
كان فاضل تمانية وستين جنيه بالعدد بين أخويا الصغير ودوا القلب اللي بيموت من غيره، ومع ذلك صرخة واحدة من ممرضة الطوارئ خلتني أفرمل وألف وأسيب شباك الصيدلية. كان في واحد مجهول بينزف وبيموت ورا الأبواب دي، والمستشفى دمها خلص من نفس فصيلته النادرة، وماكنتش أثبت إن كلمتين الدم اللي هتبرع بيهم دول هيربطوا حياتي بأكبر وأخطر معلم في البلد كلها.
بعد أربعتاشر ساعة هلك في مطعم “أبو العز”، رجليا كانت متكسرة وماكلتش غير نص سندوتش جبنة رومي طول اليوم. كل جنيه في شنطتي كان عشان حسن صاحب السبعتاشر سنة، اللي الصيدلية مش هتشيل الدوا بتاعه أكتر من أربع ساعات كمان ويهرب.
وفجأة، أبواب الطوارئ اتفتحت بعنف وطرقعت.
المسعفين داخلين بيجروا بداخل واحد فاقد الوعي وقميصه الأبيض غرقان دم. “الضغط بيقع! الراجل بيموت منا يا جدعان!”
الممرضة زعقت بصوت يخض: “فصيلته إيه؟”
“AB سالب.”
وشها جاب ألوان وقالت: “أخر أكياس AB سالب خلصناها الصبح!”
مسعف تاني قال: “مفيش وقت، الراجل بتروح منه!”
AB سالب.
إيدي راحت على طول لشنطتي، وطلعت كارنيه التبرع القديم اللي فيه نفس الفصيلة الهباب دي.
صوت العقل في دماغي قاللي امشي في حالك وملكيش دعوة.
بس تخيلت حسن مكان الراجل ده على النقالة.
“أنا فصيلتي AB سالب!”
في خلال دقايق، كانت الإبرة محشورة في دراعي.
سألتها: “هو اسمه إيه ده؟”
ردت الممرضة: “محدش يعرف، نازل من غير بطاقة.”
“طب قولي للحاج مجهول ده إنه معزوم عندي على سندوتش كبدة لما يقوم بالسلامة.”
الممرضة ضحكت وقالت: “إنتي ممكن تكوني أنقذتي حياته حالا.”
فضلت باصة لدمي وهو ماشي في الخرطوم. “يبقى يشتري هو الكبدة بقى.”
بعد أربعين دقيقة، أخدت دوا حسن ومشيت ست شوارع للمصرين في المطر والبرد اللي يكسر العظم.
على الصبح، كنت تقريباً نسيت موضوع الراجل الغريب ده خالص.
اللي ماكنتش أعرّف إن اسمه المعلم إبراهيم العقاد.
إبراهيم صحي بسبعة وعشرين غرزة في بطنه بعد ما رجالة النجعاوي عملوله كمين وهو راجع من قعدة عرب كان المفروض إنها صلح. بقالهم عشرين سنة، عيلة العقاد وعيلة النجعاوي مقسمين الشغل والتجارة في المينا والمخازن بعقد وتراضٍ بالعافية.
والتراضي ده اتقلب بضرب نار ورصاص.
تلاتة من رجالة العقاد راحوا فيها.
واتنين اتصابوا.
وكان المفروض إبراهيم يتدرم معاهم.
صاحبه الأنتيم ودرعه اليمين، سيد، قالوا إن المستشفى مكنش فيها نقطة دم AB سالب.
إبراهيم سأله: “أومال أنا عايش إزاي يا سيد؟”
“واحدة ست اتبرعتلك.”
“تعرفني؟”
“لا.”
“أخدت قرشين؟”
“ولا مليم.”
أصل محدش بيدي إبراهيم العقاد حاجة ببلاش.
“اسمها إيه؟”
“نور جاد.”
