
حماتي كانت بتيجي دايماً مع “العيلة” كلها عشان تعمل “مشاوي” ببلاش في بيتنا — ولما وصلوا تاني وإيديهم فاضية، قررت أديهم درس مش هينسوه.
أنا وجوزي متجوزين بقالنا سبع سنين.
عايشين في بيت ريفي هادئ في إحدى قرى الدقهلية (أو: في بيت واسع على طريق الإسماعيلية)، والظاهر إن ده خلى بيتنا بالنسبة لحماتي “نادية” هو المكان المثالي لـ “مصيف” أو “خروج” عائلي مجاني!
كانت بتيجي بانتظام هي وبناتها وعيالهم ومتوقعين نعملهم عزومة مشاوي كاملة مكلفة.
وما كانوش بيجيبوا معاهم أي حاجة خالص.
لا مية ولا كنزات.
لا لحمة ولا فراخ.
لا سلطات ولا طحينة.
ولا حتى أطباق بلاستيك أو مناديل.
أول ما طنط نادية توصل، كانت بتاخد البيت سيطرة فورية.
تغير مكان الكراسي.
تعيد ترتيب أي حاجة مش عاجباها.
وتديني تعليمات وأوامر في مطبخي أنا!
وغرورها دايماً بيخليها تلاقي وقت تشرحلي فيه إزاي أربي عيالي، وأنظف بيتي، وأدير حياتي.
أنا وجوزي ما كانش عندنا مانع نكرم الضيف ونأكل العيلة، دي مش المشكلة.
المشكلة إن كل حاجة كانت دايماً بتطلع من جيبنا إحنا.
إحنا اللي بنشتري الطلبات.
ونجهز.
ونتبل ونشوي.
ونغسل المواعين ونروق بعد ما يمشوا.
وفوق كل ده، ما حدش فيهم كان بيكلف نفسه حتى يقول “تسلم إيدك يا أميرة”.
يسيبوا الكوبايات على النجيلة.
والأطباق على الترابيزات.
والزبالة في كل حتة.
ويركبوا عربياتهم ويمشوا كأننا مفروض نبوس إيدينا وشهر وضهر إنهم شرفونا بزيارتهم!
كانوا بيتعاملوا وكأن ده حق مكتسب لهم.
لحد ما طنط نادية رنت عليا في يوم بعد الظهر.
وقالت بابتهاج: “عندي ليكِ خبر يفرح!”
أنا طبعاً كنت عارفة من قبل ما تكمل إن الخبر ده نحس ومش هيعجبني.
كملت وقالت: “العيلة كلها جاية تقضي الويك إند عندنا.”
سكت وما ردتش.
تابعت كلامها: “من الخميس بالليل لحد السبت بالليل. الواحد محتاج يغير جو ويبعد عن زحمة المدينة كام يوم.”
كام يوم!
في بيتي!
من غير ما تستأذن حتى!
دي كانت اللحظة اللي قررت فيها إن خلاص… السكينة طالعت الحلق وأنا جبت آخري.
وصل يوم الخميس بعد الظهر، وكان الوصول هاص وبصوت عالي جداً.
تلات عربيات ملاكي دخلوا ورا بعض في مدخل البيت.
نادية نزلت الأول وهي لابسة نظارة شمس كبيرة.
ووراها بناتها الاتنين ومش شايلين غير شنط ماركات.
وبعدين نزل ست أطفال وجريوا في الجنينة في كل الاتجاهات.
لا كولر مية.
لا شنطة سوبر ماركت.
لا عصاير ولا شيبسيات.
ولا أي حاجة خالص!
زي ما توقعت بالظبط.
”يا أميرة!”
نادية حضنتني وهي مغرقاني بريحة برفانها وغرورها.
“يا رب تكوني جهزتِ كل حاجة، العيال ميتين من الجوع والمشوار كان طويل!”
ابتسمت.
“قريب أوي هجهز كل حاجة يا طنط.”
ابتسامتي كانت مسكرة لدرجة ممكن تجيب سكر!
واحدة من سلايفي (أو بنات حماتي) بصت ناحية البلكونة الكبيرة.
“هو فين الأكل والشوي؟”
“جاي في السكة.”
نادية كشرت ووشها اتغير.
“انتِ ما ولعتيش الفحم لسه؟”
“لأ.”
بصتلي بذهول.
“بس الكل جعان وحرام!”
“عارفة.”
العيال الصغيرة كانوا بدؤوا يطلبوا كفتة وبرجر.
واحدة من بناتها فتحت تلاجة الجنينة كأنها تلاجة أبوها.
لقيتها فاضية تقريباً.
“هو فين البيبسي والعصاير؟”
“ما اشتريتش أي حاجة.”
دلوقتي الكل بقوا بيبصولي بذهول وصدمة.
نادية ضحكت ضحكة متوترة: “أميرة، بلاش هزار بقى، الحاجة فين؟”
مشيت بهدوء لحد ترابيزة الحديقة.
وكان محطوط في نص الترابيزة:
رزمة من منيو أقرب سوبر ماركت ومطعم مشويات.
وجنبهم آلة حاسبة.
وورقة واحدة مكتوبة بخط اليد.
نادية مسكت الورقة.
وابتسامتها اختفت تماماً.
“إيه ده يا بنتي؟”
كتفت إيدي وقلت بابتسامة باردة:
“خطة الويك إند.”
في أول الورقة، كنت كاتبة بخط واضح:
مساهمات العزومة العائلية
وتتحته البنود بالتفصيل:
لحوم وفراخ وكفتة.
مشروبات وعصاير.
فطار وعشاء.
تسالي ومسليات للعيال.
فحم وولعة.
حلويات.
مستلزمات نظافة وأطباق ورقية.
وقدام اسم كل حد كبير، الحساب بتاعه بالجنيه.
واحدة من بناتها ضحكت باستهزاء:
“انتِ بتدفعينا فلوس عشان زايرين عيلتنا؟”
“لأ.”
ابتسمت بثقة.
“أنا بس بساعد العيلة تشارك في مصاريف العيلة.”
وش نادية اتشد وغضبها بان وعينيها شرّرت.
“إحنا جايين من آخر الدنيا عشانكم!”
“وأنا خدمتكم وطبختلكم ببلاش لسنين طويلة.”
السكون خيم على المكان كله.
بصت لجوزي وهي مستنية منه ينقذ الموقف ويوقفني عن هبل ده.
جوزي بص للورقة.
وبعدين بص لأمه.
وقال بكل برود:
“والله مراتي عندها حق، وشايف إن ده الصح.”
في اللحظة دي بس، نادية فهمت إن مفيش عزومة مجانية مستنياها ورا باب المطبخ.
ولا تلاجة مليانة لحوم.
ولا أوض جاهزة مفروشة للضيوف.
ولا ويك إند هيقضوه يتخدموا فيه.
مجرد ناس وصلوا بإيديهم فاضية، وصدمتهم الحقيقة لما اكتشفوا قد إيه كانت العزومات “المجانية” دي مكلفة وغالية علينا طول السنين اللي فاتت!
حكايات شروق خالد



