
ست قصيرة وسريعة الحركة، في أواخر الخمسينات، شعرها مجعد ولونه رمادي زي الحديد، وعينيها بنية مرهقة. كانت من النوع العملي اللي قضى معظم عمره بيخدم ناس مستعجلة ومش بتصبر. هي ما كانتش قاصدة تبقى قاسية، لكن التعب كان استهلك معظم تعاطفها، وخلّاه مجرد ردود سريعة ومختصرة. قالت وهي بتبص بتوتر لمعطف رنا المبلول وشنطة سفرها:
— تقدري تستني جنب الباب لحد ما ترابيزة تفضى.
مدخل المطعم ما كانش فيه دكة تقعد عليها، مجرد شريط من البلاط الزلق، والهواء البارد كان بيدخل كل مرة الباب يتحرك فيها. رنا بصت ناحية الشباك. المطر كان بيزيد بره، والبرق كان بينور السما فوق النيل كل كام دقيقة. كتفها اليمين كان بدأ يوجعها من كتر ما بتسند وزن جسمها على العكاز، والجلد اللي فوق الرجل الصناعية بدأ يحرقها بعد الرحلة الطويلة اللي قطعتها في المدينة.
ومع ذلك، شكرت نورا من غير ما تشتكي، ولفت ناحية آخر ترابيزة لسه مجربتهاش. كانت واقفة في الركن البعيد، جنب شباك حوافه متغطية ببخار المطر، وقاعد عليها راجل لوحده، لابس قميص أسود. سيف الدمنهوري كان شكله كأن الوحدة اتبنت حواليه، مش إنه اختار يقضي الليلة لوحده. كان عنده 39 سنة، طويل وجسمه قوي، وكتافه العريضة مالية القميص اللي على مقاسه.
الأكثر قراءة الان
الممرضة اللي كسرت خوف زعيم المافيا ج1 .حكايات شروق خالد
منذ يومين
غنّت له فصحى من غيبوبته ج1 #حكايات_شروق_خالد
منذ 4 أيام
«مربية ولاد زعيم المافيا كشفت السر اللي أخفى مرضهم سنين» ج1 #حكايات_شروق_خالد
منذ 4 أيام
إيديه القويتين كانوا محطوطين بهدوء جنب فنجان قهوة سادة ما لمسوش. شعره الأسود كان قصير من الجانبين، وفيه خصلات فضية بسيطة عند الصدغين، زودت من حدة ملامحه بدل ما تلينها. دقنه كانت محددة وقصيرة، ومحددة فك مربع وحاد. جنب حاجبه اليمين كان فيه أثر جرح رفيع، يوحي بماضي محدش يقدر يفتحه في كلام عادي. عينيه الغامقة كانت بتراقب المكان بوعي شديد.
بيركز في الأبواب والانعكاسات وأي حركة مفاجئة، من غير ما يبان إنه بيلف راسه. معظم الناس اللي حوالين الميناء والضفة كانوا يعرفوه باعتباره رئيس شركة الدمنهوري للنقل والتجارة. لكن اللي فاهمين الاقتصاد الخفي اللي بيحصل حوالين الميناء والنقل النهري، كانوا عارفين إن نفوذه بيتعدى بكتير عقود النقل والشحن. سنين الخيانة خلّت سيف بارد مع أغلب الكبار، وسنين القيادة خلّت الناس تحسب كل كلمة قبل ما تتكلم معاه.
أما رنا، اللي لسه جاية من منطقة تانية في القاهرة، وكانت مرهقة لدرجة إنها ما تعرفش الاسم ولا الوش، فكل اللي شافته كان راجل أعمال مهيب وقاعد جنب كرسي فاضي. قربت من الترابيزة ببطء، وصوت عكازها التقيل كان بيخبط في الأرض الخشب، لحد ما وقفت جنبه. وقالت بهدوء:
— هو الكرسي ده محجوز؟
نظرة سيف انتقلت للحظة من وش رنا لشنطة السفر اللي في إيدها، لكنه ما بصش لجسمها ولا لرجلها الصناعية. من غير تردد، قام من مكانه وسحب الكرسي بعيد عن الترابيزة، وساب مساحة كفاية إنها تقعد من غير ما تضطر تلف جسمها بطريقة متعبة.— لأ. اتفضلي. الكلمة البسيطة دي فاجأت رنا أكتر من أي لطف صريح، عشان ما كانش فيها استعراض، ولا ابتسامة مستنية منها شكر أو مقابل.