بعد تلات أيام، كنت شايلة أطباق الفول والطعمية وطالعة نازلة في المطعم لما جالي اتصال من مستشفى حسن بيطالبوا ببقية المصاريف. اشتغلت تلات ساعات إضافي في الليلة دي قبل ما أروح بيتنا قرب نص الليل.
وهناك شفت سيد بائع الشاي واقف مستنيني قدام الباب.
من ست شهور، كنت استسلفت تلات تلاف جنيه من سيد لما حسن احتاج إشاعات وتحاليل والتأمين مكنش راضي يغطيها وقتها. وكنت حاسباه ودافعة يجي أربع تلاف جنيه.
بس سيد كان مقتنع إن فاضل عليه ألفين وتمنمية جنيه.
قلتله قبل كده: “الحسبة دي ملهاش أي صلة بالرياضيات يا سيد!”
ابتسم وقاللي: “وهي مش معمول حسابها عشان تسلك يا نور.”
ودلوقتي كان واقف سادد السكة.
“تأخرتي ليه يا حلوة؟”
“قبضي يوم الجمعة.”
“قلتيلي الكلمتين دول الجمعة اللي فاتت.”
“أنا مديالك ميتين جنيه.”
“دي الفوائد بس.”
معدتي اتعصرت، بس غصبت نفسي أبص في عينه.
“يا سيد—”
قرب مني خطوة.
“تعرفي إيه أكتَر حاجة بضايقني في البنات الجدعة يا نور؟”
ما لحقتش أرد عليه ولا أخد نفسي من نظرة عينيه الشغالة شرار، ولقيت عربية جيب سودا فاميه وقفت فجأة بفرملة هزت الشارع كله. أبواب العربية اتفتحت ونزل منها أربعة رجالة أطول من ضلفتين الباب، لابسين بدلة سودا وملامحهم تقطع الخلف.
سيد بائع الشاي برقت عينيه ورجع ورا خطوتين، وشه جايب ألوان والكلمة اتعشرت في زوره.
واحد من الرجالة -جسمه زي الحيطة ووشه فيه علم ذبح قديم- قرب بخطوات تقيلة، وعينيه مثبتة على سيد. وبصوت زي هدير الموتور قال: “أستاذ سيد.. المعلم إبراهيم بيسقّط عليك وبيقولك حظك وحش إنك جيت في طريق الأنسة نور.”
سيد بلع ريقه بالعافية وركبه بتخبط في بعضها: “يا باشا أنا.. أنا ليا فلوس عندها بالحق.. أنا أصل—”
قبل ما يكمل كلامه، الراجل مسكه من قفا جلبابه بسهولة مرعبة وزقه على العربية: “المعلم بيقولك حساسية الحسابات اللي بتعملها دي ما تلزمناش. الأنسة نور دمها يجري في عروق المعلم إبراهيم العقاد، يعني حسابها مقفول ويا ويله اللي يفكر يطالبها بمليم أو يضايقها بكلمة.”
سيد بقى ينفض زي الورقة في الهواء: “حرمت! والله حرمت يا باشا.. خلاص الفلوس مسامح فيها، مش عايز حاجة!”
الراجل زقه بعيد، وسيد أخد ديل في سنانه وجري في الظلام كأنه شايف عفريت.
وقفت في مكاني مش فاهمة حاجة، قلبي بيدق في ضلوعي زي الطبلة. هو مين المعلم إبراهيم ده؟ ومين الرجالة دي؟ وليه واحد يبعت أربعة زي القلاع عشان يحلوا مشكلتي مع سيد؟
الراجل الطويل ده التفت لي، وهدى نبرة صوته تماماً، وبصلي باحترام غريب: “الأنسة نور جاد؟”
هزيت رأسي بالعافية: “أيوه.. أنا. أنتم مين؟”
طلع من جيبه كارت أسود مكتوب عليه بخط دهبي أنيق، واداهولي: “المعلم إبراهيم بيعتذرلك على الإزعاج ده، وبيقولك سندوتش الكبدة اللي عزمتيه عليه جاهز، وسواقة عربية المعلم مستنياكي تحت عشان تصرفي عزومتك.”
فتحت بؤي بصدمة وأنا بفتكر كلامي للممرضة في الطوارئ.. “قولي للحاج مجهول ده إنه معزوم عندي على سندوتش كبدة لما يقوم بالسلامة.”
يا نهار أبيض! الراجل المجهول اللي أنقذته كان المعلم إبراهيم العقاد.. أكبر رأس في المافيا وتجار المينا!
بصيت للكارت الأسود اللي في إيدي، وبعدين بصيت للشارع الفاضي، وعرفت إن حياتي العادية البسيطة انتهت من اللحظة دي.. وإن نقطتين الدم دول فتحوا عليا أبواب جهنم ورديت دين أتقل بكتير من إمكانياتي.
#حكايات_شروق_خالدمسكت الكارت الأسود بإيد بتترعش، وجسمي كله قشعر. الراجل أبو بدلة سودا فتح باب العربية الجيب الخلفي وشاورلي بهدوء ووقار مرعب: “اتفضلي يا أنسة نور.. المعلم مبيحبش الانتظار.”
بصيت لمدخل عمارتنا المظلم، وبعدين لباب العربية. كنت عارفة إن الرجوع ورا خلاص بقى مستحيل، وإن رجل في الشارع ورجل مع ناس زي دول معناها إن حياتي وحياة حسن أخويا مش هتفضل زي الأول أبداً.
ركبت العربية، والباب اتقفل بصوت مكتوم عزلتني تماماً عن صوت الشارع. العربية مشيت في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، لحد ما خرجنا على طريق المينا والورش القديمة. الدنيا كانت ضلمة كحل، ومفيش غير كشافات العربية هي اللي بتشق الطريق.
وقفت العربية قدام مبنى قديم وطويل، زي قصر أثري بس على طراز المينا والمخازن. الشباك والأسوار عالية، ورجالة في كل مكان واقفين بحراسة مشددة والسلاح باين تحت جواكتهم.
الراجل فتحلي الباب ونزلت، ودخلني من بوابة حديد ضخمة لحد الصالون الجواني. المكان كان دافي، ريحة بخور عود غالي مع ريحة قهوة سادة مالية الجو.
وفي وسط الأوضة، على كرسي جلد عريض، كان قاعد رجل في أواخر التلاتينات. جسمه رياضي عريض، وشه فيه هيبة تخوف، وقميصه الأبيض مفتوح من فوق باين منه أثر الشاش والغرز على بطنه.
أول ما دخلت، بصلي بنظرة حادة زي السيف.. نظرة فيها دهاء وعينين ما بت ترمش.
وقف بصعوبة وهو حاطط إيده على جرحه، وصوته جه عميق وراسي: “أهلاً بالأنسة نور.. اللي دمي بقى يجري بفضل دمها.”
بلعت ريقي وحاولت أجمع ثباتي الإنفعالي: “حمد الله على السلامة يا معلم إبراهيم.. بس أنا ماكنتش أعرف أنت مين، أنا عملت اللي أي حد كان هيعمله.”
ابتسم ابتسامة خفيفة ساحرة بس تشوبها خطورة، وشاورلي أقعد على الكرسي اللي قباله: “محدش بيعمل حاجة ببلاش يا نور.. ولا حتى قطرة دم. والجدعنة في زماننا ده بضاعة نادرة.. وأنا إبراهيم العقاد، ماليش دين عند حد.”
على الطاولة اللي بيننا، كان فيه طبق فضة عليه سندوتش كبدة سخن بيريحة فلفل وثوم مالية المكان، وجنبه ظرف بني تقيل.
إبراهيم بص للطبق وقال بثقة: “العزومة أهي يا ستي.. الكبدة اللي قلتي للممرضة عليها. ودلوقتي ييجي دور حسبي معاكي.”



