روايات وقصص

الفطار الأخير ج2

— من وأنا صغير… يوسف بدأ يتكلم بالراحة، وكأن كلامه طالع بالعافية من تحت ركام سنين طويلة. …أمي سابتني وأنا عندي ست سنين عشان ما قدرتش تستحمل طريقة طبعي الشديدة ومحبتيش. وأبويا كان شايفني عيب، راجل أعمال مش عايز يبان قدام الناس إن عنده ابن مش طبيعي. ففضل يضغط عليا ويحسسني إن أي لخبطة أو صوت عالي أو تفصيلة بره القواعد هي نهاية العالم.. كبرت وأنا فاهم إن السيطرة والفلوس والقواعد هي الحاجة الوحيدة اللي هتحميني إن محدش يسيبني أو يكسرني تاني.

قلبي اتعصر عليه. اللغز كله اتفك. العزلة، القواعد اللي بالملي، الخوف من الاختلاط، وحتى أسلوبه في الأكل.. كل ده ماكانش تناكة ولا قسوة، ده كان درع أمان عامله لنفسه عشان ما يحسش بالرفض اللي حس بيه وهو طفل.

قلتله بصوت حنين:

— أنت ماكنتش العيب يا يوسف.. هما اللي ما عرفوش يفهموك ولا يستوعبوا الجمال اللي فيك. سليم ابني علمني إن الاختلاف مش عيب، ده مجرد طريقة تانية بنشوف بيها العالم.. وأنت إنسان نقي، بس حبست نفسك في القفص ده كتير.

يوسف اتنفس بعمق، ولأول مرة ألمح طيف ابتسامة خفيفة أوي على وشه. ابتسامة مكسورة بس حقيقية.

قام وقف بالراحة، وعدل بذلته ومسح العرق من على جبينه، واسترد هيئته وقاره بسرعة، بس النظرة اللي في عينيه اتغيرت تماماً.

— شكراً يا جيهان.. على كل حاجة.

— العفو يا أستاذ يوسف.. العشا جاهز تحت لما تحب تنزل.

مشت الأيام بعد الليلة دي بطريقة مختلفة خالص. الفيلا ما بقتش باردة ولا تخوف زي الأول. يوسف بقى ينزل في معاده، بس ما بقاش يهرب بعينيه لما أكلمه. بقيت ألاحظ إنه بيعدي على المطبخ الصبح، يبص عليا بابتسامة خفيفة، ويسألني عن سليم وجلسات العلاج بتاعته.

وبعد أسبوعين، طلب مني حاجة غيرت كل حاجة.

— جيهان.. سليم ممكن ييجي معاكي بكرة الفيلا؟

بصيتله باندهاش:

— سليم؟ بس حضرتك بتفضل الهدوء…

قاطعني بهدوء:

— أنا عايز سليم ييجي.. في حاجة في الصالة محتاجة نصلحها.

تاني يوم، جيت ومعايا سليم. سليم أول ما دخل، مشي بخطواته البطيئة ودخل الصالة الرئيسية.. ووقف مذهول. الرخامة البيضا الضخمة اللي في وسط الصالة، اللي كان فيها الخط الأسود المكسور.. يوسف كان جايب عمال وفنانين متخصصين، وجددوا البلاطة بالكامل، وحطوا مادة رخامية سودا بتلمع مشيت مع العرق القديم ووقتله بانتظام تام لحد ما وصل للناحية التانية!

سليم جري وقعد على ركبه، ومشى صباعه الصغير على الخط الأسود، وشه اتقلب فرحة وضحك بطفولة. يوسف نزل من على السلم، وقرب من سليم وقعد على حيله جنبه على الأرض الرخام.

سليم بص ليوسف وقال بصوت فرحان:

— الخط ما اتكسرش بجد.. كمل!

يوسف بص لسليم وابتسم ابتسامة صافية طالعة من قلبه، وبعدين رفع عينيه وبصلي أنا وقال:

— صح يا سليم.. المهم إننا نلاقي اللي يساعدنا نكمله.

في اللحظة دي، عرفت إن يوسف كمال مش بس اتغير.. ده بدأ يتنفس ويتعلم يعيش من جديد. الراجل اللي كان فاكر إن الفلوس والسيطرة هما الأمان، اكتشف إن الأمان الحقيقي هو وجود ناس تفهمه وتحبه من غير شروط ولا قواعد.

ومن اليوم ده، المطبخ ما بقاش مكان لشغلانة وبس.. بقى المكان اللي اتجمعت فيه تلات أرواح مكسورة، عشان يعوضوا بعض ويبنوا بيت جديد دافي ماليانه الأمل والضمير.

وبعد سنة من اليوم ده، تغيرت حاجات كتير أوي في حياتنا. البيت البارد اللي كان شبه المتحف، بقى مليان دفا وحياة. الضحكة بقت تسمع في أركانه، وكركبة لعب سليم على الأرض الرخام بقت هي الصوت المفصل ليوسف بدل السكوت اللي كان بيهرب ليه زمان.

سليم بقى يروح المركز الخاص بتاعه بانتظام، وتحسنه كان يبهر الدكاترة كل يوم. أخصائي تعديل السلوك قال إن البيئة المترتبة والمستقرة اللي عايش فيها، مع وجود يوسف اللي فاهم أسلوبه وبيحتويه، عملت معجزة في معالجته الحسية ولغته.

وفي يوم جمعة، يوسف طلب مني ما أطبخش خالص. نزل الصبح بدري، ولأول مرة من يوم ما عرفته، ما كانش لابس البدلة الكحلي ولا القميص الصوف المظبوط بالمسطرة. كان لابس ترينج بسيط ووشه منور بابتسامة حقيقية.

— النهاردة الشيف هياخد إجازة.. أنا اللي هعمل الفطار بنفسي.

بصيتله وأنا مش مصدقة:

— حضرتك؟ أنت بتعرف تعمل حاجة غير القهوة؟

ضحك بصوت عالي — ضحكة صافية أول مرة أسمعها منه — وقال:

— اتفرجي واتعلمي يا أستاذة جيهان.

وقفنا أنا وسليم في المطبخ نراقبه. كان بيتحرك بهدوء، يقطع التوست والأفوكادو، ويرتب الأطباق بنفس الدقة والمقاسات اللي علمتها له، بس المرة دي ما كانش بيعمل كده بخوف أو توتر.. كان بيعملها بحب.

حط الفطار على الترابيزة وقعدنا التلاتة ناكل سوا. وفي وسط الأكل، يوسف ساب الشوكة، وبصلي بثبات، وبص لسليم اللي كان مشغول بيبص على رص الأكل. طلع علبة صغيرة مخملية من جيبه، وحطها على الترابيزة قدامي.

قلبي دق بسرعة، ووقفت الأنفاس في صدري. فتح العلبة.. كان فيها خاتم بسيط ورقيق جداً، ماسة صغيرة بتلمع بنقاء. قال بصوت دافي ومستقر، خالي من أي جمود:

— جيهان.. من سنة واحدة، كنت فاكر إن الأمان هو القواعد، والفلوس، والحيطان العالية اللي تبعد الناس عني. كنت فاكر إن الاختلاف عيب، وإن الصدمات اللي شفتها زمان هتعيش معايا للأبد.

مسك إيدي بالراحة، ولأول مرة ما خفتش ولا اتوترت:

— أنتي وسليم دخلتم حياتي، وكأنكم جيتوا عشان تصلحوا الخط المكسور في روحي.. أنتي مش بس علمتيني أكل إزاي ولا أعيش إزاي، أنتي فهمتيني من غير ما أتكلم، وحبيتيني بعيوبي قبل ميزاتي. أنتي أعدتي لي إنسانيتي.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى