
وقفت ورا الباب، مش قادرة حتى أتنفس. صوت مالك جه من الناحية التانية: «صوفي، افتحي الباب.» وبعده مباشرة صوت لوكاس: «افتحي يا حبيبتي.» كلمة «حبيبتي» لوحدها كانت كفاية ترجعلي كل الخوف اللي حاولت أدفنه. رجعت لورا خطوة. وبصيت للموبايل. الرسالة لسه قدامي: «ماتفتحيش.» لكن مين اللي بعت الرسالة؟
ولو مالك فعلًا مش لوحده…
يبقى مين كان واقف معاه؟
خبط لوكاس على الباب.
«عارف إنك جوا.»
حطيت إيدي على بوقي عشان أمنع نفسي من إصدار أي صوت.
مالك قال بنبرة مختلفة:
«لوكاس، ابعد عن الباب.»
ضحك لوكاس.
«وأسيبها ليك؟»
سكت لحظة.
«مش بعد كل السنين دي.»
اتجمدت.
كل السنين دي؟
يعني كانوا يعرفوا بعض من قبل ما أعرفهم؟
مالك رد:
«إنت خسرت حقك فيها.»
ساد الصمت.
وبعدين سمعت صوت ارتطام قوي.
اتخضيت.
«مالك!»
ماكنتش عارفة أنا ليه ناديت عليه.
يمكن لأن جزء مني لسه مصدق إنه جاي ينقذني.
لكن الرد اللي جه بعدها كان صوت لوكاس:
«أهو ده اللي كنت مستنيه.»
قربت من الباب بحذر.
سمعت مالك يقول:
«إنت عايز إيه؟»
«الحاجة اللي مع صوفي.»
قلبي دق بعنف.
مالك قال:
«هي مش معاها حاجة.»
ضحكة قصيرة من لوكاس.
«إنت عارف إنها معاها.»
سكت.
ثم قال:
«وهي نفسها مش عارفة.»
رجعت لورا.
الحاجة اللي معايا؟
إيه؟
فتحت شنطتي بسرعة.
طلعت كل اللي فيها.
محفظة.
مفاتيح.
مكياج.
أوراق الشركة.
فلاشة صغيرة.
وقفت وأنا ببص للفلاشة.
مافتكرتش إني حطيتها في الشنطة.
مسكتها.
وفجأة افتكرت.
قبل تلات سنين، يوم خطوبتي، لوكاس كان إداني فلاشة وقال لي:
«دي أوراق مهمة. خليها عندك، وماتفتحيهاش غير لما أقولك.»
وقتها ما اهتمتش.
لأن بعدها بأيام بدأ كل شيء يتغير.
بدأ يتحكم في خروجي.
في لبسي.
في مين أكلمه.
وبعد ما حصلت الخلافات الكبيرة…
نسيت الفلاشة تمامًا.
بصيت لها دلوقتي.
«يا نهار أبيض…»
فجأة الباب اتفتح.
رجعت لورا.
مالك دخل بسرعة وقفل الباب وراه.
كان فيه خدش بسيط عند حاجبه.
بصيتله.
«إنت كويس؟»
«آه.»
قفل الباب بالمفتاح.
وبصلي.
«فين الفلاشة؟»
اتجمدت.
«إنت عرفت منين؟»
مالك سكت.
وبعدين قال:
«لأن أخويا كان بيدور عليها قبل ما يموت.»
رفعت الفلاشة.
«دي؟»
عينه وقعت عليها.
ولأول مرة…
شفت الخوف في عينيه.
مش خوف عليّا.
خوف من اللي موجود جواها.
«صوفي… إديها لي.»
ضمّيت إيدي عليها.
«لأ.»
اتصدم.
«إنتِ مش فاهمة—»
قاطعته:
«أنا مش هديك حاجة قبل ما تقولي الحقيقة.»
سكت.
«أخوك كان يعرفني؟»
«لأ.»
«لوكاس كان عايز مني إيه؟»
ماجاوبش.
قربت منه.
«مالك، أنا اتعذبت تلات سنين.»
صوتي كان بيرتعش.
«تلات سنين وأنا بخاف من صوت الباب، من خطوات في الممر… تلات سنين وأنا بقول للناس إني كويسة.»
نزلت دمعة.
«دلوقتي مش هسكت تاني.»
مالك بصلي فترة طويلة.
ثم قال:
«الفلاشة فيها تسجيل.»
«تسجيل لإيه؟»
«لليلة اللي مات فيها أخويا.»
شهقت.
«ولوكاس كان موجود؟»
هز راسه.
«كان موجود.»
«وإنت؟»
سكت.
السؤال خرج مني من غير تفكير:
«إنت كنت موجود كمان؟»
مالك ما ردش.
وهنا فهمت.
رجعت خطوة.
«إنت كنت هناك.»
«صوفي—»
«إنت كنت هناك!»
رفع إيده كأنه عايز يهديني.
«اسمعيني.»
«لا!»
مسكت الفلاشة بقوة.
«إنت كدبت عليا.»
«ماكدبتش.»
«قلتلي أخوك مات في حادثة.»
«لأن ده اللي الكل صدقه.»
«وإنت عارف الحقيقة.»
سكت.
بصيتله بعينين مليانين دموع.
«إنت عارف مين السبب.»
قال بهدوء:
«أيوه.»
«مين؟»
قبل ما يجاوب…
صوت لوكاس جه من ورا الباب:
«أنا.»
اتجمدنا إحنا الاتنين.
مالك بص للباب.
لوكاس كمل:
«أنا السبب.»
قلبي وقع.
قرب مالك من الباب.
«لوكاس، امشي.»
ضحك.
«لسه بتخبي عنها؟»
وبعدين قال:
«قوليلها يا صوفي.»
صوتي خرج ضعيف:
«أقولها إيه؟»
«قوليلها إنك كنتِ موجودة الليلة دي.»
بصيت لمالك.
«إيه؟»
لوكاس قال:
«إنتِ شوفتي كل حاجة.»
رجعت خطوة.
رأسي بدأ يوجعني.
صور متقطعة بدأت تظهر في دماغي.
شارع مظلم.
عربية.
صوت خناقة.
راجل واقع على الأرض.
وصوت حد بيصرخ:
«صوفي، اهربي!»
حطيت إيدي على رأسي.
«لأ…»
مالك قرب مني.
«صوفي؟»
«أنا… فاكرة.»
لوكاس سكت.
وأنا بدأت أفتكر.
ليلة خطوبتي.
قبل ما أرجع البيت.
كنت ماشية ناحية العربية…
وشفت لوكاس واقف مع الراجل نفسه اللي ظهر في الصورة.
كان فيه نقاش حاد.
وبعدين…
شفت الراجل يقع.
والأغرب…
إن آخر حاجة حصلت قبل ما أنسى الليلة دي كلها…
إن لوكاس مسكني من إيدي وقال:
«من النهارده، هتنسَي اللي شوفتيه.»
بصيت لمالك.
«إنت كنت هناك.»
هز راسه ببطء.
«أيوه.»
«وأخويا…»
توقف.
«أخويا هو اللي أنقذك.»
«من إيه؟»
قبل ما يجاوب…
انطفأت أنوار المكان بالكامل.
صرخت.
وسمعت صوت زجاج بيتكسر في الصالة.
مالك مسك إيدي.
«ورايا.»
لكن صوت لوكاس جه من الناحية التانية:
«متتحركيش يا صوفي.»
صوت خطوات بدأ يقرب.
مالك شدني وراه.
ثم ظهر ضوء صغير من هاتفه.
وقال:
«في حد دخل المكان.»
بصيت للباب.
وظل شخص وقف قدامه.
ثم جاء صوت غريب ماكانش صوت لوكاس ولا مالك:
«هاتوا الفلاشة.»
مالك اتجمد.
والرجل أكمل:
«وإلا المرة دي… صوفي مش هتمشي سالمة.»
بصيت للفلاشة في إيدي.
وفهمت أخيرًا…
إنها مش مجرد تسجيل.
دي كانت الحاجة اللي تلات سنين من حياتي اتبنت عشان تفضل مخفية.
ولأول مرة…
عرفت إن لوكاس مش أخطر شخص في القصة.
كان فيه حد أكبر منه.
وحد أخطر من مالك.
والمصيبة…
إن صوته كان مألوف.
مألوف جدًا.
رفعت عيني ناحية الظلام.
وقلت بصوت مرتعش:
«إنت…»
الظل اتحرك خطوة للضوء.
وعرفت وشه.
شهقت.
كان أبويا.
حكايات شروق خالد
فضلت واقفة مكاني كأني اتسمّرت في الأرض.
«بابا؟!»
صوتي طلع مبحوح.
الراجل اللي قدامي كان أبويا فعلًا.
نفس الملامح.
نفس النظرة.
بس كان فيه حاجة اتغيرت.
من آخر مرة شوفته فيها، كان راجل عادي، هادي، دايمًا بيقول لي إن الدنيا مش أمان.
دلوقتي كان واقف قدامي والهدوء اللي على وشه أخوف من أي تهديد.
مالك بصله بصدمة.
«إنت؟»
أبويا ابتسم.
«كنت متأكد إنك هتوصل لها في الآخر.»
بصيت بين الاتنين.
«إنتوا تعرفوا بعض؟»
مالك ما ردش.
أبويا هو اللي قال:
«مالك يعرفني من سنين.»
حسيت إن نفسي اتقطع.
«إنت كنت تعرف اللي بيحصلي؟»
سكت.
«رد عليا!»
بصلي.
«أيوه.»
الكلمة نزلت عليا كأنها صدمة.
«وأنت ساكت؟»
«كنت بحميكي.»
ضحكت وأنا بعيط.
«بتحميني؟!»



