
ابتسم.
«إما ترجعي ملك لنجلاء…»
وسكت.
«أو تعرفي الحقيقة الكاملة عن بنتك اللي ماتت.»
حسيت قلبي بيتقطع.
«بنتي؟»
قال:
«لأن بنتك الحقيقية… ما ماتتش في المستشفى.»
محمود شهق.
وعادل بص له بصدمة.
أما أنا…
فماقدرتش أقول غير كلمة واحدة:
«إيه؟»
الرجل ابتسم.
«بنتك عايشة يا سمر.»
وبعدين أضاف:
«وهي عارفة إنك أمها.»
ملك شهقت.
وفي اللحظة دي، جالي إشعار على موبايلي.
صورة.
صورة لبنت صغيرة.
تشبهني بشكل مخيف.
وتحت الصورة جملة واحدة:
«ماما… أنا مستنياكي من ست سنين.»
فضلت ماسكة الموبايل، وببص للصورة كأني مش قادرة أصدق اللي عيني شايفاه.
البنت الصغيرة كانت شبه صورتي وأنا طفلة.
نفس العينين.
نفس شكل الأنف.
وحتى نفس الشامة الصغيرة اللي كانت عندي جنب مناخيري.
همست:
«دي بنتي…»
الرجل ابتسم.
«أيوه.»
عادل اندفع ناحيته، لكن محمود مسكه.
«استنى!»
صرخت:
«إنت مخبيها فين؟!»
الرجل قال:
«في مكان محدش يقدر يوصل له.»
«هاتهالي!»
«هتروحي لها لوحدك.»
عادل صرخ:
«ما تسمعيش كلامه!»
الرجل وجه المسدس ناحية الأرض.
«الاختيار عندها.»
بصيت لملك.
كانت بتبص للصورة ودموعها على خدودها.
قلت لها:
«ملك… أنا مش هسيبك.»
هزت راسها.
«روحي يا ماما.»
حضنتها بقوة.
«إنتِ بنتي، مهما حصل.»
عادل قرب مني.
«سمر، لازم تفهمي حاجة.»
بصيت له.
«إيه؟»
«البنت اللي في الصورة… مش بنتك.»
اتصدمت.
«إنت بتقول إيه؟»
عادل بص للرجل.
«دي آخر لعبة عنده.»
الرجل ضحك.
«أخيرًا بدأت تفهم.»
وبعدين بصلي.
«البنت دي بنت نجلاء.»
صمت.
«وإنتِ كنتِ عارفة من الأول.»
قلت:
«أنا؟!»
هز راسه.
«في يوم الولادة، الدكتور قالك الحقيقة.»
رجعت خطوة.
«أنا مش فاكرة.»
محمود قال:
«لأنهم ادولك مهدئ قوي.»
الرجل أكمل:
«لكن نجلاء كانت مصورة كل حاجة.»
طلع موبايله وفتح فيديو.
ظهر تسجيل قديم.
كنت أنا في المستشفى.
وشكلي مرهق، وحاضنة طفلة صغيرة.
صوتي في الفيديو كان واضح:
«دي بنتي.»
وبعدين ظهر الدكتور وهو بيقول:
«دي مش البنت اللي ولدتِها.»
حسيت دموعي نزلت.
لكن الفيديو كمل.
ظهر محمود.
كان شايل طفلة تانية.
ثم ظهر عادل.
وكان واقف جنب نجلاء.
وفجأة فهمت.
أنا ماكنتش ضحية القصة كلها.
أنا كنت جزء منها من غير ما أعرف.
عادل قال:
«إحنا حاولنا نحميكي.»
بصيت له.
«بس كدبتوا عليا.»
«أيوه.»
«وخليتوني أربي بنت مش بنتي.»
«لأنك كنتِ الوحيدة اللي تقدر تحميها.»
بصيت لملك.
وفجأة فهمت معنى كل حاجة.
الكلمة اللي كانت مكتوبة على رقبتها.
«كذابة.»
ماكانتش موجهة لملك.
كانت موجهة ليا.
أو لكل اللي أخفوا الحقيقة.
الرجل قال:
«دلوقتي عندك فرصة تصلحي كل ده.»
سألته:
«فين نجلاء؟»
ابتسم.
«هتلاقيها عند البنت.»
خرجنا من المكان.
ولأول مرة، عادل ومحمود كانوا ماشيين ورايا.
أنا اللي كنت قدام.
وصلنا لبيت قديم في آخر الشارع.
الباب كان مفتوح.
دخلت.
وسمعت صوت بكاء طفلة.
قلبي وقف.
مشيت ناحية الصوت.
ولقيتها.
بنت صغيرة قاعدة على السرير.
أول ما شافتني، قامت.
فضلت باصة لي.
وبعدين قالت:
«ماما؟»
ماقدرتش أتحرك.
جريت عليها.
حضنتها.
وهي فضلت تعيط في حضني.
«أنا استنيتك كتير.»
غمضت عيني.
«وأنا دورت عليكي طول عمري من غير ما أعرف.»
ورايا، عادل وقف ساكت.
ومحمود نزل راسه.
وفجأة ظهرت نجلاء.
كانت واقفة عند الباب.
وشها شاحب.
لكنها كانت حية.
بصيت لها.
«إنتِ نجلاء؟»
هزت راسها.
«أيوه.»
«إنتِ أم ملك؟»
«أيوه.»
بصيت لملك.
وبعدين للبنت اللي في حضني.
كل واحدة فيهم كانت ضحية كذبة عمرها ست سنين.
نجلاء قالت:
«أنا مش جاية أخد ملك منك.»
بصيت لها.
«وأنا مش هاخد بنتك منك.»
سكتنا.
ثم اقتربت نجلاء.
«يمكن إحنا الاتنين أمهات… بس كل واحدة فينا ربّت بنت التانية.»
دموعي نزلت.
مديت إيدي لها.
ومسكنا إيد بعض.
أما الرجل اللي بدأ كل الحكاية، فقد تم القبض عليه بعد ما سلم عادل التسجيلات للشرطة.
ومحمود اعترف بكل حاجة.
اتفتح التحقيق من جديد في حريق المستشفى، وفي تبديل الأوراق، وفي اختفاء عادل.
بعد شهور، ظهرت الحقيقة كاملة.
بنتي الحقيقية كانت عايشة.
وملك كانت بنت نجلاء.
لكن بالنسبة لي…
الاتنين كانوا بناتي.
مرت سنة.
كنت قاعدة في البيت، وملك والبنت التانية بيلعبوا مع بعض.
ملك جريت عليا.
«ماما سمر!»
البنت التانية جريت وراها.
«ماما!»
ضحكت وأنا فاتحة دراعاتي لهم الاتنين.
دخل عادل من الباب.
بصلي وقال:
«لسه زعلانة مني؟»
بصيت له.
«هفضل فاكرة الست سنين اللي ضاعوا.»
نزل عينه.
قلت:
«بس مش هخليهم يضيعوا أكتر.»
ابتسم.
«يعني سامحتيني؟»
هزيت راسي.
«سامحتك… بس الثقة هترجع واحدة واحدة.»
ضحك.
«موافق.»
وفي اللحظة دي، ملك رفعت إيدها.
«ماما، بصي!»
بصيت لها.
كانت بتوريلي رقبتها.
مكان الكلمة القديمة كان اختفى.
اتشال الأثر تمامًا.
سألتها:
«فاكرة كانت مكتوب عليها إيه؟»
ابتسمت.
«كذابة.»
وبعدين حضنتني.
«بس أنا دلوقتي عارفة الحقيقة.»
حضنتها.
وبصيت للبنت التانية.
وقلت:
«وأنا كمان.»
ومن يومها، مابقاش في أسرار.
مابقاش في كدب.
ومابقاش في حد بيحاول يقرر مين يستحق يكون أم ومين لأ.
لأن الأم مش بس اللي بتولد.
الأم هي اللي تفضل.
واللي تحمي.
واللي تسهر.
واللي حتى بعد ما تعرف الحقيقة كاملة…
تختار تفتح دراعاتها.
وفي آخر الليل، وأنا شايفة البنتين نايمين جنب بعض، ابتسمت.
لأول مرة من ست سنين…
نمت وأنا قلبي مطمّن.
لأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة…
أرحم بكتير من كذبة عشتِ جواها طول عمرك.
«بنتي اللي ربيتها طلعت مش بنتي»
حكايات شروق خالد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



