صوت سنة كاملة من حياتها.

بس هي بطلت تصدق قصة عربية خالص. كانت شكل حاجات دخلت جسمه بسرعة عالية وخرجت من الناحية التانية — تلات مرات متفرقين. أمل قضت ليالي كفاية في أقسام الطوارئ تخليها تعرف جروح الرصاص المتغطية ومتموهة. بس في الجناح الخاص بدار الشفا، الممرضات بياخدوا مرتبات كبيرة مخصوص عشان ما يسألوش الأسئلة دي، وأمل كانت محتاجة الفلوس جداً وماكانتش تقدر تغامر بشغلها عشان مجرد الفضول.

بس اللي ماقدرتش تمنع نفسها منه، هو إيمانها بأنه لسه حاسس وواعي جوه جسمه ده.

عملت معاه روتين خاص، بنته ببطء على مدار تمان شهور من غير ما تاخد قرار واضح بكده. كل يوم الصبح كانت بتعرفه بنفسها من جديد، وكأنها خايفة يكون نسيها طول الليل، مع إن جزء جواها كان حاسس إنه عمره ما بينسى أي حاجة. كانت بتقوله على التاريخ، والجو، وأي تفصيلة صغيرة اتغيرت في بره من امبارح. وكانت بتحكيله حتت من حياتها الشخصية — خناقتها مع صاحب الشقة، خفريتها اللي طولت، والموقف البايخ لما بطارية عربيتها نامت في جراج المستشفى اللي بياخد أربعة جنيه في الساعة. ماكانتش عارفة إذا كان أي حاجة من دي بتوصله ولا لأ، بس كانت بتعمل كده وخلاص، لأن البديل كان إنها تعامله كأنه بيت مهجور زي ما الكل بيصر، وده شيء جواها رفضه تماماً أعمق بكثير من مجرد واجبها المهني.

بدأت تكتب كشكول خاص بيها، بره ملفه الطبي الرسمي، شايلاه في الدولاب بتاعها. كل تغيير صغير كان بيتكتب فيه — اليوم اللي حدقة عينه انقبضت فيه أسرع بنصف ثانية لما نورت النور العالي، أو اليوم اللي ضربات قلبه زادت فيه من 72 لـ 94 في اللحظة اللي  جابت فيها سيرة “بتتكلمي معاه تاني يا أمل؟”

الدكتور فاروق حلمي كان واقف وساند على باب الأوضة 419 ومربع إيديه، والساعة الغالية في إيده بتلمع تحت النور. كان رئيس قسم الأعصاب في الجناح، وطول تمان شهور أمل عمرها ما شافته بيمس مريض من غير ما يبص في ساعته، وكأن كل دقيقة بيبذلها مع  من حاجة تانية بتجيب فلوس أكتر.

قالت وهي مش باصة له ومكملة تظبيط المحلول: “هو سامعني.”

رد فاروق بنبرة فيها كل الزهق بتاع واحد بيكرر كلام حافظه: “عنده وظائف مخ بدائية جداً، مش أكتر. حركة عينيه دي مجرد رد فعل لا إرادي، وضربات قلبه العشوائية دي استجابة عصبية تلقائية. مفيش حد جوه يا أمل. مفيش حد جوه من سنة كاملة.”

“عينيه بتابع الحركة.”

“حاجة لا إرادية.” فاروق بص في الورق اللي في إيده وهو بيتحرك عشان يشوف شغله: “وده بصراحة ما بقاش يفرق خلاص. هو هيتنقل.”

إيد أمل اتسمرت على الخرطوم: “هيتنقل فين؟”

قال فاروق ببرود وكأنه بيتكلم عن تغيير أكل المستشفى: “المستشفى العام. يوم الجمعة. الحساب البنكي اللي بيمول علاجه اتجمد الأسبوع اللي فات بطلب من النيابة بسبب تحقيقات في الشركة اللي وراه. مفيش فلوس، مفيش . الإدارة خدت القرار الصبح.”

حاجة باردة مشيت في جسم أمل. المستشفى العام كانت زحمة، مفيهاش إمكانيات ولا تمريض كفاية، وعاجزة تماماً إنها تشيل مريض مشلول مشلش كامل عايش على جهاز تنفس ومحتاج تشفيط ومتابعة كل شوية. نقل مصطفى العوضي εκεί ماكانش مجرد نقل، ده كان حكم بالإعدام البطيء — التهاب في الرئة أو تسمم في الدم، في خلال أسابيع، على سرير في الممر من غير ما حد ياخد باله غير بعد فوات الأوان.

قالت له: “ما ينفعش تعملوا فيه كده. ده هيموت.”

فاروق جاب آخره وقال: “يبقى يموت يا أنسة أمل. دي مستشفى، مش ملجأ لتأنيب الضمير بتاع الناس. جهزيه للنقل.”

ومشي وسابها. الأوضة رجعت هادية تاني مافيهاش غير صوت جهاز التنفس.

