
سليم هز راسه.
— أبوكي ما كانش مجرد عامل عندي يا زينب.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
— أمال كان إيه؟
قبل ما يرد، دوّى صوت رصاصة تانية.
لكن المرة دي الرصاصة ضربت في الحائط جنب رأس زينب.
صرخت غصب عنها، وسليم جذبها بسرعة ووقعها وراه، وبعدها سحب مسدسه.
— انزلي!
انحنت زينب وهي بتبص له بخوف.
خرج سليم من ورا الحائط، وبدأ رجاله ينتشروا في المكان.
— فتشوا كل شبر!
صوت جري وخبط والصراخ ملأ المزرعة.
وبعد دقايق، رجع واحد من رجالة سليم وهو بيقول:
— مفيش حد يا كبير… بس لقينا دي.
وحط قدامه صورة قديمة.
سليم أول ما شافها، اتسمر مكانه.
زينب مدت إيدها وخدت الصورة.
كانت صورة لأبوها…
واقف جنب سليم نفسه، وفي إيديهم صندوق حديد صغير.
قالت وهي مش مصدقة:
— إيه ده؟
سليم سكت.
— أبويا كان بيشتغل معاك في إيه؟
بصلها وقال:
— في حاجة لو خرجت للنور… هتولع البلد كلها.
زينب قربت منه:
— وإنت مخبيها ليه؟
قال سليم:
— لأني وعدت أبوكي قبل ما يموت إني أحميكي.
ضحكت بسخرية رغم دموعها:
— تحميني؟! وإنت من شوية كنت ماسك إيدي وبتقولي هوريكي مكانك فين!
سليم بص لها طويلًا.
وبصوت مختلف تمامًا قال:
— أنا كنت عايز أخوفك عشان تبعدي عني.
— ليه؟
— عشان اللي بيقرب مني… بيتأذي.
سكت لحظة، وبعدين أضاف:
— وإنتِ بالذات، لو عرفوا إنك أهم نقطة في السر ده، مش هيقتلوك بس…
اقترب منها وقال:
— هيستخدموكي عشان يوصلوا ليا.
وفجأة، سمعوا صوت عربية بتدخل بوابة المزرعة بسرعة جنونية.
كل الرجالة رفعت سلاحها.
سليم خرج قدامهم.
العربية وقفت.
الباب اتفتح…
ونزل منها راجل عجوز، شعره أبيض، وفي إيده عصاية.
أول ما شافته زينب، شهقت:
— مستحيل…
سليم بص لها باستغراب.
— إنتِ تعرفيه؟
دموع زينب نزلت من غير ما تحس.
وقالت:
— ده عمي… وأنا اتقال لي إنه مات من عشرين سنة.
العجوز ابتسم ابتسامة غامضة وقال:
— أبوكي ما ماتش يا زينب…
ثم بص لسليم وأضاف:
— وسليم هو الوحيد اللي يعرف هو فين.
حكايات شروق خالد
سليم أول ما سمع كلام الراجل العجوز، إيده شدت على مسدسه.
بص له بنظرة كلها غضب وقال:
— إنت بتقول إيه يا حاج صابر؟
زينب كانت واقفة بينهم، وشها شاحب وعينيها مليانة صدمة.
— بابا عايش؟
حاج صابر هز راسه ببطء.
— أيوه يا بنت أخويا… أبوكي عايش.
زينب قربت منه بسرعة:
— طب فين؟! فين أبويا؟!
حاج صابر بص لسليم قبل ما يرد.
— اسألي سليم.
زينب لفت لسليم، وصوتها اتهز لأول مرة:
— إنت عارف هو فين؟
سليم فضل ساكت.
— رد عليا!
— عارف.
— وكنت سايبني عشرين سنة فاكرة إنه مات؟!
سليم نزل عينه لحظة، وبعدها قال:
— أبوكي هو اللي طلب مني أعمل كده.
— كداب!
صرخت فيها وهي بتضربه على صدره بإيديها.
— كداب! محدش يطلب من حد يسيب بنته تعيش عمرها كله وهي فاكرة أبوها مات!
سليم مسك إيديها، لكن المرة دي قبضته كانت هادية.
— أبوكي كان مطارد من ناس أخطر مني.
زينب سكتت.
— ولو كانوا عرفوا إنك بنته، كانوا وصلوا له عن طريقك.
حاج صابر قال:
— والناس دي رجعت تاني.
سليم بص له:
— عشان كده قتلتوا رجلي عند البوابة؟
العجوز ابتسم ابتسامة غامضة.
— مش إحنا.
سليم رفع مسدسه فورًا.
— يبقى مين؟
حاج صابر بص ناحية الإسطبل وقال:
— نفس الناس اللي بيدوروا على أبو زينب.
وفجأة انطفأت أنوار المزرعة كلها.
غرق المكان في ظلام تام.
صرخ أحد الرجال من بعيد:
— يا كبير! في عربيات داخلة من البوابة!
بدأ صوت الرصاص يدوي في كل مكان.
سليم شد زينب ورا جسمه.
— ما تخرجيش من ورايا.
قالت وهي بتحاول تشوف في الضلمة:
— وأنا هفضل مستخبية طول عمري؟
— لو عايزة تعيشي… أيوه.
لكن زينب ما سمعتش كلامه.
لمحت حركة عند طرف الحوش، ومدت إيدها ناحية السكينة اللي كانت واقعة على الأرض.
وفي اللحظة اللي واحد من المهاجمين ظهر قدامهم، رفعت السكينة وغرستها في إيده.
الراجل صرخ ووقع سلاحه.
سليم بص لها للحظة بدهشة.
— إنتِ بتعرفي تستخدمي السكينة؟
ردت وهي بتتنفس بسرعة:
— اتعلمت من أبويا.
سليم ابتسم لأول مرة من قلبه.
— واضح إن أبوكي ربّاكي صح.
لكن قبل ما يكمل كلامه، دوّى صوت رصاصة.
حاج صابر وقع على الأرض.
زينب صرخت:
— عمي!
وجريت ناحيته.
سليم مسكها من وسطها ومنعها.
— لأ!
— سيبه!
— دي طلقة في كتفه، ولسه عايش.
حاج صابر رفع عينه بصعوبة وقال:
— سليم…
— أنا سامعك.
— خد زينب… واهربوا من هنا.
سليم بص له بحدة:
— وأبوها؟
العجوز ابتسم رغم الألم.
— هو مستنيكم… في المكان اللي كل الحكاية بدأت منه.
سليم اتجمد.
— المخزن القديم؟
حاج صابر هز راسه.
زينب بصت لسليم:
— يلا.
— إنتِ متأكدة؟
مسحت دموعها وقالت:
— عايزة أشوف أبويا.
سليم بص في عينيها، وبعدها مسك إيدها.
— يبقى من اللحظة دي… إنتِ مسؤوليتي.
قالت بعناد:
— أنا مش ملكك يا سليم.
بصلها وقال:
— عارف.
وسكت لحظة قبل ما يضيف:
— بس طول ما أنا عايش، محدش هيقدر يلمسك.
حكايات شروق خالد
وصل سليم وزينب للمخزن القديم قبل الفجر بشوية.
المكان كان مهجور، والهدوء اللي حواليه كان مرعب.
سليم نزل من العربية ورفع مسدسه، وبص لزينب:
— خليكِ ورايا.
دخلوا المخزن، وكل خطوة كانت بتردد صداها في المكان.
وفجأة سمعوا صوت رجل من آخر الظلام:
— زينب…



