
رد بصوت تحذيري:
“إيه يا مرشدي.. لحقت تعرف إن كارتك انحرق؟”
صوت المرشدي جه من السماعة، ضحكة متقطعة وشريرة:
“حسام كارت محروق يا داغر.. بس المفاجأة الحقيقية مش عنده.. المفاجأة عندك أنت في البنتهاوس دلوقتي!”
داغر اتشنج جسمه وبصلي برعب لأول مرة في حياته!
……………………………….
حكايات شروق خالد
“مين أدالكِ إذن إنك تطلعي حلوة كده؟”
السؤال ده وقّفني في مكاني بعد 3 خطوات بس جوة بنتهاوس “داغر النصّار”. لأن بقالي سنتين مع أعتى ورأس السوق في البلد، شفته بيسمع عن ضرب نار، وهجوم شرطة، وخيانات، وبضايع بتختفي من غير ما يرمش له جفن—بس لسبب ما، فستان أحمر واحد خلاه يقطع الخلف وما يعرفش ينطق.
داغر كان واقف جنب الشبابيك الزجاجية الكبيرة، والبلد كلها منورة تحت رجليه من الدور الـ 47.
كان حاطط التليفون على ودنه:
“عدّي الشحنة من ناحية شرق البلد أفضل.. لو رجالة ‘المرشدي’ حاطين عينهم هناك—”
وفجأة التفت.
وسكت خالص.
بلعت ريقي بالعافية.
” حضرتك قلت لي ألبس سواريه يا داغر بيه.”
عينيه اتنقلت عليّ.. ببطء شديد.
“ممكن أغيره.”
“أوعي.”
الرد طلع منه بسرعة لدرجة إن داغر نفسه بان عليه الضيق من نفسه.
بقالي سنتين ماشية جنب الجدران تقريباً ومحدش بيحس بيا حواليه.
بالطو تمريض أخضر.
كوتشي أبيض.
شعر أسود مربوط وملموم بصرامة لورا.
ولا نقطة برفان.
ولا حتة مجوهرات غير الساعة اللي بقيس بيها النبض.
أنا وافقت على شغلانة التمريض في المستشفى الخاص بتاع عيلة “النصّار” عشان المرتب كان تلت أضعاف اللي باخده في الطوارئ العادية.
رسمياً.. إحنا بنعالج رجال أعمال ورؤساء شركات.
من تحت لتحت بقى.. رجالة بتيجي الساعة اتنين بالليل سايحين في دمهم بقمصان بآلاف الجنيهات، وكلنا بنعمل نفسنا ناسين نسأل الرصاص ده جاي منين.
داغر كان بيملك شركات مقاولات، وفنادق، وشركات أمن، ومخازن، وأراضي في أحسن مناطق في البلد تخلي الجرايد تسميه “إمبراطور المعمار”.
الرجالة تحت في الشارع بيسموه “المعلم”.
وأنا كنت بناديه “داغر بيه”.
لحد الليلة دي، يمكن ما اتكلمش معايا مباشرة أكتر من 12 مرة طول السنتين.
وفجأة.. قرب مني بخطوات هادية.
الفستان في لحظة تحول لفكرة مرعبة.
أنا كنت مخططة أشري حاجة سودة وعادية محدش يلاحظها، بس الست الكبيرة اللي في المحل مسكت في إيدي فستان ستان أحمر وقالت لي: “بقالك كتير قوي بتلبسي وكأنك بتعتذري للناس إنك موجودة.”
فقستُه.
أكمام طويلة.
رقبة مقفولة ومحترمة.
ما فيهوش أي حاجة خارجة.
بس الستان كان مفصل على جسمي اللي بالطو الشغل كان مداريه، وشعري كان مفرود على كتفي لأول مرة داغر يشوفه بالمنظر ده.
وقف على بعد خطوة مني:
“سنتين؟”
“أفندم؟”
“أنتِ شغال تحت بقالك سنتين؟”
“أيوة.”
“ومحدش قال لي!”
“قالوا لك إيه؟”
فكّه اتشنج وقفل جامد:
“ولا حاجة.”
“بس شكلها كانت حاجة مهمة.”
لنص ثانية، اتهيأ لي إني شفت نبرة إعجاب أو ابتسامة خفيفة في عينيه.. وبعدين اختفت.
“خليكِ قريبة مني الليلة دي.”
“أنا افتكرت طالعة مع حضرتك عشان الدعم الطبي.”
“ما أنتِ كذلك.”
“بس فيه فريق طوارئ كامل موجود في الفندق برة.”
“عارف.”
