روايات وقصص

الخدامة التي أعادت حياته… وقلبه ج1 حكايات شروق خالد

مريم ما اهتمتش.

بدأت ترتب الأدوية والفوط في هدوء.

سليم فضل يراقبها.

كل الممرضات والخادمات اللي دخلوا البيت خلال الست شهور اللي فاتوا كانوا نوعين.

يا إما يخافوا منه ويرتعشوا بمجرد ما يقربوا.

يا إما يعاملوه كأنه طفل صغير، ويتكلموا معاه بصوت ناعم زيادة عن اللزوم، كأن الرصاصة أخدت عقله مع رجليه.

لكن مريم كانت مختلفة.

لا خوف.

ولا شفقة.

ولا تملق.

سحبت الغطا بهدوء.

فك سليم شد.

هو كان بيكره اللحظة دي.

بيكره إن حد يشوف جسمه بالشكل ده.

رجليه كانوا بيخسوا يوم بعد يوم، والعضلات بتضعف رغم جلسات العلاج الطبيعي اللي بيعملها تلات مرات في الأسبوع.

مريم ما اترددتش.

مسكت كاحله اليمين بإيد ثابتة، وبدأت تحرك رجله بهدوء، محافظة على حركة المفصل عشان تمنع التيبس.

سليم اتفاجئ من دفء إيديها.

ما كانش فيها خوف.

ولا اشمئزاز.

قالت وهي بتفحص رجله:

“القدم الشمال فيها تورم بسيط.”

ثم رفعت عينيها وقالت:

“هرفعها شوية بعد الحمام.”

سليم فضل مركز في وشها.

مفيش مكياج.

مفيش تصنع.

وفي حاجبها الشمال علامة صغيرة قديمة.

سألها فجأة:

“إنتِ هنا ليه؟”

مريم وقفت.

كانت ماسكة ركبته.

رفعت عينيها له.

وقالت:

“النهارده التلات.”

سليم عقد حاجبيه.

“وبعدين؟”

قالت بمنتهى الهدوء:

“وأنا بشتغل يوم التلات.”

ظل ساكتًا لحظة.

ثم قال:

“أنا أقصد ليه بتشتغلي هنا؟ في البيت ده؟ معايا؟”

وسكت قبل ما يضيف:

“اللي قبلك كانوا بيمشوا بعد أسبوعين. إنتِ بقالك شهر.”

مريم ما بعدتش عينيها عنه.

قالت:

“عشان المرتب.”

سليم رفع حاجبه.

كملت:

“باخد خمسة وتلاتين جنيه؟ لا، خمسة وتلاتين دولار في الساعة من الشركة، وبعد خصم العمولة بيفضل لي خمسة وعشرين.”

ثم قالت:

“عندي إيجار، وأختي الصغيرة محتاجة علاج، وأمي مش قادرة تساعدني.”

رجعت تحرك رجله.

“فأنا هنا عشان الفلوس.”

ولا كلمة زيادة.

ولا محاولة إنها تبين له إنها مختلفة.

ولا محاولة تكسب ثقته.

مجرد الحقيقة.

سليم حس بحاجة غريبة في صدره.

حاجة ما حسهاش من شهور.

كأن طبقة التلج اللي غطت قلبه بدأت تتشقق.

بص لإيديها.

إيدين ثابتين.

بيحركوا عضلات هو نفسه مبقاش قادر يحس بيها.

إيدين بيحافظوا على جسم الناس اللي كل اللي حواليهم قرروا إنه انتهى.

قال بصوت منخفض:

“خمسة وعشرين مش كفاية.”

مريم مدت إيدها وأخدت الفوطة الدافية.

وقالت:

“أحسن من شغل كتير.”

وبعدين قربت منه وقالت:

“ممكن تميل لقدام شوية؟”

سليم مسك المقبض المعلق فوق السرير.

شد جسمه بكل قوته.

عضلات ذراعه وكتفه ظهرت وهو بيرفع نفسه.

مريم بدأت تمسح ظهره بالفوطة الدافية.

المياه الدافية لامست العضلات المشدودة حوالين كتفه.

سليم غمض عينيه.

لأول مرة من شهور…

حس براحة.

ولأول مرة من وقت الحادث…

ما حسش إنه قطعة أثاث مكسورة.

ما حسش إنه عبء.

ما حسش إنه شبح.

حس، ولو للحظات قليلة…

إنه راجل.

لكن مريم ما كانتش تعرف إن وجودها في بيت المنشاوي مش هيكون مجرد شغل.

لأن بعد أيام قليلة، هتكتشف حاجة محدش قدر يكتشفها خلال شهور.

الرصاصة اللي شلت سليم ما كانتش مجرد محاولة اغتيال.

والشخص اللي أمر بإطلاقها…

كان موجودًا داخل البيت نفسه.

وكان أقرب لسليم مما يتخيل.

حكايات شروق خالد

في اليوم التالي، صحى سليم قبل الفجر بساعة.

ما كانش متعود يصحى بدري من غير سبب.

لكن صوت خافت عند باب أوضته هو اللي فوقه من النوم.

فتح عينيه، فشاف مريم داخلة بهدوء، شايلة كوب مية وعلبة الدوا.

قال من غير ما يبصلها:

“الساعة كام؟”

“خمسة إلا ربع.”

“إنتِ بتدخلي أوضتي كل يوم قبل الفجر؟”

حطت الأدوية على الترابيزة.

“لما يكون عندي وردية الصبح.”

“ومش بتخافي؟”

مريم بصت له باستغراب.

“من إيه؟”

سليم لف وشه ناحيتها.

“مني.”

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

“إنت مش مخيف زي ما الناس بتقول.”

سليم ضحك ضحكة قصيرة، لكنها كانت خالية من أي فرحة.

“لو عرفتي أنا عملت إيه في ناس قبل كده، مش هتقولي كده.”

مريم بدأت تجهز المياه.

“أنا مش هنا عشان أعرف ماضيك.”

“وأمال هنا ليه؟”

“قلت لك.”

“الفلوس.”

“أيوه.”

سكت سليم.

الغريب إنه لأول مرة ما حسش بالإهانة من إجابة حد.

كان كل اللي حواليه بيحاولوا يقنعوه إنهم موجودين عشانه.

لكن مريم الوحيدة اللي قالت له الحقيقة.

هي موجودة عشان الفلوس.

وبس.

بدأت تحرك رجليه، وبعدها لاحظت إن سليم بيقبض إيده بقوة.

قالت:

“وجعك؟”

“لا.”

“إنت بتكدب.”

فتح عينيه وبصلها.

“إنتِ بتتهميني بالكذب؟”

“أيوه.”

رفع حاجبه.

أي حد تاني كان قال الجملة دي كان ممكن يندم في نفس اللحظة.

لكن مريم كملت شغلها وكأنها ما قالتش حاجة.

“مش كل ألم لازم تحسه في رجلك. جسمك كله بيتعب.”

سليم سكت.

وبعد دقائق، قال:

“الدكاترة قالوا إني ممكن أمشي تاني؟”

إيديها توقفت.

“قالوا إيه؟”

“ممكن… أو مستحيل.”

مريم ما جاوبتش فورًا.

ثم قالت:

“الدكاترة بيقولوا احتمالات. الإنسان هو اللي بيحدد هيعمل إيه بالاحتمالات دي.”

بصلها فترة طويلة.

“إنتِ بتتكلمي كأنك دكتورة.”

“لا.”

قالت وهي بتعدل الوسادة وراه:

“أنا بس اتعلمت إن اللي بيستسلم بسرعة بيموت وهو عايش.”

الجملة ضربته في مكان حساس.

سليم بص للسقف.

من يوم الحادث، محدش كلمه بالشكل ده.

كلهم كانوا بيقولوا:

“خلي بالك من نفسك.”

“استريح.”

“متتعبش نفسك.”

“خليك إيجابي.”

كلام فارغ.

مريم كانت أول واحدة تقول له الحقيقة.

إنه لو استسلم، هيعيش باقي عمره كأنه ميت.

بعدها دخلت جلسة العلاج الطبيعي.

المعالج، الدكتور ياسر، كان راجل محترم لكنه بقى متوتر كل مرة يدخل فيها الجناح.

قال:

“صباح الخير يا أستاذ سليم.”

“ابدأ.”

الدكتور قرب من رجليه وبدأ يحرك المفاصل.

لكن سليم كان عينه على مريم.

كانت واقفة عند الباب، بتراجع قائمة الأدوية.

بعد حوالي عشرين دقيقة، خرج الدكتور.

مريم كانت لسه موجودة.

قال لها سليم:

“إنتِ ليه ما خرجتيش؟”

“عشان لسه ورديتي مخلصتش.”

“قربي.”

قربت.

“اقعدي.”

“ليه؟”

“اقعدي بس.”

قعدت على الكرسي المقابل للسرير.

سليم سألها:

“أختك اسمها إيه؟”

مريم اتفاجئت.

“ليلى.”

“عندها إيه؟”

اتغيرت ملامحها.

“مشكلة في القلب.”

“عملية؟”

“محتاجة عملية.”

“وتكلفتها؟”

مريم هزت راسها.

“مش شغلك.”

سليم ابتسم لأول مرة.

“أول مرة حد يقول لي الجملة دي.”

“يمكن عشان الناس كلها بتخاف منك.”

“وإنتِ؟”

“أنا بخاف.”

سليم بص لها.

مريم كملت بهدوء:

“بس مش منك.”

“أمال من إيه؟”

“من اللي ممكن يحصل لو خسرت شغلي.”

للحظة، ما عرفش يرد.

ثم قال:

“كام؟”

“إيه؟”

“عملية أختك.”

سكتت.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى