روايات وقصص

عشق على خط النار ج2

الهواء جوة القاعة اتجمد في ثانية.

حسام بلع ريقه بعنف، ووشه أصفرّ زي الورق، وإيده اترعشت وهي بتمتد لجيوب الجاكيت:

“تليفوني؟ ليه يا معلم؟ أنا حسام.. إيدك اليمين ومسؤول أمنك بقالي خمس سنين!”

داغر ما رمشش. قدم خطوة هادية ورا خطوة، وهيبته المرعبة غطت المكان كله، وضغط بصوابعه القوية على الطاولة الخشبية:

“حسام.. التليفون يتحط على الترابيزة برضاك، قبل ما رجالي يجيبوه بطريقتهم.. وما تخلينيش أكرر الكلمة مرتين.”

الأوضة كلها ساد فيها صمت الموت. المعلم “سامح” والمهندس “طارق” رجعوا بضهرهم لورا بحذر، والعيون كلها اتثبتت على حسام اللي صوابعه كانت بتتخبط في التليفون وهو بيطلعه.

أول ما حط التليفون على الخشب الفخم، داغر سحبه ببرود، وبصلي نبتسامة خفيفة ومظلمة:

“دكتورة فريدة.. التليفون ده كان عليه مكالمة مدتها 45 ثانية أمبارح الساعة 9 بالدقيقة.. نفس الوقت اللي الجارسون كان بيدخل فيه القاعة. تفتكري مين كان بيتكلم؟”

حسام عرق بغزارة وصرخ بصوت متقطع:

“والله يا معلم ده كان اتصال من خط الشحن في بورسعيد! المرشدي بيوقع بيننا!”

داغر مسك التليفون، ومن غير ما يفتح التليفون حتى، رماه على الأرض وداس عليه بجزمته لحد ما الشاشة اتفشخت ميت حتة، ورجع بص لحسام بصوت واطي وبارد كفيل يجمد الدم في العروق:

“الجارسون ما قالش اسمك تحت الضغط يا حسام.. الجارسون قال الرقم السرّي للشفرة اللي بينك وبين رجالة المرشدي.. والرسالة كانت معتمدة باسمك أنت.”

حسام حاول يمد إيده ناحية جيبه الداخلي في حركة يائسة، بس داغر كان أسرع منه؛ بحركة خاطفة وسريعة مسك دراعه، وضغط على مفصل كوعه بطريقة احترافية خلت حسام يصرخ من الوجع ويفقد السيطرة، وفي ثانية واحدة كان فيه اتنين من رجال داغر المسلحين محاوطينه وكتّفوا إيديه ورا ضهره.

داغر قرب منه، ومسك فكه بقسوة:

“المرشدي دفعلك كام عشان تبيع داغر النصّار؟ كام يخليك تنسى خير السنين دي كلها؟”

حسام كان بيلهث ودموعه نازلة من الخوف:

“المرشدي ماسك عليا أوراق.. كان هيدمرني يا معلم! أنا ما كانش قدامي حل تاني!”

داغر سابه بالقرف، وبص للرجالة الواقفين:

“خدوه على المخزن القديم في أكتوبر.. وبلاش حنية معاه لحد ما أعرف منه كل النمر والأماكن اللي تسربت للمرشدي.”

انسحب حسام وهو بيترجى وبيصرخ، وداغر وقف يظبط أكمام بدلته ببرود تام، وكأن شيئاً لم يكن. التفت لباقي المديرين اللي كانوا قاعدين بيموتوا من الرعب:

“الاجتماع انتهى.. والشغل يتنفذ زي ما خططنا بالظبط.”

الكل قام وجري لبرة القاعة بسرعة، والباب اتقفل.

بقت الأوضة فاضية ومفيهاش غيري أنا وداغر. قلبي كان بيدق بسرعة مش طبيعية من شوية، ونَفَسي كان متقطع.

داغر مشي ناحيتي بخطوات هادية، ونظرة عينيه اتغيرت تماماً.. المظهر المرعب اختفى وحل محله اهتمام عميق ودافي.

قرب مني لحد ما بقى واقف قدامي مباشرة، ورفعت عيني فيه، فقال بصوت واطي ودافي:

“لو كان حد غيرك معايا الليلة دي.. حسام كان زمانه بيخطط للمحاولة الجاية وأنا مش داري.”

بلعت ريقي وقلت بصوت مرتجف:

“أنا.. أنا عاوزة أرجع العيادة يا داغر بيه.. الشغل ده مرعب وأنا مش قد الحكايات دي.”

داغر رفع إيده بالراحة، وأطراف صوابعه الدافية لمست خدّي بلمسة هادية وربطت على شعري، وقال بنبرة قاطعة بس مليانة حنية:

“خلاص يا فريدة.. رجوع لورا مفيش. أنتِ بقيتي خط أحمر بالنسبة لي.. والنهارده بالذات، أنا أدركت إن وجودك جنبي مش مجرد حماية لظهري..”

سكت للحظة، وعينيه لمعت بنظرة أعمق وهو بيميل عليا ويهمس:

“.. أنتِ بقيتي الحساب الوحيد اللي أخاف أخسره في الحرب دي كلها.”

وقبل ما أرد، تليفونه الخاص رن بصوت عالي.. داغر بص للشاشة، ووشه اتغير تماماً ورجعت قسوته في ثانية!

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى