
“حوالي مية وعشرين ألف جنيه.”
سليم مد إيده للدرج.
مريم قامت بسرعة.
“لا.”
وقف إيده في الهوا.
“أنا لسه ما عرضتش.”
“عارفة.”
“إزاي؟”
“وشك بيقول.”
رجع إيده ببطء.
“إنتِ غريبة.”
“وأنت صعب.”
في اللحظة دي، سمعوا صوت باب الجناح بيتفتح.
ودخلت نادين.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان معاها محمود.
ومجرد ما شافه سليم، اتغيرت ملامحه.
محمود كان واحد من أقرب رجاله.
الرجل اللي سليم ائتمنه على مفاتيح مخازنه وحساباته وأسراره.
محمود وقف عند الباب.
بص لمريم.
ثم لسليم.
وقال:
“إحنا محتاجين نتكلم لوحدنا.”
سليم ما ردش.
بص لمريم وقال:
“اطلعي.”
مريم هزت راسها وخرجت.
لكن قبل ما الباب يقفل، سمعت صوت سليم:
“مريم.”
وقفت.
“خلي الباب مفتوح.”
محمود بص له باستغراب.
سليم قال:
“أنا قلت الباب مفتوح.”
مريم نفذت.
وقفلت الباب نص قفلة.
دخل محمود وقرب من السرير.
قال:
“في موضوع لازم يتحسم.”
“أرض الميناء؟”
“أيوه.”
“مش هتمضي.”
محمود اتنهد.
“سليم، إنت لازم تفهم إن الدنيا اتغيرت.”
“الدنيا اتغيرت؟”
“أيوه.”
اقترب محمود أكثر.
“إنت مش قادر تدير الإمبراطورية زي الأول.”
سليم ابتسم ابتسامة باردة.
“إمبراطوريتي؟”
“الرجالة محتاجة قائد.”
“وأنا مين؟”
سكت محمود.
سليم ثبت عينيه فيه.
“جاوبني.”
“إنت قائدنا.”
“يبقى ليه جاي تاخد توقيعي؟”
محمود اتوتر.
نادين تدخلت:
“عشان مصلحتك يا سليم.”
بص لها.
“مصلحتي؟”
“أيوه.”
“ولا مصلحتك؟”
ساد الصمت.
سليم لاحظ إن محمود بص لنادين للحظة.
نظرة سريعة جدًا.
لكن سليم كان طول عمره عايش على ملاحظة النظرات.
عرف إن بينهم حاجة.
قال بهدوء:
“اخرجوا.”
نادين اتفاجئت.
“سليم…”
“قلت اخرجوا.”
خرجوا.
وبمجرد ما الباب اتقفل، سليم نادى:
“مريم.”
دخلت.
“أيوه؟”
“تعالي.”
قربت.
قال:
“محمود كان متوتر.”
“وأنا مالي؟”
“إنتِ سمعتي الكلام.”
“سمعت.”
“عايزك تفتكري حاجة.”
بصت له.
“إيه؟”
قال بصوت منخفض:
“من النهارده، أي حد يدخل أوضتي، أنا عايزك تلاحظي وشه.”
مريم عقدت حاجبيها.
“ليه؟”
“لأن فيه حد هنا بيحاول يدفني وأنا لسه عايش.”
وفي نفس اللحظة، رن تليفون محمود في الصالة.
محمود بص للشاشة.
رسالة واحدة ظهرت:
“هو بدأ يشك.”
محمود مسح الرسالة بسرعة.
لكنه ما كانش يعرف إن مريم كانت واقفة خلف الباب.
وشافت كل حاجة.
حكايات شروق خالد
مريم فضلت واقفة ورا الباب ثواني، حابسة نفسها حتى ما يبانش صوت نفسها.
الكلمة اللي شافتها على شاشة موبايل محمود كانت لسه بتلف في دماغها:
«هو بدأ يشك.»
مين هو؟
وإيه اللي بدأ يشك فيه؟
وليه محمود، الراجل اللي سليم واثق فيه، بيمسح الرسالة بسرعة كأنه بيخبي جريمة؟
مريم رجعت خطوتين لورا، وبعدين دخلت المطبخ كأنها ما شافتش حاجة.
بعد أقل من دقيقة، سمعت صوت سليم من جوه الأوضة.
«مريم.»
دخلت وهي ماسكة الصينية.
«نعم؟»
بصلها سليم بتركيز.
«إنتِ كنتِ فين؟»
«ورا الباب.»
«وسمعتي حاجة؟»
اترددت لحظة، وبعدين قالت بهدوء:
«سمعت محمود بيتكلم في التليفون.»
عين سليم ضاقت.
«قال إيه؟»
«ما سمعتش الكلام كله.»
سليم فضل ساكت.
كان بيختبرها.
ومريم فهمت ده فورًا.
حطت الصينية قدامه وقالت:
«لو كنت سمعت حاجة مهمة، كنت قلت لك.»
«ليه؟»
«لأني مش بخون اللي وثق فيا.»
الجملة خلت سليم يسكت.
لأول مرة، بدأ يبص لمريم بشكل مختلف.
مش كخادمة.
ولا كموظفة.
لكن كإنسانة ممكن يعتمد عليها.
قال بصوت منخفض:
«مريم… لو حصل لي حاجة، إنتِ هتعملي إيه؟»
رفعت عينيها له.
«هطلب النجدة.»
ضحك ضحكة قصيرة، من غير فرحة.
«الناس اللي حواليّ ما بيطلبوش نجدة.»
«يبقى الناس اللي حواليك غلط.»
بصلها شوية، وبعدين قال:
«إنتِ غريبة.»
«وأنتَ متعود على ناس بتقول لك اللي تحب تسمعه.»
سليم ابتسم لأول مرة من غير ما يحاول يخبي ابتسامته.
لكن الابتسامة اختفت فجأة لما سمع صوت خطوات في الممر.
مريم بصت للباب.
«مين ده؟»
سليم قال:
«ما أعرفش.»
الباب اتفتح.
دخل راجل ما شافتهوش مريم قبل كده.
بدلة غامقة، وشعره أبيض عند الصدغين، وفي إيده ملف أسود.
وقف قدام سليم وقال:
«أنا الدكتور سامح، المستشار الطبي الجديد.»
سليم بص لمريم.
«أنا ما طلبتش دكتور جديد.»
الراجل ابتسم.
«الأستاذة نادين هي اللي طلبتني.»
سليم مد إيده للملف.
«هات.»
الدكتور اتردد.
«الأفضل إننا نتكلم لوحدنا.»
مريم حسّت بقشعريرة.
سليم قال بحدة:
«مريم تفضل.»
الراجل اتغيرت ملامحه للحظة، لكنه سلم الملف.
سليم فتحه.
أول ورقة كانت تقرير طبي.
قراه بسرعة.
وبعدين قلب الورقة.
وشه اتجمد.
«مين كتب التقرير ده؟»
«أنا.»
«التاريخ ده غلط.»
«ممكن يكون خطأ إداري.»
سليم رفع عينه.
«مش خطأ إداري.»
سكت لحظة.
«التقرير بيقول إني فقدت الإحساس بالكامل من مستوى الصدر لتحت.»
مريم قربت خطوة.
«وده مش صحيح.»
سليم بص لها.
«إنتِ عرفتي إزاي؟»
«عشان رجلك اليمين اتحركت امبارح.»
الدكتور سامح اتجمد.
«مستحيل.»
سليم ابتسم ببرود.
«ده اللي كنت عايز أتأكد منه.»
مريم فهمت في اللحظة دي إن سليم كان مخبي عليها حاجة.
من يومين، وهو بيعمل تمارين صغيرة جدًا لما يكون لوحده.
وكان فيه إحساس بدأ يرجع في ساقه اليمنى.
بسيط.
زي وخزة إبرة.
لكن موجود.
الدكتور سامح حاول يتدارك الموقف.
«حتى لو فيه استجابة عصبية بسيطة، ده مش معناه إن حالتك هتتحسن.»
سليم قفل الملف.
«اخرج.»
«بس يا سليم بيه…»
«قلت اخرج.»
خرج الرجل بسرعة.
مريم فضلت ساكتة.
سليم قال:
«دلوقتي عرفتِ ليه طلبت منك تراقبي الناس اللي تدخل عندي.»
«عشان في حد بيحاول يقنعك إنك مش هتقوم تاني.»
«مش بس كده.»
بص للملف.
«في حد عايز يثبت للكل إني عاجز.»
«عشان ياخد مكانك.»
«بالضبط.»
مريم قربت منه.
«نادين؟»
سليم رفع عينه لها.
«ليه بتقولي اسمها؟»
«لأنها أول واحدة قالت إنك ما عدتش تقدر تدير شغلك.»
سليم سكت.
وبعدين قال:
«نادين مش لوحدها.»
«محمود؟»
ما ردش.
لكن سكوته كان إجابة.
في نفس اللحظة، موبايله رن.
ظهر اسم نادين.
سليم فتح المكالمة وحطها على السماعة.
جاء صوتها ناعم وهادئ:
«حبيبي، أنا بس كنت عايزة أطمن عليك.»
سليم قال:
«أنا كويس.»
«محمود قال إن الدكتور الجديد شافك.»
«آه.»
«قال لي إن حالتك للأسف ما اتغيرتش.»
سليم ابتسم.
«الدكتور قال لك كده؟»
«آه.»
«غريبة.»
«ليه؟»
«عشان أنا ما قلتلوش لسه حالتي اتغيرت ولا لأ.»
سكتت نادين.
ثانيتين.
تلاتة.
وبعدين قالت:
«مش فاهمة قصدك.»
«ولا أنا.»
قفل سليم المكالمة.
مريم قالت:
«هي عرفت منين إن الدكتور شافك؟»
سليم بص لها.
«لأنها كانت مستنية تقريره.»
«يعني كانت عارفة إنه جاي.»
«وأكتر من كده.»
رفع الملف.
«هي اللي طلبته.»
مريم سألته:
«هتعمل إيه؟»
سليم رجع بضهره للكرسي.
«ولا حاجة.»
«ولا حاجة؟»
«هخليهم يفتكروا إني ما فهمتش.»
«وإنت هتعمل إيه؟»
ابتسم.
«هبدأ أتعلم أمشي من جديد.»
مريم اتسعت عينيها.
«دلوقتي؟»
«من دلوقتي.»
«الدكتور ياسر قال لازم نبدأ تدريجي.»
«الدكتور ياسر مش عارف اللي أنا عايزه.»
«وإنت عايز إيه؟»
سليم بص لها مباشرة.
«عايز أقف على رجلي قبل ما اللي خططوا لموتي يقرروا يخلصوا اللي بدأوه.»
مريم سكتت.
وبعدين قالت:
«يبقى لازم تعمل اللي هقوله أنا.»
سليم رفع حاجبه.
«إنتِ؟»
«أيوه.»
«وهتأمريني؟»
«لو عايز تمشي، آه.»
ضحك.
«طيب يا دكتورة مريم… ابدئي.»
في الأيام اللي بعدها، اتحول الدور اللي كان سليم بيعتبره سجنه إلى ساحة حرب.
كل صباح قبل ما أي حد يصحى، كانت مريم تدخل غرفته.
تقفل الباب.
تساعده في التمارين.
في البداية، كان مجرد تحريك بسيط.
بعدها ضغط.
بعدها محاولة رفع جسمه.
وكان كل مرة يقع فيها، يضرب بإيده على المرتبة بغضب.
«أنا مش هقدر.»
مريم كانت ترد دائمًا:
«هتقدر.»
«إنتِ ما تعرفيش.»
«أنا شايفاك.»
«شايفاني وأنا بفشل.»
«لأ. شايفاك وإنت بتحاول.»
وكانت الجملة دي بتخليه يقوم يحاول تاني.
بعد أسبوع، حصلت أول معجزة.
سليم وقف.
ثلاث ثواني فقط.
لكن وقف.
كان جسمه بيرتعش، وعرقه نازل على جبينه، ومريم ماسكة ذراعه بكل قوتها.
بص لتحت.
لرجليه.
وبعدين بصلها.
«أنا واقف.»
مريم ابتسمت والدموع لمعت في عينيها.
«أيوه.»
«أنا واقف يا مريم.»
ضحكت وهي بتحاول تخبي دموعها.
«قلت لك.»
لكن قبل ما يكمل فرحته، سمعوا صوت حاجة وقعت برا.
مريم لفت بسرعة.
سليم همس:
«ما تتحركيش.»
اتجهت للباب.
فتحت فتحة صغيرة.
الممر كان فاضي.
لكن على الأرض كان فيه ظرف أبيض.
مريم أخدته.
رجعت بيه لسليم.
فتح الظرف.
جواه صورة قديمة.
صورة لسليم قبل الحادث.
واقف قدام مخزن في الميناء.
وجنبه محمود.
وخلفهم عربية سوداء.
لكن المفاجأة ما كانتش في الصورة.
المفاجأة كانت في الشخص اللي واقف بعيد عنها.
رجل لابس جاكت أسود.
وشه نصه مستخبي.
سليم قرب الصورة من عينه.
وشه تغير تمامًا.
«مريم…»
«نعم؟»
«الراجل ده مات من سبع سنين.»
مريم بصت للصورة.
«مين؟»
سليم قال بصوت مخنوق:
«أبويا.»
وفي اللحظة دي، موبايله رن.
رسالة واحدة ظهرت على الشاشة:
«لو عايز تعرف مين ضربك، اسأل خطيبتك عن اللي حصل في الميناء ليلة موت أبوك.»
سليم رفع عينه لمريم.
ولأول مرة من يوم الحادث، ظهر الخوف الحقيقي في عينيه.
مش خوف على نفسه.
خوف من الحقيقة.
لأن الحقيقة كانت معناها إن المرأة اللي كان ناوي يتجوزها…
يمكن تكون السبب في كل اللي حصل له.
حكايات شروق خالد




