فنجان قهوة ومانجو: كيف غيرت «فريدة» شروط «سليم المصري»#حكايات_شروق_خالد
قرب سليم من ترابيزتهم، وبص لفريدة بابتسامة هادية، وقال بصوت رخيم وواطي: «مساء الخير.. آسف لو أزعجتكم، بس أحب أعرفكم بنفسي.. أنا سليم المصري، وببساطة كده، أنا شخص بيحاول يتغير للأحسن كل يوم.. ومستعد أسمع باقي الشروط.»
فريدة اتسمرت مكانها، والشرقة خنقتها وهي بتشرب العصير. نهى وصاحبتها التانية اتنحوا، وعينيهم بتتطلع بين سليم وبين الوشوم اللي باينة على دراعه وهيبته اللي مالية المكان.
نهى همست بذهول وهي مبلمة: «سليم… المصري؟!»
فريدة رفعت راسها وبصت له بثبات، رغم إن قلبها كان بيدق بسرعة. سحبت منديل بالراحة، ومسحت شفايفها وقالت بنبرة هادية بس فيها حذر: «حضرتك بتمشي في الأماكن العامة بتتصنت على كلام الناس وتجمع شروطهم؟»#حكايات_شروق_خالد
سليم ابتسم ابتسامة خفيفة أظهرت جانب دافي جداً في وشه، وقعد على الكرسي الفاضي جنب الترابيزة بعد ما استأذن بنظرة: «أنا مكنتش بتصنت، الصوت كان طالع واضح، والصراحة… شروطك كانت أصدق حاجة سمعتها في المكان ده كله من سنين.»
فريدة بصت له بتركيز، وعينيها بتتنقل بين ملامحه الهادية وبين طارق اللي كان واقف بعيد بيبص عليهم ومبتسم.
«بس حضرتك نسيت أهم شرط يا أستاذ سليم،» فريدة قالتها وهي بتسند إيديها على الترابيزة وبتبصله بحدية: «الشرط السابع.»
سليم هز رأسه بالراحة، ونبرة صوته بقت جادة وعميقة: «ما نسيتوش… بس فيه فرق كبير بين رجل أعمال عنده ماضي وبيحاول يغيره ويحمي شغله بالحلال، وبين واحد عايش في الشمال وبيمارس البلطجة. أنا أخدت قراري من سنين إن اسمي ما يرتبطش بأي حاجة تمس المبادئ اللي اتكلمتي عنها.»
فريدة سكتت لحظة، كأنها بتوزن كلامه ونبرة صوته اللي مكنش فيها أي نوع من الفشر أو فرض السيطرة.
سليم كمل وهو بيسحب كارت بسيط من جيبه وبيحطه على الترابيزة قدامها: «أنا مش جاي أفرض نفسي، ولا جاي أثبت إن كامل الأوصاف.. أنا بس بقدم نفسي كفرصة للتعارف، بشرطك أنتِ… من غير أي نفوذ ولا مجاملات، ولو قلتي “لأ”… هحترم قرارك ومش هتشوفي وشي تاني، لأن «لأ» إجابة كاملة مش محتاجة فصال.»
فريدة بصت للكارت، وبعدين بصت لعينيه الذهبية الدبش اللي كانت بتترجاه بالهدوء. ابتسمت ابتسامة خفيفة جداً كسرَت كل التوتر اللي في الجو.#حكايات_شروق_خالد
«طب والمانجو بتاعة الحجة؟» فريدة سألته بذكاء وهي بتميل براسها.
سليم ضحك بصوت عالي ودافي أربك كل اللي في الروف: «المانجو هتوصل قبل الغدا… بس لو وافقتي نتغدا سوا، أوعدك إن العصير هيكون عليا.»
فريدة بصت لصاحباتها اللي كانوا بيهزوا راسهم بالإيجاب بلهفة متخلفة، وبعدين بصت لسليم وقالت بثبات: «نتكلم يا سليم… بس القهوة المرة الجاية على حسابي، عشان نفضل على نور.»
سليم هز رأسه باحترام وقف وهو مبتسم: «اتفقنا يا أستاذة فريدة.»
ومن اليوم ده، بدأت قصة جديدة على بحر الساحل، قصة إثبات إن الراجل الحقيقي مش بنفوذه وقوته، لكن بصدقه وحنيته واحترامه للي يحبها.
ومع بداية حكايتهم، أثبت سليم بمرور الأيام إن الوعود مش مجرد كلام يتقال على ترابيزة في لحظة صفا، لكنها مواقف بتظهر في أضيق الأوقات.
مرت الشهور، وعلاقتهم بقت تكبر في الهدوء بعيداً عن صخب المظاهر. سليم كان حريص في كل خطوة إنه يسيب لفريدة مساحتها الكاملة؛ مفيش قرار يفرضه، ولا خطوة يخطوها من غير ما يأخد رأيها، لدرجة إنها بقت هي اللي بتلجأ له لما تحتاج مشورته، مش لأنه فرض نفسه، لكن لأنه أثبت إنه سند حقيقي يستاهل ثقتها.
أما فريدة، فبدأت تشوف في سليم الراجل اللي طول عمرها بتتمنى تلاقيه. شافته وهو بيمسك شغل الشركات بكل حزم وقوة، وفي نفس الوقت بيقعد تحت رجلين أمه يغسلها الفاكهة ويسمع حكاويها بالساعات. شافته مع العاملين في قرايه السياحية، بيحترم الصغير قبل الكبير، ومفيش حد يقصده في خدمة ويرده خايب.
وفي يوم كان المطر نازل فيه بغزارة على كورنيش إسكندرية، قعدوا سوا في كافيه هادي بيبص على البحر. سليم طلع علبة صغيرة من جيبه، وحطها قدام فريدة بالراحة.
فريدة بصت للعلبة، وبعدين رفعت عينيه فيه بابتسامة: «دي خطة جديدة عشان تعدي من شروطي؟»
سليم ابتسم بدفء وقال بنبرة صادقة: «أنا عديت من الشروط من زمان يا فريدة.. العلبة دي مش عشان أغير حياتك، دي عشان أطلب منك تشاركيني حياتي. خاتم بسيط، ميهمنيش تلبسيه إلا لو حاسة برغبة حقيقية إننا نصير واحد، ومن غير أي ضغوط.»
#حكايات_شروق_خالد
فريدة فتحت العلبة، ولقيت خاتم رقيق جداً يعكس بساطتها وشخصيتها. رفعت عينها فيه وقالت بثبات ونبرة مليانة حب: «أنت مش بس انطبقت عليك الشروط يا سليم.. أنت غيرت مفهومي عن الرجولة كلها.»
واتجوزوا في حفل هادي، اقتصر على القريبين جداً وبس. وعاشوا سوا قصة أثبتت لكل اللي حواليهم إن القوة الحقيقية مش في التسلط فرض السيطرة، لكن في الحنية، والأصل الطيب، والاحترام المتبادل.
وبعد مرور كم سنة، كانت الحياة بتسير في هدوء ودفء في بيتهم الجديد على البحر.
سليم كان كفي بوعده لآخر لحظة؛ شغل الشركات كله بقى ماشي بالقانون وفي النور، وكل أثقال الماضي اتنست تماماً وبقت مجرد ذكريات بعيدة. وفريدة كملت في شغلها في المدرسة اللي بتحبها، وكانت كلمة سليم ليها دايماً: «شغلك وكيانك خط أحمر، نجاحك من نجاحي».
وفي ليلة هادية من ليالي الصيف، كانوا قاعدين في البلكونة الكبيرة اللي بتطل على بحر إسكندرية، صوت الموج هادي، والنسيم عليل. سليم كان ماسك كوباية الشاي بنعناع، وجنبه فريدة شايلا بين إيديها بنتها الصغيرة «نور» اللي كانت نايمة في حضنها بسلام.
سليم بص لنور، وبعدين رفع عينيه لفريدة وابتسم ابتسامة دافية: «عارفة يا فريدة؟ لما افتكر الليلة دي في الساحل، والورقة اللي كتبت فيها شروطك.. بكتشف إن أجمل حاجة حصلتلي في حياتي إني فشلت في الشرط الأخير وقتها، عشان أتوجه ليكي وأبدأ أعيش بجد.»
فريدة مالَت برأسها على كتفه وابتسمت بحب: «أنت مفشلتش في حاجة يا سليم.. أنت بس أثبتلي إن الست لما تختار راجل بجد، بيخليها تستغنى عن كل حذرها وخوفها، وتعيش وهي مطمنة.»
سليم لف دراعه حوالين فريدة وبنته، وبصوا هما الاتنين للبحر اللي كانت أنوار الشاطئ بتعكس عليه.. وبكده اكتملت قصتهم، مش بفرض السيطرة والقوة، لكن بالحب والاحترام اللي بنى بيت مابيهتزش للأبد.