“طب أنا رايحة ليه؟”
سحب الجاكيت بتاعه وقال:
“عشان محتاج حد معايا جوة القاعة بيعرف يبص على الناس ولمحاتهم كويس.”
بعد 20 دقيقة، فهمت كان يقصد إيه.
أكتر من 500 ضيف ماليين القاعة الكبيرة في الفندق الفخم.
سياسيين.
رؤساء بنوك.
رجال أعمال.
وشوش كتير عرفتها من المستشفى تحت.. عشان أنا بنفسي طلعت رصاص من أجسامهم من غير ما أكتب تقارير رسمية.
إيد داغر اتثبتت بالراحة ورا ضهري وأنا داخلين القاعة.. وما شالهاش.
بعد تلات دقائق، ميلت عليه وهمست:
“الراجل اللي واقف عند البار كل شوية بيلمس جيبه الشمال من جوة.”
“عارف.”
“والست اللي جنب الفرقة الموسيقية رافضة تبص في وش النائب خالص.”
“عارف دي كمان.”
بصيت ناحية الشبابيك الشمال:
“الاتنين دول دخلوا مع بعض.”
داغر مشي بعينيه مكان ما بصلت.
“ما اتكلموش ولا كلمة مع بعض،” كملت كلامي، “بس كل ما واحد يتحرك، التاني بيبص على بوابات الخروج.”
ولأول مرة الليلة دي، داغر بطل يبص على القاعة والناس.. وبص لي أنا.
“إيه تاني؟”
بصيت ورا كتفه.. وفجأة كل غريزة اتعلمتها في الطوارئ والمستشفى صرخت جوايا مرة واحدة.
كان فيه جارسون شايل صينية كاسات ومقرب علينا.
بس جزمتيه ما كانتش جزيمة جارسونات خالص.
وإيده اليمين ما كانتش متوازنة وهي شايلة الصينية.
ومن تحت كم القميص.. لقطت طرف تاتو أنا شفته قبل كده.
على راجل دخل عندنا المستشفى مضروب بالرصاص من 6 شهور.. راجل كان حالف بالولاء لأكبر عدو لداغر!
صوابعي اتعقدت وجمدت على كم جاكيت داغر، وهمست برعب:
“أوعى تاخد الكاس ده من إيده!”
……………………………….
حكايات شروق خالدداغر مسك التليفون بقبضة فولاذية، وعضلات فكّه اتشنجت لدرجة إن عروق رقبته برزت، وصوته طلع زئير يرعب القاعة كلها:
“لو لمست شعرة واحدة من أملاكي أو حد يخصني يا مرشدي.. هدمّر إمبراطوريتك واقفل لك بيتك بيدي!”
ضحكة المرشدي الشيطانية جات من السماعة الباردة:
“الجيل الجديد بيفتكر القوة بالصوت العالي يا داغر.. افتح كاميرات البنتهاوس عندك وافرج بنفسك، وساعتها هتفهم مين اللي بيمشي اللعبة بجد!”
السماعة اتقفلت.
داغر سحب تليفونه المحمول بسرعة البرق، وأصابعه كانت بتتحرك بحرفية على الشاشة وهو بيفتح البث المباشر لكاميرات المراقبة الخاصة بالبنتهاوس. أنا وقفت جنبه، نَفَسي مقطوع وركبي بتخبط في بعضها، وعيني اتثبتت على الشاشة الصغار.
الصورة ظهرت.. صالة البنتهاوس بالدور الـ 47 كانت مقلوبة رأس على عقب!
الشبابيك الزجاجية الضخمة مكسورة، ورجالة حراسة داغر الخاصة اللي كانوا مأمنين الشقة مقيدين ومطروحين على الأرض، ووسط الصالة.. كان فيه صندوق أسود مقفول محطوط فوق الترابيزة الخشب الفخمة، ومكتوب عليه بدم أحمر قانٍ: “هدية للممرضة فريدة”.
داغر بص للشاشة وبصلي، ولأول مرة أشوف في عينيه مزيج مرعب من الغضب والذعر الصريح.
“فريدة..” صوته كان واطي بشكل يخوف. “المرشدي ما كانش مستهدفني أنا بس الليلة دي.. كان عايز يوصل لك أنتِ عشان عارف إنك الخيط اللي كشف حسام.”
مسكت في دراع بدلة داغر بحركة لا إرادية، وصوابعي اترعشت:
“الصندوق ده فيه إيه يا داغر؟ وأخويا.. أخويا اللي كان مديون لرجالتك، المرشدي ممكن يوصل له؟!”
داغر التفت لي، وبإيده القوية مسك إيدي الاثنين وثبتهم، عينيه المظلمة كانت بتلمع بإصرار يحمي بلد:
“أخوكِ تحت عين رجالي من إمبارح وفي مكان محدش يعرفه.. والصندوق ده لعبة كارت محروق من المرشدي عشان يربكنا. بس هو نسى بيتدس مع مين!”
سحب جهاز اللاسلكي من حزامه وصرخ بالتعليمات لرجاله:
“كل قوة الحراسة تطلع على البنتهاوس فوراً! طوقوا المنطقة وقفلوا مداخل البرج.. ومحدش يتحرك خطوة واحدة من غير أمري!”
داغر بصلي بصرامة، ومسك إيدي وسحبني وراه بثبات وخطوات سريعة ناحية الأسانسير الخاص:
“أنتِ مش هتبعدي عن عيني ثانية واحدة يا فريدة.. الليلة دي، هنروح البنتهاوس ونفتح الصندوق ده بنفسنا، ونعرف المرشدي إنه فتح على نفسه أبواب جهنم!”
الأسانسير نزل بسرعة مرعبة، والستار لسه ما انزلش عن الحرب.. والسر اللي جوة الصندوق كفيل يقلب الترابيزة على الكل!
……………………………….
حكايات شروق خالد
الأسانسير كان بينزل بسرعة مرعبة، وصوت انفاسنا المكتومة كان هو الشيء الوحيد اللي مالي المكان. داغر كان حاطط إيده على حزامه، وعينيه متثبتة على أرقام الأدوار وهي بتنزل بسرعة.
أول ما باب الأسانسير اتفتح في الدور الـ 47، كان المكان عبارة عن ساحة حرب هادية. رجالة داغر المسلحين كانوا ماليين الطرقات، ومهندسين المفرقعات والفرق الخاصة واقفين قدام باب البنتهاوس.
داغر مشي بخطوات واثقة وجريئة، وأنا وركبي بتخبط في بعضها ورا خطواته مباشرة. حط إيده على كتفي وثبتني وراه:
“اخفي ضهرك ورايا يا فريدة.. ومحدش يهوب ناحية الصندوق غير برأيي.”
كبير فريق الحراسة قرب من داغر وهَمَس بتوتر:
“يا معلم.. الصندوق مسحوب ومفحوص بالأجهزة.. ما فيهوش مفرقعات ولا مواد متفجرة، بس…”
داغر رفع حاجبه بحدة: “بس إيه؟”
“فيه حاجة جوة بتطلع صوت دقات خفيفة.. زي جهاز تسجيل أو حظر حركة.”
داغر زق الباب ببرود ودخل الصالة المقلوبة. الشباك الزجاجي الضخم كان متدمر كلياً والشرارة باينة في الأفق، والدم الأحمر المكتوب بيه على الترابيزة الخشبية كان لسه نديان وماتجفش: “هدية للممرضة فريدة”.
داغر قرب من الصندوق الأسود بخطوات منتظمة. سحب خنجر صغير من جيبه الداخلي، وبحركة خاطفة وسريعة كسر القفل الفضي اللي ماسك الصندوق، ورفع الغطا ببطء شديد.
أنا غمضت عيني من الخوف وحطيت إيدي على وشي.. بس داغر اتجمد في مكانه تماماً!
الصمت ساد المكان، حتى نَفَس داغر العالي اتقطع.
فتحت عيني بالراحة وبصيت من فوق كتفه..
جوة الصندوق ما كانش فيه قنبلة ولا رسالة تهديد..
كان فيه ساعة إيد فضية قديمة جداً، شاشتها مكسورة ومتبقعة بدم قديم، وجنبها كارت إسود مكتوب عليه بخط يد إيليجانت:
> “الساعة دي اتوقفت يوم حادثة زوجتك يا داغر.. والشخص اللي كان لابسهالي الليلة دي في المستشفى، هو نفس الشخص اللي بيقيس نبضك دلوقتي!”
>
قلبي وقف في صدري! الدم اتهرب من وشي ولقيت نفسي برجع لورا خطوة بذهول ورعب.
داغر التفت لي ببطء شديد.. الحركة كانت مرعبة في سكونها. عينيه المظلمة بقت زي الجمر، والنظرة الدافية والحنونة اللي كانت فيها من شوية اتخرطت وتحولت لجمود وشرار قاتل!
مسك الساعة الفضية القديمة من الصندوق، ورفعها قدام وشي وصوته طلع واطي وبطيء، كل كلمة فيه زي طلقة رصاص:
“الساعة دي كانت في إيد الممرضة اللي كانت شغال في نفس الليلة اللي اتقتلت فيها مراتي من سنتين.. الممرضة اللي اختفت واختفت معاها تقارير التشريح..”


