روايات وقصص

فاتورة نصف المليون#حكايات_شروق_خالد

“ادخلوا يا جماعة ما تتكسفوش، مطعم مرات ابني يعتبر ملك العيلة، النهاردة ناكل أكل ملوكي.. والحساب كله عليّ.” حكايات شروق خالد.

صوت حماتي “نادية” كان يرن في الصالة الساعة واحدة ونص الضهر، في قلب زحمة الغدا.

وراها دخلت 38 ست على سنقة عشرة، بشناط ماركات، وريحة برفيوم تقيلة، وثقة عمياء بتوع ناس ضامنين إن الحساب مدفوع من جيب غيرهم.

“مصطفى”، مدير المطعم، جالي جري جنب المطبخ وعينيه هتطلع من وشّه: “يا شيماء، دول مش حاطين حجز، وكل الترابيزات عندنا محجوزة على آخرها.. أقولهم ما عندناش مكان لـ 39 فرد؟”

بصيت من وراه على الصالة، لقيت نادية بتشيل يافطة “محجوز” من على ترابيزة كبيرة وبتقول للعمال يزقوا ثلاث ترابيزات في بعض.

قُلت له بصوت هادي: “لا.. قعدهم.”

مصطفى بربش بعينيه: “الـ 39 كلهم؟”

“كلهم لحد آخر واحدة.. واديهم كل اللي يطلبوه.”

هو مكنش فاهم، ومحدش كان فاهم.. بس أنا كنت عارفة إن ده هيكون آخر يوم نادية تدخل فيه المكان ده وهي بتتنك وتتأنق بحاجة ما تعبتش فيها ولا نقطة عرق. حكايات شروق خالد.

أنا اللي بنيت مطعمي، بعد عشر سنين شحطتة وشقا كطباخة ومساعد شيف ولحد ما بقيت شيف عمومي. جمعت كل قرش من رأس المال بنفسي.. أنا اللي اخترت الديكور، والأوفران، وأنا اللي عينت كل عامل وغسال أطباق وطباخ، وأنا اللي عملت المنيو، وكنت بسهر للساعة 3 الفجر أحسب مصاريف الأكل.

جوزي “طارق” ما دفعش فيه مليم أحمر!

بس نادية كانت بتحكي حكاية تانية خالص للستات الهوانم أصحابها في النادي: “ابني هو اللي فتح لها المشروع ده”، كانت تتباهى وهي بتلعب كوتشينة، “وشيماء بس ماسكة المطبخ!”

بقالها ثلاث سنين بتيجي من غير ميعاد هي وصاحباتها، تطلب أغلى اللحوم والاستيك، وصواني السي فود الفاخرة، والحلويات، وأغلى العصاير والمشروبات، وتخرج من الباب من غير ما تفتح شنطتها حتى. حكايات شروق خالد.

ولما كنت أواجه طارق بيني وبينه، كان يقول لي نفس الجملة بالظبط: “دي أمي يا شيماء، وبعدين دي بتعمل لك دعاية، ما تعمليش دراما عشان كام ألف جنيه!”

غلطتي إن سكوتي طال زيادة عن اللزوم.

وفي يوم الجمعة ده، قررت نادية تجرب لأي مدى سكوتي هيستحمل.

قالت للجرسون بصوت عالي: “هات لنا قائمة الأكل الكاملة العشر أصناف لكل الناس.. ونزل أغلى المشروبات الفاخرة، مش عايزين حاجة عادية.”

الـ 38 ست سقفوا بفرحة: “يا نادية، أنتِ كريمة أوي!”

ردت نادية وهي بتبص لي بابتسامة نصر من بعيد: “ولما يكون عندنا مطعم فخم في العيلة، ما نستمتعش بيه ليه؟” حكايات شروق خالد.

الفاتورة كانت تعدي نص مليون جنيه بالمستريح.

مصطفى جه يجري تاني جنبي: “شيماء، نلحق نوقف المهزلة دي قبل ما المطبخ يبدأ يجهز أول أكلة!”

رديت عليه بالراحة: “لا.. جهز كل الأطباق، وطلع أنضف كاسات وأطقم عندنا.”

نادية استولت على الصالة الخاصة ومقعدة أصحابها كأنها ملكة. أطباق السي فود، واللحم الفاخر، والاستيك العالي، وأطباق الجبن الفاخرة كانت بتغرق الترابيزة.

أنا بنفسي طلعت أغلى المشروبات الفاخرة عندنا عشان أصب لها ولأصحابها.

نادية كانت بتبص لي بتكبر وأنا بصب لها. حكايات شروق خالد.

قالت وهي بتغمز لأصحابها بضحكة خبيثة: “بصوا يا بنات.. الشيف العمومية الكبيرة بتعرف تخدم على الترابيزات أهو!”

كام ست ضحكوا في المناديل القماش.

واحدة قالت: “أكلها حلو أوي.. بس شكلها بسيط زيادة عن اللزوم.”

نادية شربت بؤ وقالت: “شيماء طول عمرها كده.. عادية ومربوطة في الساقية، هي شاطرة في الشقا وبس.”

مسكت الزجاجة من رقبتها بكل قوتي، وفضلت واقفة مفرودة ووشي خالي من أي تعبير.. وفضلت مبتسمة.

وفجأة واحدة من صاحباتها مالت وقالت: “وصحيح.. أخبار طارق إيه؟ بقالي كتير ما شفتوش في النادي.” حكايات شروق خالد.

نادية مالت على الكاس ووطت صوتها على أد ما تقدر عشان الترابيزة كلها — وأنا كمان — نسمع كل كلمة: “طارق في أفضل حالاته.. في الحقيقة، عنده واحدة حلوة وصغيرة على جنب ومطيرة عقله ومخلية عيشته فل!”

الصالة كلها سكتت سكتة موت.

نادية ضحكت ضحكة مستخفة وقالت: “يا جماعة ما تبصوليش كده! شيماء أصلاً عمرها ما بتبقى في البيت، هي عايشة في المطبخ ده.. وبعدين طارق من حقه ينبسط وينعنش نفسه!”

واحدة تانية استغربت: “من حقه؟ ومنين الفلوس؟ أنا فاكرة إن شركة الشحن بتاعته كانت بتقع؟”

نادية رفعت كاسها لفوق وقالت بثقة: “من فلوس المطعم ده طبعاً! في الأول والأخر، دي كلها فلوس العيلة!” حكايات شروق خالد.

أنا كنت واقفة ورا كرسيها متصنمة.

بقالي ثلاث شهور بتبع سحوبات غريبة وغير مصرح بيها من حساب الشركة بتاعي.

مصاريف فنادق فخمة.

فواتير محلات مجوهرات.

تحويلات بنكية.

ديون كان طارق بيتحجج ويقول إنها “مصاريف شغالة وطارئة للشركة”.

ولحد اللحظة دي بالذات، مكنتش فاهمة القذارة واللعبة كاملة: نادية كانت عارفة كل حاجة عن خيانة ابنها.. وعارفة بالظبط مين اللي تعب وشقى عشان يصرف على القذارة دي!

وهي بتهز كاسها مع الـ 38 ست التانيين، مكنتش تعرف إن السلاح اللي هيدمر وهمها الكبير ده كان في إيدي أنا، وفي اللحظة دي بالذات… حكايات شروق خالد.

طلعت موبايلي بالراحة وتصلت بالمحامي بتاعي، وقلت له بصوت هادي من غير ما أتردد: “يا أستاذ أحمد، تحول لي كل السحوبات والمصاريف اللي طارق سحبها من غير إذن على الإيميل فوراً، وتجهز بلاغ للنيابة بتهمة اختلاس واختلاس أموال شركة.” حكايات شروق خالد.

رجعت للمطبخ، وقلت لمصطفى: “طبع الفاتورة للترابيزة رقم واحد، ومحدش يخرج من الصالة إلا لما الحساب يتدفع بالقرش.”

مصطفى جاب الفاتورة وكانت طالعة بأرقام تخض.. نص مليون و48 ألف جنيه! حكايات شروق خالد.

أخدت الفاتورة ومشيت بثقة لوسط الصالة، وحطيتها قدام نادية على الترابيزة بكل هدوء.

نادية بصت للفاتورة وضحكت بصوت عالي: “إيه ده يا شيماء؟ أنتِ بتهزري ولا إيه؟ أنتِ جايبة لي الفاتورة أعمل بيها إيه؟”

قلت لها بابتسامة باردة: “علشان تدفعيها يا طنط.. الحساب شامل الـ 39 فرد، والمشروبات الفاخرة اللي طلبتوها.”

نادية وشها اتغير وصوتها علي قدام صاحباتها: “أنتِ اتجننتِ ولا إيه يا بت؟ دفع إيه؟ المطعم ده ملك ابني! وأنا صاحبة مكان هنا، اطلبي لي طارق حالاً!” حكايات شروق خالد.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى