
“طول ما إنتِ متجوزة ابني، فالبيت ده بيتي أنا كمان!” صرخت حماتي، وهي بتفتح درج أوضة النوم كأنها بتدور على حاجة تخصها. فضلت واقفة عند باب الأوضة مش قادرة أصدق اللي شايفاه قدامي. كنت راجعة من شغلي في مصلحة حكومية في القاهرة، وكل اللي كنت بفكر فيه إني أوصل شقتي، أقلع الجزمة وأنام ساعة. لكن أول ما دخلت، لقيت الكنبة متحركة من مكانها، والستاير اتغيرت، والنباتات بتاعتي متكومة جوه كيس أسود، وريحت الكلور ومنعم الغسيل مالية المكان.
حماتي، الحاجة نوال، كانت واقفة في المطبخ بتسخن شوربة فراخ.
بصيت لها وأنا مش فاهمة:
“إنتِ دخلتي هنا إزاي؟”
ردت بكل برود:
“جوزك محمود اداني نسخة من المفتاح. وإنتِ عارفة ابني، قال لي إنك بترجعي من الشغل تعبانة ومش بتلحقي تطبخي، فقلت أجيلك أساعدك.”
خدت نفس طويل، وحاولت أتحكم في أعصابي.
الشقة دي ما كانتش بتاعة محمود أصلًا.
جدي كان سايبها لي قبل جوازي بخمس سنين. عقد الملكية كان باسمي لوحدي. دي كانت الشقة اللي اتعلمت فيها أعيش لوحدي، واللي عيطت فيها كتير بعد وفاة جدي، وفضلت واحدة واحدة أجيب كل قطعة أثاث فيها من فلوسي.
قلت بهدوء:
“أنا مقدرة إنك عايزة تساعديني، بس المرة الجاية يا حماتي، ياريت تقولي لي قبل ما تيجي.”
ضحكت ضحكة صغيرة مستفزة وقالت:
“يا بنتي ما تكبريش الموضوع. أنا مش غريبة. أنا أم جوزك!”
والجملة دي بقت عادتنا.
أسبوع تدخل عليا بعلب أكل من غير ما أسألها.
الأسبوع اللي بعده تفتح دولابي وترتب المطبخ على مزاجها.
ومرة تانية تنتقد ملايات السرير، أو هدومي، أو حتى المرتب اللي باخده من شغلي.
وكل مرة كنت أشتكي لمحمود، كان بيرد بنفس الجملة:
“أمي بتحاول تساعدك بس. إنتِ اللي بتكبري كل حاجة.”
لحد ما بدأت أحس إني ضيفة في بيتي.
لكن آخر حد كان ممكن أتوقعه حصل يوم الجمعة.
الحاجة نوال شافت إسورة فضة عليها فصوص حمرا صغيرة جوه علبة مجوهراتي.
الإسورة دي كنت شاريّاها لنفسي في عيد ميلادي الـ32، وكنت موفرة تمنها بالشهور.
مسكتها وقالت:
“إيه الجمال ده! ممكن آخدها بكرة معايا وأنا رايحة الغدا عند صحبتي؟”
قلت لها:
“بصراحة، ياريت لأ.”
لكنها كانت بالفعل بتقفل الإسورة حوالين إيدها.
“يا بنتي ساعة وهارجعهالك.”
ما رجعتهاش تاني يوم.
ولا اليوم اللي بعده.
عدى عشرة أيام كاملة.
روحت لبيتها في المعادي ووقفت قدامها.
قلت:
“أنا جاية عشان الإسورة بتاعتي.”
عملت وش مستغرب وقالت:
“آه، دي؟! أنا اديتها لـ سلمى بنت أخويا. كان عيد ميلادها، وما كانش عندي حاجة أديهالها.”
حسيت وداني سخنت من الغضب.
“إنتِ اديتي حاجة بتاعتي لحد تاني؟”
ضحكت باستخفاف:
“يا بنتي ما تكبريش الموضوع. دي إسورة صغيرة! وبعدين شكلها على سلمى أحلى، دي صغيرة ولسه شباب.”
طلعت موبايلي واتصلت بمحمود قدامها.
أول ما رد، سمعته وسط دوشة وضحك ومزيكا.
قلت له:
“محمود، مامتك خدت الإسورة بتاعتي وادتها لحد تاني. أنا عايزاك تكلمها.”
ضحك وقال:
“أنا مع شوية ناس في الشغل يا منى. متبدئيش دراما دلوقتي.”
اتصدمت.
“محمود، دي حاجتي!”
رد ببرود:
“خلي أمي تشتري لك واحدة تانية وخلاص.”
“بس دي بتاعتي!”
“يبقى اتصرفي معاها بنفسك. أنا مش هتخانق مع أمي عشان إسورة.”
وقفل المكالمة.
بصيت للحاجة نوال، لقيتها واقفة قدامي وحاطة إيديها على صدرها، وعلى وشها ابتسامة صغيرة مليانة انتصار.
وقالت:
“شايفة؟ ابني عارف كويس يفرق بين الحاجة المهمة والحاجة التافهة.”
فضلت باصة لها ثواني.
وفي اللحظة دي فهمت الحقيقة.
الموضوع عمره ما كان عن إسورة.
دي كانت تجربة.
حماتي كانت بتختبرني.
عايزة تعرف لحد فين تقدر تدخل بيتي، وتلمس حاجتي، وتقرر مكاني، وتاخد اللي يعجبها.
ومحمود، من غير ما يحس، كان بيديها الإجابة كل مرة.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها إن بعد كام يوم بس، نفس العيلة دي هتحاول تدخل شقتي غصب عني، وقدام عيون كل الجيران…
واللي حصل لما باب الشقة اتفتح بالقوة، كان بداية فضيحة محدش فيهم كان مستعد لها.
حكايات شروق خالد
الجمعة اللي بعدها، رجعت من شغلي متأخرة شوية، ولما قربت من العمارة لقيت تجمع غريب قدام المدخل.
جريت بعيني على الناس، وفجأة شفت محمود واقف جنب أمه.
وقفت مكاني.
محمود أول ما شافني، رفع صوته:
“أهو مراتي وصلت!”
الحاجة نوال كانت واقفة جنبه، وفي إيدها شنطة كبيرة، وبجانبهم راجل ماسك شنطة عدة ومجموعة مفاتيح وأدوات معدنية.
بصيت له وسألته:
“مين ده؟”
محمود رد بمنتهى الثقة:
“الراجل اللي هيغير كالون الباب.”
حسيت إن الأرض اتهزت تحت رجلي.
“يغير الكالون بتاع شقتي؟”
ضحكت الحاجة نوال وقالت:
“شقتنا يا منى.”
بصيت لمحمود:
“إنت جاي تعمل إيه هنا؟”
اتقدم خطوة وقال:
“أنا جوزك، والشقة دي بيتنا إحنا الاتنين.”
رديت بهدوء:
“لأ يا محمود. الشقة دي ملكي أنا.”
ضحك قدام الجيران.
“ملكك إيه بس؟ إحنا متجوزين بقالنا تلات سنين. كل حاجة بينا مشتركة.”
رفعت حاجبي.
“كل حاجة؟”
قال:
“آه.”
طلعت موبايلي من شنطتي.
الحاجة نوال قالت بسخرية:
“هو إنتِ هتخوفينا بالموبايل؟”
ما رديتش عليها.
فتحت ملف على موبايلي، وبعدين قلت لمحمود:
“فاكر العقد اللي طلبت مني أمضي عليه بعد الجواز؟”
سكت.
قلت:
“فاكر لما قلت لي إنه مجرد إجراء عشان البنك؟”




