
كانوا بيحاولوا يبيعوا بنت بعشرة جنيه في وسط ميدان في قرية مصرية بعيدة، وكانوا مغطّيين راسها بشوال خيش ومربوطينه . الراجل اللي عارضها للبيع كان بيقول عليها ، والرجالة اللي واقفين حواليه كانوا بيضحكوا ويتريقوا، كأنهم بيتفرجوا على فرجة في مولد.
كنت راجل جبلي عايش لوحدي في أعماق جبال الصعيد، نازل البلد أشتري شوية مؤن قبل الشتا، لكن أول ما شفت الدموع اللي غرقت الشوال من عند فتحات عينيها، مدّيت إيدي على جراب فلوسي. وبعد خمس ساعات، جوه بيتي المعزول وسط الجبل، نفس البنت دي هتقول همسة واحدة تخليني أتجمد مكاني وأنا بفك الرباط اللي تحت دقنها.
اسمي صابر الكريدلي، وفي شهر نوفمبر سنة 1884، كنت عايش لوحدي في جبال الصعيد. كنت طويل وعريض الكتاف، جسمي قوي من كتر الشغل في الجبل، وعلى وشي ندبة كبيرة وعميقة ممتدة من عند صدغي الشمال لحد فكي، بسبب حيوان عليّا من سنين.
معظم الناس كانت بتخاف تقرب مني، وبعد سنين من نظرات الفزع والسخرية اللي كنت بشوفها في عيون الناس، اتعودت أفضل لوحدي. في الصبح ده، كنت نازل البلد أشتري ملح وبارود وقهوة وشوية أكل يكفوني لحد ما الشتا يعدّي. مكنتش عايز أي حاجة تانية.
مكنتش لسه اتكلمت عشرين كلمة من ساعة ما وصلت البلد، لحد ما سمعت صوت ضحك جاي من الميدان. كان فيه حشد كبير متجمع حوالين عربية كارو محملة بالبضاعة، وواقف قدامهم راجل اسمه سيد أبو الدهب، بيرفع ورقة جواز فوق راسه وبيتكلم بصوت عالي.
جنبه كانت واقفة بنت صغيرة، لابسة فستان ومغطية وشها كله بشوال خيش خشن. كانوا عاملين فتحتين صغيرتين بالعافية مكان عينيها، وربطين الشوال بحبل تخين تحت دقنها. صرخ سيد وهو مستمتع باهتمام الناس: «دي كانت المفروض تبقى عروسة جابر المنشاوي!
بس أول ما شاف وشها، رفض يتجوزها! » الرجالة انفجروا في الضحك، وناس تانية بدأت تصرخ وتطلب منه يشيل الشوال عشان يشوفوا إيه اللي العريس بالشكل ده. ابتسم سيد ابتسامة وقال: «مفيش راجل عاقل يقبل إن زي دي يعيش تحت سقف بيته!
» البنت فضلت واقفة مكانها من غير حركة، وإيديها متشابكة بقوة لدرجة إن صوابعها بقت بيضا من شدة الضغط عليها. اسمها كان زينب، وده عرفتُه بعدين. كانت سافرت مسافة طويلة من بلدها، وهي فاكرة إن الجواز هيوفر لها بيت تعيش فيه بأمان، وراجل يكون سند ليها.
لكن بدل ما تلاقي الأمان، الراجل اللي وافق يتجوزها أول ما شاف شكلها اتراجع ورفضها، وقرر سيد إنه لازم يسترد تمن سفرها. ومن ساعتها، بقى بيتعامل معاها كأنها بضاعة، وقرر يعرضها على أي غريب يقبل ياخدها، وكأن مستقبلها وحياتها حاجة من حقه يبيعها في مزاد.
صرخ سيد وهو بيرفع الورقة في الهوا: «عشرين جنيه! مين يشتري البنت؟ عشرين جنيه بس!» لكن محدش رد عليه. نزل بالسعر وقال: «خمستاشر جنيه!» وبرضه محدش اتكلم. لحد ما صرخ تاني: «عشرة جنيه! عشرة جنيه بس! وبتعرف تطبخ وتنضف وتخدم وتربي المواشي!
» في اللحظة دي، واحد من عمال المحاجر السكارى اللي واقفين جنب العربية، انحنى وخد حفنة طين متجمد ورماها عليها مباشرة. البنت اتنفضت أول ما الطين خبط كتفها، لكنها ما طلعتش صوت واحد. والناس ردت على اللي حصل بموجة ضحك أعلى من الأول.
كنت سمعت الضحكة دي قبل كده، وكنت عارف كويس ممكن تعمل إيه في قلب الإنسان. من سنين، حيوان في الجبل وسبلي اللي على وشي، ومن يومها والأطفال بيستخبوا ورا أمهاتهم لما يشوفوني، والرجالة بيتريقوا على شكلي، والستات ساعات كانت بتغير طريقها عشان متعديش من جنبي.
وفي الآخر، قررت إن الجبل أرحم ليا من ناس مش قادرة تشوف أبعد من ندبة على وش بني آدم. لكن زينب مكنش عندها مكان تهرب ليه. ولما شفت الدموع اللي بدأت تنتشر على الشوال من عند فتحات عينيها، حسيت بحاجة جوايا كنت فاكر إنها مـ,ـاتت من سنين.
وقلت بصوت هادي: «خمسين جنيه».الضحك اختفى فجأة، لدرجة إني قدرت أسمع صوت الهوا وهو بيعدّي بين البيوت. سيد بص للفلوس، وبعدها بص لزينب، وقال باستغراب: «إنت بتتكلم جد؟ دي… دي هي اللي هتدفع فيها خمسين جنيه؟» مردتش عليه، ولا حتى عليت صوتي.
أنا مكنتش داخل أجادل راجل بيستمتع بعذاب بنت غلبانة. قلتله يكتب ورقة البيع، رغم إني كنت عارف إن مفيش ورقة في الدنيا تدي إنسان الحق إنه يمتلك إنسان تاني. لكن سيد كان مستغل الورقة وتكاليف سفر زينب عشان يفضل حابسها تحت رحمته، والخمسين جنيه بالنسبالي كانوا تمن بسيط جدًا عشان أخلصها من إيده.
ولما سلّمني الورقة الممضية، طبقتها وحطيتها جوه جلابيتي. قربت من زينب ومدّيت إيدي ليها، لكنها رجعت لورا بخوف قبل ما ألمسها. وقفت مكاني فورًا، ومحاولتش أشدها أو أجبرها تنزل من العربية. صوابعها كانت بتترعش لدرجة إنها معرفتش تحط إيدها في إيدي مرتين، وفي المحاولة التالتة قدرت أخيرًا تمسك كفي البارد.
همست ليها: «يلا يا بنتي… تعالي نودّيكي مكان دافي».سيد نادى ورايا وهو بيضحك: «خلاص يا صابر، دي مشكلتك من النهارده!» لفيتله وقلت: «هي مش مشكلة يا سيد… المشكلة في اللي عملتوه فيها».قدام محل البقالة، ساعدت زينب تركب الحصان، ولفيت حواليها بطانيتين تقال، وربطت المؤن اللي اشتريتها ورايا.
سألتني بصوت مرتعش: «إنت واخدني على فين؟» قلتلها إن عندي بيت صغير فوق الجبل، وإننا هنروح هناك. سكتت شوية، وبعدها سألت بخوف: «وفيه حد تاني عايش معاك؟» جاوبتها بصراحة: «لأ… أنا عايش لوحدي».الرحلة استمرت خمس ساعات في عز البرد، وكل ما كنا بنطلع لفوق، التلج كان بيزيد على الطريق.
كنت ماشي جنب الحصان وبوجّهه بحذر في الممرات الضيقة، بينما زينب كانت مستخبية تحت البطاطين. طول الطريق مخلعتش الشوال من على وشها، حتى لما الهوا كان بيخبط فيه، أو لما كنت بعرض عليها نقف شوية ترتاح.
مكنتش متخيل قد إيه الشوال ده كان مضايقها، لكن في نفس الوقت مكنتش هكرر غلطة الناس اللي أخدوا قرارات تخص جسمها وحياتها من غير ما يسألوها. لما وصلنا للبيت، كان الليل غطى الجبل كله، وزينب كانت بتترعش من التعب والبرد.
ساعدتها تنزل، وفتحت الباب ودخلتها، وبعدها على طول ولعت النـ,ـار في المدفأة لحد ما البيت دفي. سخنت حلة شوربة لحمة، وصبيت لها فنجان قهوة سخنة. قعدت على الترابيزة الخشب، وإيديها الاتنين ماسكين الحبل اللي تحت دقنها، وبصت للأكل كأنها مش عارفة مسموح لها تاكل ولا لأ.
قعدت قصادها وقلت بهدوء: «اسمعيني يا زينب… أنا مدفعتش الخمسين جنيه دول عشان أقول إني بقيت أمتلكك».رفعت راسها المغطية وبصتلي من فتحات الشوال. كملت كلامي: «أنا دفعت عشان اللي حصل معاكي النهارده كان ، ومفيش بني آدم يستاهل يتعامل بالطريقة دي.
إنتِ هنا تقدري تاكلي وتنامي وترتاحي من غير . ولما الجو يتحسن، لو حبيتي تمشي، أنا بنفسي هوصلك للمكان اللي تختاريه».فضلت باصة ليا من غير كلام لثواني طويلة، وبعدها رفعت إيديها ناحية الحبل عشان تفكه. لكن صوابعها كانت بتترعش جامد ومقدرتش تحل العقدة. وفي الآخر همست: «أنا.
.. أنا مش قادرة».قمت من مكاني عشان أساعدها، لكنها رجعت لورا بخوف شديد. وقفت فورًا، وبعدها وريتها الندبة الطويلة اللي على وشي وقلت: «شايفة العلامة دي؟ أنا عايش بيها من سنين. وصدقيني، أيًّا كان اللي مستخبي تحت الشوال، مش هيخليني أخاف منك».مدّيت إيدي ليها وسألتها: «تسمحيلي أفكلك الحبل؟
» فضلت ساكتة شوية، وبعدها هزت راسها بالموافقة وهي بتترعش. لفيت وراها، وبدأت أدور بصوابعي على العقدة المشدودة تحت دقنها، وحاولت أفكها واحدة واحدة. وفجأة، زينب غمضت عينيها بقوة وهمست بسبع كلمات خلت جسمي كله يتجمد: «أرجوك.
.. اوعدني إنك مش هترجعني ليهم لما تشوف».صوت الحطب وهو بيتكـ,ـسر في النـ,ـار كان مالي المكان، وكتافها كانت تحت إيديا، وأول عقدة في الحبل بدأت تتحل ببطء…#حكايات_شروق_خالد#حصري