أمل فضلت واقفة مكانها شوية، حاسة بالغل والحرقة اللي بتيجي لما تشوف قرار بيتأخد من ناس عمرهم ما هيشيلوا نتايجه. فكرت تشتكي للجنة الأخلاقيات في المستشفى، بس رجعت في كلامها — فاروق كان ألمح أكتر من مرة إن اللجنة دي تحت ضرس نفس الفلوس اللي عاملة رخام الجناح ده. ماكانش هيكون في أمل في أي شكوى جوه الحيطان دي. لو كانت عاوزة تنقذ الراجل ده، كان لازم تعمل ده بنفسها، بأي كارت تقدر تلعب بيه كممرضة عندها تمانية وعشرين سنة، ملهاش أهل ولا حيلتها قرشين.

وطت على سور السرير وهمست: “مش هخليهم ياخدوك. أنا عارفة إنك لسه جوه، وعارفة إنك بتقاوم. مش هخليهم يرموك وكأنك خلاص مت.”

وفضلت لحظات مفيش أي حاجة بتتحرك.

بعدها، وببطء شديد وبمجهود طالع بالعافية، جفن عينه اليمين تحرك — قفلة عين واحدة مقصودة — ونزلت دمعة من طرف عينه ومشيت على خده.

نفس أمل اتحدد. مسحت الدمعة بصباعها، وحست إن في حاجة جوه صدرها اتغيرت للأبد قدام حقيقة الدمعة دي.

أمل اتربت وعاشت بين ست بيوت كفالة قبل ما تم سطاشر سنة، تتقلب من ترتيب موقت لترتيب تاني بسب نظام بيتعامل مع الأطفال كأرقام في ميزانية تتظبط مش كبشر المفروض يتحموا. كانت فاكرة كويس جداً، بوجع لسه معلم فيها، البيت التالت — راجل ومراته كانوا طيبين ووعدوها إنها هتقعد معاهم لحد ما تخلص ثانوي، وسمحولها تدهن أوضتها باللون الأخضر الهادي اللي اختارته بنفسها، وبعد حداشر شهر، قرروا إن موضوع الكفالة ده “مش مناسب لعيلتهم”، ورجعوها تاني للمؤسسة بشنطة هدوم واحدة والدهان الأخضر لسه ينشف على الحيطة وراها. كانت فاهمة في عضمها معنى إنك تترمى

وتتقيد كقضية خاسرة من ناس وعدوك بالحماية ودولك التخلي بدالها. كل بيت كان بيجي بنفس الوعد — هنا مستقرك — وكل وعد كان بيتكسر في الآخر، لحد ما اتعلمت ما تثقش في الوعود خالص، وتثق في الأفعال بس. هي كانت حلت اليمين زمان في مدرج صغير في معهد التمريض إنها تحمي مرضاها. ومع الراجل ده، اليمين ده مبقاش مجرد شغل؛ ده بقى موضوع شخصي جداً بطريقة هي مش فاهماها تماماً ومش عاوزة تفكر فيها أوي عشان التفكير فيها كان يخوف.

على مدار التلات أيام اللي بعدهم كادت ما تخرجش من المستشفى — اشتغلت ساعات زيادات بره الشيفتات، ضاعفت النبطشيات، نامت على الكرسي الجلد اللي جنب سريره، وقرت له من روايات قديمة غلافها مكسور بس عشان تفضل معلقة خيط من العالم الخارجي بما تبقى من عقله. قرت له رواية بوليسية كاملة في ليلة طويلة من ليالي النبطشية، وكانت بتغير صوتها مع كل شخصية لأنها قررت، من عند الفصل التالت كده، إنه لو كان سامع بجد، فهو يستاهل يسمع صوت فيه روح بدل القراية الميتة. هددت الإداريين بلجنة الأخلاقيات، وهي عارفة وهي بتقولها إن .

في الليلة التانية، ومن كتر التعب والإرهاق، نامت في نص الجملة وإيدها محطوطة على دراعه، وصحيت الساعة أربعة الفجر لقيت عينيه مفتوحة ومتبتة في وشها بنظرة قوية خلت نفسها يقف. ما اتحركتش لمدة دقيقة كاملة، بتبصله وهو بيبصلها، الإتنين معلقين في صمت بدا، ولأول مرة، كأنه حاجة متشاركة بينهم بدل ما يكون حاجة مفروضة عليهم.

همست له: “أنا شايفاك. أياً كنت مين، أنا شايفاك جوه.”

اللي ماكانتش تعرفه — وماكانش في أي طريقة ممكن تعرفه بيها — هو إن اسم “مصطفى العوضي” ده ماكانش ليه وجود أصلاً. الراجل اللي بيتنفس تحت جهاز التنفس ده كان محمود الشاذلي، الأخ الأصغر لـ “حمزة الشاذلي”، الراجل اللي بيحرك كل قرش شمال وبيدير الميناء. محمود خد تلات رصاصات كانوا موجهين لأخوه في كمين من سنة ونص، لما رمى جسمه قدام حمزة وضرب النار من غير ما يفكر. حمزة خفاه هنا من ساعتها، وبيدفع مصاريف علاجه عن طريق شركات وهمية وهو قالب الدنيا وبيدور على اللي عملوا كده عشان ينتقم.

والآن، الأعداء دول وصلوا أخيرًا للمكان اللي حمزة خافيه فيه.

وكانوا جايين عشان يخلصوا اللي الرماة الأولانيين فشلوا يعملوه — و”أمل”، اللي شغال نبطشية بالليل ومن غير ما تعرف أي حاجة من اللغبطة دي، كانت هي الحيطة الوحيدة اللي واقفة في وشهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى