
طلع ورقة مطبوعة ومدها لها.
“القواعد بسيطة.”
جدول صارم.
مفيش حلويات بين الوجبات.
ساعة واحدة بس تلفزيون تعليمي.
ممنوع التابلت.
أنشطة منظمة.
وفوق كل ده، الاحترافية.
وبعدين قال بلهجة حاسمة:
“هو مش صاحبك. هو مسؤوليتك.”
مريم أخدت الورقة وبدأت تقراها بعناية.
وشها ما اتغيرش، لكن محمود لاحظ صوابعها شدت شوية على الورقة.
“في مشكلة؟”
“لأ يا فندم. بس عندي سؤال.”
“اتفضلي.”
رفعت عينيها له.
“ينفع أحضنه؟”
محمود اتفاجئ.
“إيه؟”
“مالك. لو احتاج… لو وقع، أو خاف… ينفع أحضنه؟ مش مكتوب ده في القواعد.”
حاجة اتشدت جوا صدر محمود.
ليه السؤال ده ضايقه بالشكل ده؟
“أعتقد آه… لو في ضرورة.”
“ولو مفيش ضرورة… بس هو طلب الحضن؟”
محمود قطب جبينه.
“ليه يطلبه لو مفيش ضرورة؟”
مريم بصت له مباشرة.
“عشان ساعات الأطفال بيحتاجوا الحنان من غير سبب. بس عشان هما أطفال.”
كان في حاجة في طريقتها.
ما كانتش بتتحداه.
ولا بتترجاه.
كانت بس بتقول الحقيقة.
محمود رد ببرود أكتر مما كان يقصد:
“اعملي اللي شايفاه مناسب.”
وبعدين كمل:
“بس افتكري… إنتِ هنا عشان ترعيه، مش عشان تاخدي مكان أمه.”
مريم هزت راسها.
“أنا مش جاية أخد مكان حد يا أستاذ محمود. أنا جاية أرعى طفل فقد أمه. والاتنين مش نفس الحاجة.”
شد محمود فكه.
“اشتغلت عندي اتناشر مربية قبلك. كلهم قالوا إنهم هيلتزموا بالقواعد. ولا واحدة كملت شهر.”
مريم وقفت، وبصت له بثبات.
“مع كامل احترامي، أنا معرفش ظروف المربيات اللي قبلي. بس اللي أعرفه إن كل طفل يستحق يتعامل معاه بكرامةH وحنان، مش بالقواعد وبس. لو ده هيسبب مشكلة لحضرتك، يمكن أنا مش الشخص المناسب للشغل.”
سكت البيت كله.
محمود ما كانش متعود حد يكلمه بالطريقة دي.
كان المفروض يطردها فورًا قبل حتى ما تبدأ.
لكن حاجة منعته.
يمكن الثقة اللي في عينيها.
يمكن إنه تعب من البحث عن المربية رقم أربعة عشر.
أو يمكن… في جزء مدفون جواه كان عارف إنها عندها حق.
“اتقبلتي. ابدئي من دلوقتي.”
لأول مرة، ابتسمت مريم.
ابتسامة صغيرة… بس حقيقية.
“شكرًا يا أستاذ محمود.”
محمود مسك شنطة شغله واتجه للباب.
لكنه وقف قبل ما يخرج.
“مريم.”
بصت له.
“مالك هو كل اللي فاضلي.”
صوته اتغير.
“لو حصل له أي حاجة… لو اتأذى بأي شكل وهو تحت رعايتك…”
مريم قاطعته بحزم:
“مش هيحصل له حاجة.”
وبصت في عينه.
“عندك كلمتي.”
في العربية، وهو في طريقه للشركة، محمود ما قدرش يخرج مريم من دماغه.
الست دي كانت بتهدد سيطرته.
لأنها ما كانتش محتاجة موافقته عشان تعمل شغلها كويس.
طلع تليفونه واتصل بشركة أمن.
“عايز كاميرات مراقبة.”
سكت لحظة.
“كاميرات صغيرة ومستخبية في كل الفيلا.”
وبعدين قال:
“النهارده بعد الساعة سبعة.”
الفلوس مش مشكلة.
رجع بضهره على كرسي العربية، وبص من الشباك على زحمة القاهرة.
صوت صغير جواه، صوت شبه صوت مراته الراحلة، همس:
“إنت بتحاول تقنع مين يا محمود؟ نفسك؟”
محمود تجاهل الصوت.
زي ما اتعلم يتجاهل حاجات كتير خلال تمن شهور.
بالليل، جه فنيين الأمن.
كاميرات صغيرة جوه كواشف الدخان.
كاميرا متخفية في ساعة الصالة.
كاميرات في زوايا السقف اللي محدش يقدر يلاحظها.
قدامه على اللابتوب ظهرت تمان شاشات.
الصوت واضح.
الصورة عالية الجودة.
يقدر يسمع كل كلمة بتحصل في البيت.
محمود بص للشاشات وقال لنفسه:
“ده عشان أضمن سلامته.”
لكن صوت مراته رجع يرن في دماغه:
“ولا إنت خايف إنها تعمل الحاجة اللي إنت مش قادر تعملها؟”
صب لنفسه كوباية، وطفى النور.
وقعد لوحده قدام شاشات المراقبة.
وهو ما يعرفش إن اللي هيشوفه بعد دقائق… هيغير نظرته لابنه، وللمربية، ولنفسه… للأبد.
في اللحظة اللي محمود طفى فيها النور، ظهرت أول صورة على شاشة المراقبة.
كانت مريم في المطبخ.
محمود قرب اللابتوب منه، وحط الكوباية على الترابيزة من غير ما ياخد باله.
كان متوقع يشوفها وهي بتفتش في البيت، أو بتستخدم حاجاته، أو بتتكلم في التليفون، أو حتى بتعمل حاجة من وراه.
لكن مريم كانت واقفة قدام التلاجة، بتحضر طبق صغير من الأكل.
وبعدين شالته وطلع لأوضة مالك.
محمود بص للشاشة التانية.
مالك كان قاعد على الأرض لوحده، زي عادته، بيلعب بالمكعبات.
مريم دخلت الأوضة وقعدت على الأرض جنبه.
“مالك.”
الولد رفع عينه.
“نعم؟”
“إنت أكلت كويس النهارده؟”
هز راسه.
“أيوه.”
مريم بصت للطبق اللي في إيده.
“طب ليه سايب نص الساندوتش؟”
مالك سكت.
“مش جعان.”
مريم ما ضغطتش عليه.
حطت الطبق جنبه وقالت:
“ماشي. لما تجوع كل.”
وبعدين بدأت تبني معاه المكعبات.
محمود عقد حواجبه.
هي بتعمل إيه؟
دي مش من ضمن القواعد.
بعد دقايق، مالك بص لها فجأة وقال:
“ماما كانت بتعمل كده.”
إيد مريم وقفت.
“كانت بتبني معاك؟”
مالك هز راسه.
“كانت بتقعد على الأرض. بابا عمره ما بيقعد.”
محمود حس بحاجة خبطت في صدره.
فضل باصص للشاشة.
مريم ما ردتش عليه بكلام كتير.
قالت بهدوء:
“بابا بيحبك.”
مالك بص في الأرض.
“هو مش بيحبني.”
محمود انتفض من مكانه.
“إيه؟”
قالها لنفسه بصوت مسموع.
قرب من الشاشة أكتر.
مالك كمل:
“لو بيحبني… كان حضني.”
مريم سكتت ثواني.
وبعدين فتحت دراعها.
“طب تعالى.”
مالك فضل مكانه.
مريم ما جبرتهوش.
فضلت فاتحة دراعها وقالت:
“الحضن مش إجبار. لو عايز تعالى.”
بعد ثواني، مالك قام ببطء، ومشى ناحيتها.
وأول ما دخل بين دراعها، جسمه الصغير ارتخى بالكامل.
مريم ضمته بحنان.
محمود فضل واقف قدام الشاشة، مش قادر يتحرك.
لأنه لأول مرة من تمن شهور، شاف ابنه بيتصرف كطفل عنده تلات سنين.
مالك ما كانش هادي.
مالك كان مكسور.
والسكوت اللي محمود افتكره أدب… كان حزن.
فجأة، مالك رفع وشه وقال:
“مريم؟”
“نعم يا حبيبي؟”
“إنتِ هتمشي زي كل المربيات؟”
مريم بلعت ريقها.
“ليه بتسأل؟”
“عشان كلهم مشيوا.”
“مش عارفة.”
“بابا بيطردهم.”
مريم بصت ناحية الباب، وكأنها حاسة إن حد بيراقبهم.
“مالك… باباك بيحبك.”
الولد رد بسرعة:
“هو بيحبني بس مش عايزني.”
محمود قفل عينه.
الكلمة دي وجعته أكتر من أي حاجة.
وبعدين سمع مريم بتقول:
“مين قالك كده؟”
مالك رد:
“هو.”
“باباك قالك إنه مش عايزك؟”
“لأ.”
“أمال عرفت منين؟”
مالك حط راسه على صدرها.
“عشان لما ببوسه بيبعدني.”
محمود فتح عينه.
افتكر كل مرة ابنه كان بيقرب منه.
كل مرة كان بيحاول يحضنه.
وهو كان بيبعده بحجة إنه مستعجل.
أو مرهق.
أو عنده شغل.




